كيري في الرياض

(طبطبة) على الكتف السعودي لم تهديء القلق!


اعتادت الرياض ان تكون في حضن قوة عظمى، بدأت ببريطانيا وانتهت بأمريكا. يصعب عليها أن تنفطم وتستقل، لا لأنها لا تريد ذلك، بل لأنها تشعر بأنها غير قادرة على توفير الحماية الذاتية، ولأن الإرادة السياسية ضعيفة، ولأن الإعتقاد السائد في الرياض يقول بأن الرهان على الحصان الأمريكي يفوز دائماً في السباق. هذه المرة كانت مخطئة


محمد الأنصاري

في الثالث من نوفمبر الجاري، كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري في الرياض لمداواة غضبها وزعلها على الحليف «الاستراتيجي والتاريخي والدائم» كما يوصف دائماً. الغضب السعودي كما هو معروف، والذي بانت إشاراته في الغاء خطاب السعودية في الأمم المتحدة وانسحاب السعودية من عضوية مجلس الأمن متخلية عن مقعدها الذي ناضلت من اجله سنتين كاملتين، بحجة ان مجلس الأمن لم يفعل شيئاً في قضايا سوريا وفلسطين و… إيران!

ما فعلته السعودية (الحردانة) في مجلس الأمن واجتماعات الأمم المتحدة كان موجهاً لواشنطن، لا كتحذير، فالرياض أقلّ من أن تحذّر، وإنما كإشارة على زعل من (الماما) التي تبدو أنها قد قلّلت اهتمامها بالولد السعودي المدلّل.

في الكونغرس، وفي أروقة الحزب الجمهوري، ظهرت أصوات تتصيّد الزعل السعودي وتوجهه ضد ادارة اوبام (التي تتخلّى عن حلفاء أمريكا الاستراتيجيين). فماذا ستفعل واشنطن لإرضاء الإبن الذي قد يصبح (عاقّاً) أو حتى (ضالاًّ)؟!

الرياض بَنَتْ استراتيجيتها على أساس أن العداء الأمريكي والغربي مع ايران سيستمر الى أن ينهار النظام في طهران. وهي قد انخرطت في كل المشاريع الاقتصادية والسياسية والاستخباراتية والعسكرية لتحقيق هذه الغاية، ولكن دونما فائدة كبيرة، فالنظام الإيراني اليوم أبعد ما يكون عن السقوط الذي تمنته الرياض.

الآن حدث تغيّر جوهري في الاستراتيجية الأميركية، بل ان هناك تحولاً عالمياً في موازين القوى. ملخصه بالنسبة للسعودية والحليفة الأميركية الأخرى اسرائيل، هو أن منطقة الشرق الأوسط (والخليج بالتحديد) أصبحت أقلّ أهمية مما كانت عليه في الماضي، وأن الإزعاج المتأتّى من هذه المنطقة قد سبّب صداعاً كبيراً وألهى واشنطن عن التحولات الكبرى في الموازين الإقتصادية والسياسية العالمية والتي مكانها في منطقة أخرى: امريكا اللاتينية، ومنطقة جنوب شرق آسيا، حيث القوى المنافسة اقتصادية قد حدّت أسنانها السياسية باحثة عن دور مستقبلي.

الرياض لا تفهم هذا، او لا تريد ان تفهم هذا التحوّل.

هي تعتقد ان أمريكا لاتزال شرطي العالم، بل إله العالم! وان الهدف الأساس لم يتحقق بعد حيث لم يسقط النظام الإيراني ولا النظام السوري، ما يعني ان ضعف الإهتمام الأميركي الذي قد تتم ترجمته على شكل إعادة العلاقات الأميركية الإيرانية، سيؤدي في نهاية الأمر الى أن ترث طهران ـ أو هذا ما تتخوّف منه الرياض ـ النفوذ الأميركي في الخليج وغيره، مع تهميش أكثر للرياض ودورها، وزيادة على ذلك ربما يتطلّب الأمر إخضاع الرياض في نهاية الأمر الى إيران، وهو ما لا يمكن أن تقبل به.

الرياض متألمة ليس من فقدان الحماية الأميركية، فهذه المظلّة لاتزال منصوبة وإن أصابها بعض التشقّق.

الرياض تخشى على دورها، ولذا لم تأبه الرياض كثيراً بتصريحات كيري اثناء زيارته لها من أن واشنطن لن تسمح بأي تهديد للسعودية وقطر ودول الخليج والأردن وحتى مصر!

الدور.. لا الحماية هو ما تبحث عنه الرياض!

ترى ماذا قال كيري لسعود الفيصل في الرياض؟ هل داوى الزعل السعودي؟ وكيف؟

بغض النظر عن تصريحات كيري بأن الرياض وواشنطن يسعيان لذات الأهداف في سوريا وأهمها ابعاد الأسد عن الحكم، فإنه لم يأتِ على الجرح السعودي (المتعلق بإيران وهو المهم)، كما أنه في نهاية الأمر، أكد على كل ما اتفق بشأنه مع لافروف وزير الخارجية الروسي من أن جنيف ٢ هو الحل، وأن لا حل عسكرياً للأزمة السورية. فهل أرضى هذا الرياض؟ كما انه ـ أي كيري ـ اكد مراراً بأن الحل السلمي لبرنامج ايران النووي مقدّم على ما سواه، وان واشنطن ماضية فيه.

أنهى كيري زيارته للرياض، وفي المؤتمر الصحفي المشترك مع سعود الفيصل لم تتغير السياسات، فالأخير اكد على تكلام كيري بأن الخلاف مع واشنطن تكتيكي، وزاد بأن تحدث عن بلاده بأنها (مستقلّة) في إشارة الى أن الأصدقاء يمكن أن يختلفوا!

طاف وزير الخارجية السعودية على أبو ظبي والمنامة والكويت وتالياً مسقط، مستثنياً الدوحة، بمجرد أن انتهى الوزير من توديع كيري.. ما يعني أن النقاش لم ينحصر في الموضوع السوري والنووي الإيراني، بل تعدّاه الى موضوعات لها علاقة مباشرة بالسعودية ومنطقة الخليج وأمنهما.

ماذا قال كيري لسعود الفيصل؟ رجحت مصادر صحفية بأن كيري أطلع زميله على التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية، وطمأن الفيصل بأن واشنطن لا تتخلّى عن حلفائها، وأن الغرض في النهاية نزع الأسنان النووية الإيرانية ـ إن كانت موجودة. وفي الموضوع السوري طلب كيري مساعدة الرياض في حمل المعارضة السورية على قبول الحضور في مؤتمر جنيف، لكن الرياض واربت وربطت ذلك بتحولات ما، ووعدت بأن تبذل جهداً ما غير قطعي.

الرياض، كما تقول ذات المصادر، شرحت مبررات غضبها من واشنطن من جهة أن الأخيرة لم تلحظ أو تقدّر حجم التهديد الإيراني للسعودية نفسها، وان سعود الفيصل قال لكيري بأن بلاده محاطة بالنفوذ الإيراني، الذي وصل الى مصر الإخوانية، وهنا كان سبب تدخل الرياض في مصر ودعم السيسي (خلافاً لموقف واشنطن) لأنها لا تريد أن تصبح مطوّقة من كل الإتجاهات: العراق وسوريا ولبنان وحماس شمالا، والحوثيين جنوباً، ومصر غرباً، وايران شرقاً.

وتحدثت أنباء غربية عن أن كيري وعد السعودية بأن النفوذ العسكري الأميركي في الخليج لن يورّث لإيران حال أنقصت وجودها او انسحبت من هناك، وأن الرياض ـ وبقدر همّتها ـ تستطيع أن تملأ الفراغ أو الجزء الأكبر منه إن حدث ذلك، وان مسألة أمن الخليج ستبقى في قائمة اهتمام الإستراتيجية الأميركية.

يقال بأن سعود الفيصل انتزع من كيري تنازلات ما بشأن البحرين، حيث لا ضغوط أميركية من اجل الإصلاحات، فهذه الحديقة الخلفية للسعودية كما نظيرتها اليمنية، من مواقع النفوذ السعودي التي يجب تحصينها، ويكون للرياض قول الفصل فيها. لكن هناك من رجح عكس ذلك تماماً، بأن الرياض تلقت تحذيراً من كيري حول تشددها في الملفين اليمني والبحريني.

ورجح المراقبون ان زيارة سعود الفيصل الى ابو ظبي والمنامة ثم الكويت ثم مسقط كانت بغرض اطلاع المسؤولين الخليجيين فيها على نتائج زيارة كيري، وللتنسيق بشأن الخطوات القادمة التي تحصّن المنطقة الخليجية من أية تداعيات صفقة قد تعقد بين ايران وامريكا بشأن الملف النووي الإيراني، وموضوعات اخرى في المنطقة.

ما يرجح هذا الأمر، هو أن الفيصل لم يزر قطر، لأن لها اجندة مختلفة، وهي ترفض الانصياع للزعامة السعودية. اما مسقط، فعلاقاتها الوثيقة بطهران ليست خافية، وهي عضو غير مشاكس في مجلس التعاون الخليجي، ولكنها عضو غير مطيع للسعودية، وقد دأب على الموافقة على قرارات مجلس التعاون الخليجي، ولكنه لا يلزم نفسه بتطبيقها، سواء تعلق الأمر بإيران أو مصر أو غيرها.

لا يبدو أن زيارة كيري هدّأت المخاوف السعودية كثيراً بقدر ما حمّلتها مسؤولية البحث منفردة عن دور لها في المستقبل، وعدم التعويل فقط على الدعم الأميركي. بمعنى آخر، فإن السعودية مقتنعة اليوم بأنها يجب أن تكافح بنفسها من أجل تأكيد دورها في الملفات الإقليمية.

الرياض التي سرّبت زعلها على الحليف الأميركي من أجل الضغط عليه لتغيير سياساته، وهو ما فعله بندر بن سلطان، لا تتمتع بخيارات كثيرة تبعدها عن واشنطن، ولا يبدو أن الأوراق التي بيدها قابلة للصرف في خصومة كونها في وضع تابع كلياً لأمريكا في مجالات اقتصادية وعسكرية وسياسية وأمنية لا تستطيع الرياض الفكاك منها.

تستطيع الرياض أن تأخذ حصّة من النفوذ عبر التفاهم مع القوى الإقليمية التي فتحت الرياض النار عليها جميعاً: ايران، العراق، تركيا، وسوريا، وحتى مصر الإخوانية.

وتستطيع الرياض أن تستعيد بعضاً من نفوذها الضائع عبر فتح آفاق العلاقات مع قوى دولية عظمى بدل حصرها مع واشنطن والعواصم الغربية. لكن الرياض فتحت أيضاً النار على روسيا بجهالة بالغة، ولم تحسن تعاملها السياسي/ وليس الإقتصادي مع الصين.

الرياض اليوم لا تستطيع أن تستقلّ بقرارها، ولا أن تهدد حليفها الأميركي بالبدائل. فهذه البدائل تبدو معطلة وغير مفعلة وتحتاج الى زمن لإنضاجها.

لا تستطيع الرهان على حصان آخر تمنّت تكسير قوائمه!

الحامي الأميركي يستطيع تدمير المحمية السعودية إن أراد!

والاعتماد على الذات يحتاج الى بعد نظر وسياسة طويلة المدى لم تنخرط فيها الرياض البتة.

والإستقلال بالقرار وبالرؤية والمنهج بحاجة الى عقل مدبّر والى خطط بعيدة المدى، والى أثمان لا بدّ من دفعها لتحقيق تلك الغاية.

المملكة بوضعها الحالي لا تستغني عن الغرب (امريكا خصوصاً) مهما أهملت الأخيرة الرياض واحتقرتها.

والأسوأ أن السياسة السعودية الخارجية لم تتغير ولم تراجع اصلاً، ما يعني ابقاء الحلفاء كما هم والأعداء سيبقون أعداءً في المستقبل.

صحيح ما قاله البعض بأن الأحقاد هي المحرك الأساس للسياسة الخارجية السعودية وليس المصالح؛ فما تفعله الرياض في كثير من مواقفها لا علاقة له بمصالح استراتيجية نافعة، ان لم يكن العكس.

الصفحة السابقة