(الإخوان) وابن سعود

من التفاهم إلى التصادم

عمر المالكي

سيرة العلاقة بين عبد العزيز وجيشه العقائدي (الإخوان)، هي سيرة مشروع الدولة الذي قام على أساس تصوّرات عقدية لأهداف سياسية طموحة. لم يكن عبد العزيز، أو إبن سعود، يدرك في بادىء الأمر القوة الكامنة التي ينطوي عليها الإخوان، وكان قد تشكّل على تخوم مركز سلطته، وخارج النسق السياسي الذي أراده معبراً سريعاً إلى حلمه الكبير، أي إقامة الدولة. بقي إبن سعود دون عقيدة قتالية لما يربو عن العقد من الزمن، فكان يقاتل من أجل الدولة ضمن رؤية سياسية محض. ولكن ذلك المشروع ـ الحلم بقي دون تحصين أيديولوجي، خصوصاً في ظل صراعات قبلية تتكافىء من حيث القوة العددية والتجهيزية والروح القتالية. وفي لحظة ما بعد منجز عسكري لافت، عثر إبن سعود على العنصر المفقود في مشروعه السياسي، ممثلاً في العقيدة السلفية التي كان يعتنقها جيش قد شارك من قريب معه في فتح الإحساء، ورأى بعينه كيف حوّلت تلك العقيدة ذلك الجيش إلى قوة قاهرة، تلوذ بالشعار الديني لتبرير أشد إقترافاتها القتالية الدموية، فعاد إبن سعود من الأحساء إماماً بعد أن كان أميراً وسلطاناً. ولكن قبل ذلك، متى أفاق إبن سعود على قوة الإخوان، وماهي مقدمات تلك العلاقة الحاسمة التي نشأت بين ابن سعود وقادة الإخون وخصوصاً فيصل الدويش وسلطان إبن بجاد، وفي نهاية المطاف إلى أين وصلت، وكيف أسدل الستار على تلك العلاقة؟

الاخوان: جيش عقائدي بلا رؤية

من الكويت إلى الرياض

أمضى عبد الرحمن بن فيصل آل سعود مع إبنه عبد العزيز، البالغ من العمر ـ حينذاك ـ أحد عشر عاماً، في الكويت عقداً من الزمن، في ظل تحوّلات جيوبوليتيكية إقليمية ودولية، حيث حصل إبن الرشيد على ضوء أخضر من الآستانة لجهة مدّ رقعة دولته لتشمل مناطق واسعة بما في ذلك الكويت، فيما كانت تتشكّل تحالفات سياسية على قاعدة مصالح متبادلة، فوقف العثمانيون إلى جانب إبن الرشيد، ووقف الإنجليز مع آل الصباح، ثم دخول عنصرين دوليين وهما الألمان والروس، يختفيان خلف جبهة الخليج والنزاع العثماني ـ الإنجليزي الدائر في المنطقة. وكان الصراع محتدماً بين الإنجليز والألمان بشأن خط سكة الحديد بين برلين وبغداد، الذي كان ينظر إليه على أنه محاولة لفتح خط سياسي ونفوذ في المنطقة، وكذلك الحال بالنسبة للروس الذين خاضوا حروباً طويلة مع العثمانيين في القرن التاسع عشر وهدّدوا قلب الدولة العثمانية، فكانوا يسعون الى إحداث إختراق في المنطقة، في وقت كان الإنجليز يجهدون من أجل الإنفراد بالسيطرة على إمارات الخليج.

في ظل التجاذبات الحادّة بين القوى الدولية، كان ثمة عامل حاسم مشدود إلى نمط التحالفات السياسية القائمة، وأن وجود قوة إقليمية مرتبطة بقوة دولية كفيل بإحداث خلخلة في بنية التحالفات القائمة، بالنظر الى المتغيّرات المحلية والدولية. وكانت علاقة عبد العزيز، مؤسس الدولة السعودية الثالثة، وثيقة بأمير الكويت الشيخ مبارك الصباح الذي كان بدوره يحتفظ بعلاقات وثيقة بالإنجليز، ما اعتبر مفتاحاً لعلاقة إستراتيجية مستقبلية بين إبن سعود والإنجليز، رسّخه وجود عدو مشترك يتمثل في العثمانيين وإبن الرشيد الذي أقام على ماء الحفر في أطراف الكويت بهدف ضمها الى إمارة الرشيد، فاتفق عبد العزيز ومبارك على تصفية جيوب نجد من أسرة آل الرشيد، وطلب الشيخ مبارك من عبد العزيز بالتوجّه نحو الرياض (وقد كان إبن سعود أشد منه رغبة في ذلك وأعظم ميلاً لتحقيق تلك الأمنية)1.

وخرج إبن سعود ضمن جيش يقوده مبارك الصباح لمحاربة إبن الرشيد، ثم أصبح على رأس ألف مقاتل، وتظاهر بغزو أطراف بادية الجنوب، وأقام هناك بانتظار نتائج المعارك الدائرة بين قوات إبن الرشيد ومبارك الصباح. وبعد أيام قلائل تحرّك عبد العزيز نحو الرياض، والتقى جيش ابن الرشيد في موقعة الصريف في مارس 1901، فتكبّد إبن سعود هزيمة ساحقة إضطرته للإنسحاب الفوري والفرار إلى الكويت، فتعقّبته قوات ابن الرشيد، ولولا تدخّل المدافع الإنجليزية الموجّهة لقوات ابن الرشيد لوقعت الكويت وأميرها تحت سيطرة إبن الرشيد، وقد يكون إبن سعود في عداد القتلى.

في العام التالي 1902، قرر عبد العزيز خوض معركة جديدة ضد إبن الرشيد بهدف إحتلال الرياض، وتكفّل مبارك الصباح بتجهيز قوات إبن سعود، رغم خشيته من طوحات الأخير في بلاده، وهو ما كشف عنه أحد أتباع أمير الكويت وهو يشرح ما يبيّته إبن سعود (كان ـ الشيخ مبارك ـ يعلم أن ابن سعود إذا ما تمّ له ما يريد في نجد أنه سيشرع بتوسيع نفوذه وسلطانه واستئصال شأفة من يقف في وجهه ولو كان مباركاً صديقه وحميمه. كان يعلم هذا منه لأن طبيعة الملك تقتضيه وأطماع الملوك الكبار لا تخرج عن دائرته، ومبارك يعلم أن صاحبه واحد من أولئك..)2.

هواجس أسرة آل الصباح تعزّزت بعد احتلال الأحساء عام 1913، حيث فتحت إنتصاراته شهية منفلتة يعزّزها الجيش العقائدي الذي كان يسير وفق تصوّرات عقدية تقوم على تكفير سكان المناطق المجاورة تمهيداً لغزوها واحتلالها. وكان شعار (الملك لله ثم لعبد العزيز) قد أثار مخاوف مبارك الصباح، الذي وقع تحت تهديد مزدوج فاختار مواصلة دعمه لابن سعود من أجل درء خطر داهم ومباشر يمثّله إبن الرشيد، فكان مبارك سخيّاً مع ابن سعود في حربه ضد ابن الرشيد. وذكر عبد العزيز الرشيد (أما مبارك آل الصباح، فكان في تلك الوقائع بين الأميرين ـ إبن سعود وإبن الرشيد ـ هو ركن إبن سعود الأعظم الذي عليه يعتمد، فتراه يبعث إليه الإمدادات بسخاء وكرم ويخرج إليه الحملات الواحدة تلو الثانية والقافلة إثر أختها تحمل الأطعمة تارة والذخيرة أخرى، وفوق ذلك فإن مباركاً كان يرسم الخطط الحربية له، وهو في مدينته، فانتصار إبن سعود إذاً على إبن الرشيد هو انتصار لمبارك على خصمه وتنفيذ لخططه التي رسمها..)3.

وسار إبن سعود الى الرياض على رأس سريّة، وهبط فيها ثم تسلّق هو وأتباعه البالغ عددهم 64 رجلاً في ليلة الخامس من يناير سنة 1902، بيت إمرأة من أقاربه وكان مجاوراً لقصر ابن عجلان، أمير الرياض من قبل إبن الرشيد، ففزعت النساء لطرق الباب ليلاً. سألت إحدى النساء من خلف الباب عن هوية الطارق، فتظاهر ابن سعود بأنه يريد من زوجها، جويسر، شراء بقر للأمير في صباح الغد، فرفضت فتح الباب، وقالت له: لا يطرق باب النساء في الليل إلاّ فاسد، فهدّدها إبن سعود بابن عجلان وأنه سينتقم من زوجها إن لم تفتح له الباب، فاضطّرت لفتحه مرغمة، فهجم إبن سعود وأتباعه، وتعالت صيحات النساء، وهدّد إبن سعود صاحب البيت، جويسر، بالقتل إن لم يلتزم الصمت، وتسلل إبن سعود وأتباعه الى غرفة نوم إبن عجلان، فاقتحمها، ووجد زوجته لؤلؤة بنت إبن حماد وأختها نائمتين، ففرّتا من الفراش، فيما بادر عبد العزيز إلى السؤال عن إبن عجلان، فأجابت زوجته أنه في القصر ومحاط بالحرس. فانتظر إبن سعود حتى الصباح، وعند طلوع الشمس خرج الأمير ابن عجلان، قاصداً بيته فلحقه إبن سعود، ولكن ابن عجلان ولّى هارباً، فرمقه رجال ابن سعود ولحقوا به فوقع في قبضة إبن سعود، فرماه وأراده قتيلاً، وتمكّن من احتلال الرياض في عيد الفطر سنة 1319هـ.

بدأ عبد العزيز في تعزيز سيطرته على الرياض، استعداداً لشن سلسلة من الغزوات على المناطق الخاضعة تحت سيطرة إبن الرشد، فخاض حرباً ضد الأخير في موقعة البكيرية والشنانة سنة 1904، ونجح في فرض سيطرته الكاملة على منطقة نجد، ما دفع الأتراك للدخول معه في مفاوضات والتي نصّت على أن يعترف الأتراك بسلطان عبد العزيز على نجد، في مقابل إبقاء مستشارين أتراك فيها، إلا أن عبد العزيز وبعد موافقته على شروط المفاوضات أقدم على خرقها، وشنّ حملة عسكرية على مدينتي عنيزة وبريدة وفرض سيطرته عليهما.

وكان إندلاع تمرد في اليمن قد ساعد إبن سعود على مواصلة عملياته العسكرية وتعزيز وجوده في القصيم، ما أدى الى استعانة الأتراك بقوّاتهم المرابطة في القصيم بهدف قمع التمرد في اليمن، وتثبيت سلطانهم، وأدى ذلك الى تجدّد المواجهات العسكرية بين ابن سعود وابن الرشيد، وانتهى بموقعة (روضة المهنا) سنة 1906، قتل فيها إبن الرشيد عبد العزيز بن متعب، وتمكن بذلك من فرض هيمنته على نجد والقصيم4.

أشعل إنتصار إبن سعود في مركز سلطته تطلّعاً مختمراً منذ سنوات، حيث قرر احتلال الأحساء بوصفها إمتداداً جيواستراتيجياً لمنطقة نجد. وكما في الدورين الأول والثاني من التاريخ السياسي السعودي، فإن سقوط نجد تحت سلطة حاكم نجد، يفضي بالضرورة إلى تمهيد الطريق نحو سقوط الأحساء بالقوة، فقد تحوّلت الأخيرة إلى عمق إستراتيجي لا غنى عنه بالنسبة لحكّام نجد. وجاءت الظروف السياسية الإقليمية لصالح إبن سعود كيما يحقّق طموحه العسكري في احتلال الأحساء، بعد أن اندلعت شرارة الحرب بين الأتراك والطليان في طرابلس بليبيا سنة 1913، واضطرت الدولة العثمانية أن تكرّس جهودها لمواجهة الإحتلال الإيطالي، وأفسح ذلك في المجال أمام إبن سعود لاستثمار هذه الفرصة التاريخية بصورة فورية. وفي مطلع عام 1913، هجم عبد العزيز وجنوده على الأحساء بعد أن أطلع الضابط الإنجليزي ليتشمان على خطته لترتيب أوضاع المنطقة بين الطرفين بعد السيطرة عليها، فدخل إبن سعود الأحساء وثبّت أقدامه فيها، ثم فرض تدابير إدارية لضبط السيطرة على المنطقة. كتب إ.فاسيلييف (عيّن عبد العزيز عبد الله بن جلوي حاكماً للأحساء وأخذ هذا ينكّل بنشطاء الشيعة دون رحمة وخصوصاً في القطيف)5. فيما فرض إبن سعود الضرائب الباهظة على الأهالي، واستخدام الأحساء كمورد منظم للدولة بواسطة الرسوم الجمركية6.

إبن سعود: إمام بدعم الكفّار!

الأخوان.. وظيفة مزدوجة

نشأت حركة الإخوان بعد تأسيس أولى المستوطنات في شهر ديسمبر 1912 في الأرطاوية التابعة لقبيلة مطير، بقيادة الشيخ عبد الكريم المغربي. يقول عنه ديكسون (كان المعلم الأكبر لفالح باشا السعدون شيخ المنتفك..وأصبح بعد ذلك معلّماً لمزعل باشا السعدون والد إبراهيم بيك السعدون، وعندما ترك عبد الكريم خدمة مزعل باشا غادر العراق إلى نجد حيث أظهر نفسه كمعلّم ومصلح ديني في مدينة الأرطاوية التي كانت وكراً صغيرة للوهابية..)7.

ونشطت حركة الإخوان في الأرطاوية، وتحوّلت الى حركة عسكرية تحت قيادة المغربي، ثم تسلّمها فيصل الدويش، زعيم قبيلة مطير، وشنّت غارات متلاحقة على المناطق المجاورة، ورفضت الخضوع لأية سلطة مركزية.

تنبّه إبن سعود لحركة الإخوان كقوة عسكرية وأنها قد تتحوّل إلى مصدر تهديد لسلطته في نجد، وتأكّد بعد إستيلائه على الأحساء أن الإخوان باتوا قوة ضاربة ليس من السهل الإصطدام بها، حيث أبدوا تفانياً في المعارك، فكان حيال هذه الحركة المتصاعدة أمام خيارين: إما القضاء عليها، وهذا ينطوي على كلفة باهظة فضلاً عن إحتمالات فشل الخيار، أو إحتوائها والإفادة منها وتوظيفها في مشروعه العسكري المتمدد، وهذا يتطلب تبني أيديولوجية دينية، ورفع الشعارات السلفية التي يعتنقها الإخوان. بدأ ابن سعود يتظاهر بالإلتزام بالتعاليم الوهابية، وقرر إرتداء لباس الإمامة وخلع لباس السلطنة، ريثما يحقق أغراضه من القوة العسكرية الناشئة والفتّاكة. وفي عام 1916، وجّه إبن سعود نداءً الى قبائل نجد للإنخراط في صفوف الحركة الجديدة، ودفع الزكاة له بصفته إمامهم الشرعي8.

أطلع إبن سعود قادة (الإخوان) على خططه السياسية التي أسبغ عليها طابعاً دينياً بهدف إقناعهم بها، وعرض عليهم فكرة الإشراف على هجر قبائل نجد التي كان ينوي عبد العزيز إقامتها، ورغم إعلان (الإخوان) الرفض المتكرر لعروض إبن سعود، غير أنه تمكّن بدهاء من إقناعهم، بنفس الطريقة التي إنتزع فيها إعترافاً بإمامته عليهم.

من جهة ثانية، عمد إبن سعود الى تذويب كيان الأخوان وتفتيته عبر النداء الذي أطلقه للقبائل لجهة الإنضمام الى الإخوان، حينما بدأ في خطة إقامة الهجر على غرار هجرة الإرطاوية، سعياً وراء إضعاف الروابط القبلية، حيث بلغ عدد الهجر نحو 220 توزّعت على مناطق نجد والحجاز وشملت المناطق الشمالية المحاذية للأردن.

كان ابن سعود ينظر إلى قبيلة العجمان كقوة منافسة ومصدر تهديد لحكمه، ولذلك (كان ينوي نقل قبيلة العجمان من منطقة الأحساء الساحلية ـ موطنها الأصلي ـ إلى نجد حيث يقسّمها إلى أقسامها العشرين التي تتألف منها ويضع كل قسم في حاضرة من حواضر الإخوان وذلك لكي يشتت شملها)9.

وبالفعل، نجح إبن سعود في إخضاع العجمان سنة 1919، وتوزيعهم على الحواضر واعترفوا به إماماً عليهم، وعادوا الى مقاطعات نجد، وهناك تلاشت قوتهم وذابوا في كيان الإخوان. طلب عبد العزيز من القبائل الإنتقال من منطقة إلى أخرى لجهة الإشتغال بالزراعة والفلاحة، بهدف تفتيت القبائل وإبعادها عن بعضها، وخلطها في حواضر قبائل أخرى لتذوب ويتشتت شلمها، ومن هنا جاءت فكرة الهجرة. كتب عسّه (أقام عبد العزيز في حياته ما ينوف عن مائة وإثنين وعشرين 'هجرةب، وكانت كل هجرة منها لفخذ من قبيلة، وكان سكّان هذه 'الهجرب يدعون الإخوان ويميّزون أنفسهم بعصابة يلفّونها على رؤوسهم بدل العقال التقليدي)10. وهي ذات العصابة التي يرتديها زعيم القاعدة إبن لادن وأفراد الشبكة في المناطق التي تعمل فيها، حتى باتت إحدى العلامات الفارقة لهذا التنظيم.

وقد اختلف الباحثون في التاريخ السعودي في تحديد غرض إبن سعود من الهجر. يرى جلال كشك بأن الهجر كانت تعني (الهجرة من دار الشرك، من التعلق بالمجتمع المشرك من كل ارتباط وكل القيود التي تربط المهاجر بالمجتمع المرفوض، فيحمل إيمانه وينطلق خفيفاً فرحاً مؤمناً متحرراً إلى الله ورسوله..إلى 'يثربب الجديدة إلى أرض الإيمان..إلى دار الهجرة..إلى الأرض المحررة إلى الجهاد..إلى 'الهجرب..ومنها ينطلق إلى تحرير العالم ونشر تصوّره للمجتمع المثالي الذي يحقق خير الدنيا والآخرة)11.

أما العطار فيعتقد بأن (الهجرة هنا أرض يخططها الحاكم للبدو، ويقطعهم إياها للسكنى والعمارة، حتى تكون كالقرى والمدن الثابتة. ومعنى الهجرة الإنتقال من أرض إلى أرض، أما في الإسلام فالإنتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، ويجوز هنا حمل المعنى على الإصطلاح اللغوي، فقد نقل هؤلاء البدو إلى أرض يستوطنونها، بأسرهم تكون لهم بمثابة المدن للمتحضّرين)12.

أما محمد المانع (المترجم في ديوان إبن سعود) فكتب ما نصه (في سنة 1912م ـ 1330هـ وكجزء من محاولة حل مشاكله قام إبن سعود بإحياء مبادىء التطهّر التي في الحركة الدينية التي بدأها عبد الوهاب في القرن الثامن عشر. وهدف الحركة هو توحيد القبائل في خدمة الله. وكانت فكرة الأمير العظيمة هي تشجيعهم على إنشاء مستوطنات دائمة، ومن هذا الإحياء لتعاليم الوهابية، وانبثقت الحركة الدينية المعروفة بالإخوان..)13.

ما يجمع عليه الباحثون أن إبن سعود لم يرفع الشعار الديني إلا في سنة 1915، وبصورة محددة بعد بروز الإخوان كقوة عسكرية في معركة جيراب سنة 1914، وهي المعركة التي أعلت من صيت الإخوان، وراعت إنتباه إبن سعود، وأن نداءه للقبائل عام 1916 كان لجهة إحتواء هذه الحركة وإخضاعها لمشروعه السياسي، بعد زجّها في الهجر. وكان إلتزام الإخوان بالتعاليم الوهابية فرض على إبن سعود إعتناق أيديولوجية وهابية من أجل شرعنة سلطته واستقطاب زخم شعبي لمشروع سياسي ليس قابلاً للنجاح دون توفير مسوّغات دينية تعلو فوق الإنتماءات التقليدية القبلية.

أما عن التعاليم الدينية التي تربى عليها الإخوان، فيصف أمين الريحاني غلو الأخوان قائلاً (وهم في غلوهم يعتقدون أن من كان خارجاً عن مذهبهم فليس بمسلم، فيشيرون إلى ذلك في سلامهم بعضهم على البعض..السلام عليكم يالإخوان، حيا الله المسلمين، وإذا سلّم عليهم سني أو شيعي فلا يردّون السلام)14. وكان يستحوّذ عليهم شعور مغالى فيه، فيما كان كثير من مفاهيمهم الدينية بدائية وتقارب الغلو. وبلغت درجة التعصب الديني لدى الإخوان أنهم وضعوا (في كل مسجد بالرياض جريدة بأسماء الذين يصلّون فيه يقرأها الشيخ كل يوم صباح مساء، فإذا كان أحد غائباً يزوره وفد من الإخوان في بيته..إما إذا تغيّب عن الصلاة ثانية بلا سبب فيعظونه ويوبخونه، وإذا كرر فعلته فيبسطونه لا محالة ويعملون في ظهره النخل والخيرزان)15.

وقد وصف الشاعر بولس سلامة (الإخوان) في أبيات من الشعر جاء فيها:

حسبوا الحقد والتعصّب دينا

أيُ دينٍ يبقى مع البغضاءِ

يا غلاةَ الإخوان ضيقتم الدين

وزغتم عن منهج الحنفاء

ما رأيتم منه سوى الكبت

والحقد وإبداء نقمة وازدراء

وانتقاصاً من الشوارب

والثوب وميلاً بغزوةٍ وعداءِ

قد عرفناكم جنود مليك

فمتى صرتم جنود السماء

شهداء للجهل كم من غبيِ

مات من أجل فكرة جوفاءِ

عبثاً تطلب الشراب طهوراً

أن يك الخبث من كيان

ومازاد في درجة التزمّت لدى الإخوان قيام عبد العزيز بإنشاء مدارس دينية إلى جانب الهجر بهدف إستيعاب الإخوان، وكلّف آل الشيخ إبن عبد الوهاب بمهمة إدارة المدارس وترسيخ التعاليم الوهابية بما ينسجم وطموحات عبد العزيز. كتب الشيخ حافظ وهبة (لقد تشرّب هؤلاء كثيراً من المبادىء والتعاليم واعتقدوا أنها هي الدين وما سواها ضلالة كما أساءوا الظن بغيرهم من حضر نجد.. وكان كثير منهم يعتقد أن لا إسلام لمن لم يسكن الهجر مهما كانوا عليه من الإسلام، وترك شرور البادية وعوائدها. فلا يبدأون غيرهم من هؤلاء بسلام ولا يردون عليهم السلام ولا يأكلون ذبائحهم، وذنب هؤلاء عدم الهجرة..وكانوا يعتقدون أن الحضر ضالون وأن غزو المجاورين واجب وأنه ألقي عليهم هذا الواجب من قبل الله فلا يسمعون كلام أحد في منع الغزو..)16.

أفاد إبن سعود من عقيدة الإخوان في تحقيق أهدافه السياسية، فقد أصبحوا، تحت تأثير المحرّضات الأيديولوجية على تكفير ومن ثم غزو الآخر، جيشاً عقائدياً يقوده إبن سعود. كان الإخوان في توق عارم من أجل شن الحروب على من يصنّفونهم في خانة الكفار، وهو وصف يصدق، في نظرهم، على كل من ليس منضوياً في مجتمع (الإخوان)، وبذلك أصبحوا سلاحاً في يد إبن سعود يستطيع أن يشهره في وجوه أعدائه17. ونجح إبن سعود في صوغ ذهنية الإخوان بما جعلهم أداة فعّالة في تنفيذ مآربه السياسية، وتحولوا إلى شوكة إبن سعود أيام الحروب18. ولعب التصويّر الديني لحروب إبن سعود في شحن حماسة الإخوان لخوضها بشراسة، حتى وصفهم أهل الحجاز والعراق بالذئاب (يذبحون ويحمدون الله. يسلبون وينهبون ويكفّرون من لا يقتدي بهم. يشنّعون بالقتلى في الحرب ويرتكبون الفظائع ما تقشعّر منه الأبدان)19.

وساهمت التعبئة المذهبية في تأجيج غريزة القتال، واقتراف مجازر دموية في سبيل توسعة رقعة سيطرة إبن سعود، فكانت تتزايد الوقعات ويتزايد عديد القتلى كلما توسّعت سيادة إبن سعود20.

وقد اشتهرت شعارات كان يتغنى بها الإخوان في مسيرهم للقتال منها (أنا خيال التوحيد أخو من طاع الله)، و(هبّت هبوب الجنة وين إنت يا باغيها)، وقيل أنهم رفعوا شعار (من عادى آل سعود يعادي الله، فخذ عدو الله بعهد الله واغدر به).

فيصل الدويش: أراد حعة من الإمارة فقتل

فيصل الدويش.. الحليف المنافس

نقل ديكسون في كتابه (عرب الصحراء) توصيفاً لشخصية فيصل الدويش، من وحي العلاقة الشخصية التي ربطته به، وكان يرى فيه (ملكاً حقيقياً بين البدو)، على أساس شخصيته الكاريزمية وسط قبائل مطير، وأيضاً دوره الفريد في مساعدة إبن سعود للوصول الى السلطة والشهرة، وهو الذي إحتل المدينة المنوّرة وسلّمها لابن سعود، وقد تنبّه إبن سعود في مرحلة مبكرة لخطورة الدويش، الذي اعتبره المنافس الأكبر لحكمه، حتى قال عنه أنه لو لم أكن أنا الملك، فإنك ستكون مكاني. كان الدويش صانع الإستراتيجيات والإنتصارات العسكرية لابن سعود، وكان رجال مطير يعتبرونه بطلاً عظيماً وقائداً.

سحر الدويش كان طاغياً على رجال الإخوان وحتى على قوات إبن سعود الى حد أنه حين جيء به إلى معسكر إبن سعود خلال معركة السبلة، كان كل شخص في معسكر الملك حريصاً على إلقاء نظرة عليه، ويقول مترجم الملك: فرغم أن الدويش كان عدوّنا إلا أنه كان له سحره الخاص، الذي لا يفوقه إلا سحر الملك شخصياً. وقد وصفه إبن عثيمين في قصيدة حول فتح حائل سنة 1921 بأنه:

وزير إمام المسلمين الذي له

مشاهد فيها معطس الفسق يرغم

وكتب ديكسون بأن رجال عشيرته يحبونه حباً يشبه العبادة، ويقول بأنه التقى به في الحادي والثلاثين من أغسطس 1929، خلال تمرّد الإخوان على إبن سعود، إثر قيام الدويش باجتيار الحدود مع جميع القوات المتمرّدة من قبائل مطير والعجمان وخيّموا حول آبار الصبيحية في الأراضي الكويتية. وبلغ عدد الخيام التي نصبوها نحو 3 آلاف خيمة، فيما بلغ عدد الإبل المرافقة نحو مائة ألف. وفور وصول أنباء دخول الدويش وقواته حدود الكويت، أرسل ممثل التاج البريطاني في الكويت تحذيراً عبر ديكسون لفيصل الدويش يطالبه بالإنسحاب من حدود الكويت خلال ثمان وأربعين ساعة، وإلا فإن قوات الطيران الملكية البريطانية المرابطة في الشعيبة (البصرة) ستمطره هو ورجاله بالقنابل. ويروي ديكسون قصة لقائه بالدويش بما نصه: فركبت سيارتي واتجهت إلى (ملح) حيث طلبت من فيصل الدويش أن يقابلني وكان أمير الكويت قد حذرني بشدة من الذهاب للقائه خشية أن يغدر بي، وفي اللحظة الأخيرة تبعني شيخ الكويت مع أربعة من عبيده، حتى إن أصابني شر، كما قال يصيبه ما يصيبني، وصل فيصل الدويش إلى المكان الذي تواعدنا فيه على اللقاء بمصاحبة كبار رجال الإخوان وهم فئة من الرجال المتعصبين الأشداء الذين كان فيصل يسيطر عليهم سيطرة تامة، وبعد أن أطلعته على الإنذار الذي أحمله أضفت بأنني قد أقنعت قائد القوات الجوية البريطانية أن يتوقف عن الضرب لمدة يومين خوفاً على حياة النساء والأطفال الذين كانوا يرافقونهم، ورجوت فيصل الدويش أن يعطيني كلمة شرف بأن ينسحب عبر الحدود خلال المدة المحددة حرصاً على سلامة النساء والأطفال. ظل فيصل الدويش متردداً ساعة كاملة، محتجاً بأنه لا يوجد أي خلاف بينه وبين الحكومة البريطانية وأنه هو وقومه كانوا من رعايا دولة الكويت السابقين. وبعد أن حان وقت صلاة المغرب، أمّ قومه وبعد إنتهاء الصلاة استدار وهو لا يزال على ركبتيه وقال لديكسون: أعد بشرفي أن أفعل ما طلبته مني، إذهب بسلام. يقول ديكسون (شعرت عندها أنني كنت في حضرة زعيم حقيقي للصحراء ولم أعد أرى فيصل الدويش ثانية إلى حين استسلامه في الجهراء بعد خمسة أشهر، أي في الثامن من يناير 1930م، عندما شققت طريقي من خلال قنابل القوات الجوية البريطانية التي كانت تنفجر من حول مخيمه ورجوته أن يستسلم خلال ساعتين للقوات الجوية الملكية البريطانية وأن لا يحاول اختراق طوق الحصار كما كان ينوي أن يفعل ويحاول التفاهم مع القوات السعودية التي كانت تربض في انتظاره على الحدود الجنوبية للكويت، وكان موقفه يائساً فقد كانت طائرات السلاح الجوي البريطاني والقوات البرية تطارده لعبوره حدود الكويت مخالفاً بذلك أوامر ممثل صاحب الجلالة ملك بريطانيا، وكان أمله بالنجاة ضئيلاً، أطاع فيصل نصيحتي مع أن أحداً غيري وغيره لم يكن يعرف الدور الذي لعبته في الموضوع وانطلق بعد وداع مؤثر إلى معسكر قائد السلاح الجوي الملكي البريطاني وقائد القوات المرابطة في العراق نائب مارشال سلاح الجو الملكي البريطاني السير س.س. بيرنت الذي كان يدير العمليات وسلّمه سيفه، وقبل نقل فيصل إلى البصرة بالطائرة كسجين في آخر النهار عهد بزوجته وأخواته الثلاث وطفليه الصغيرين وسبعة وعشرين من قريباته الإناث، ونزل الجميع ضيوفاً علي في الكويت ما يزيد عن شهر كامل إلى أن أرسل الملك عبدالعزيز آل سعود الشاحنات والخدم لنقلهم إلى عاصمته، وقد قدّر لي الملك صنيعي وأرسل يشكرني بحرارة على ما فعلته.

وقد وجه لفيصل الدويش الكثير من النقد الجارح وأحيانا عبارات الذم المريرة وبخاصة من الناس الذين قاسوا على يديه من سكان العراق.

يقول ديكسون بأن خلافاً وقع بين الدويش وإبن سعود، لأن الأخير كان يحمل أفكاراً جادة ولم يستطع أن يرى الأمور من وجهة النظر السياسية، وكان يلعب لعبة خطرة ومزدوجة بإقامة علاقات ودية مع الإنجليز الكفرة ، ولم يستطع التوفيق بين سياسة ملكه وبين العقيدة الوهابية الصارمة كما يفهمها ويدعو إليها الإخوان21.

لم يكن بإمكان عبد العزيز بن سعود القضاء على فيصل الدويش دون مساعدة بريطانيا والكويت والعراق وقبائل سعودية مثل قحطان وعتيبه، الذين انقلبوا عليه بفعل قلة خبرته السياسية واعتماده القوة العسكرية خياراً وحيداً في الصراع، وهو ما كان يميّز إبن سعود الذي وظّف كل خصوم الدويش بمن فيهم الإنجليز لتصفية التمرد بقيادة الدويش22.

معركة السبله

بدت الخلافات بين الملك عبد العزيز والإخوان منذ توقّف مشروع الغزو وإقامة الدولة وفق المعادلات الدولية. وبدأ مسار القطيعة بين الإخوان وإبن سعود، حيث أثار قادة الإخوان ملاحظات نقدية منها: إرسال إبن سعود إبنيه سعود وفيصل الى كل من مصر وبريطانيا على التوالي، باعتبارهما بلاد كفر، فيما كان عبد العزيز يدشّن لعلاقات خارجية دولية، واستخدامه للتلغراف واللاسلكي، بوصفها بدعاً، والسماح للقبائل العربية في العراق بالرعي في منطقتي نجد والحجاز، وعدم إرغام سكان الإحساء على إعتناق الوهابية، وعدم تولية كل من فيصل الدويش إمارة المدينة المنورة، وسلطان بن بجاد مكة المكرمة.

ورغم محاولات عبد العزيز لجهة إمتصاص نقمة الإخوان بوساطة العلماء الذين كتبوا إليهم موضّحين ومحذّرين من مغبة الخروج على ولاية أمر إبن سعود، ومن ثم إنعقاد مؤتمر الرياض في 5 نوفمبر 1928 من أجل التوصّل إلى توافق مع قادة الإخوان، ولكن الدويش لم يقنع بجديّة بنود البيان الصادر عن المؤتمر، فقرر العودة الى التمرّد، فأمر عبد العزيز بتعبئة عسكرية مستعيناً بالدعم الإنجليزي.

وقبل يوم من بدء المعركة، حاول عبد العزيز إعتماد الخيار الدبلوماسي والتفاوضي من أجل احتواء الإخوان بقيادة الدويش، وربما كان إبن سعود ينتظر وصول الإمدادات العسكرية الانجليزية ما دفعه لتمرير وقت كافٍ قبل بدء المعركة. حضر الدويش الى معسكر الملك عبد العزيز، كتبت جريدة (أم القرى): وآخر الأمر قدم إلى جلالته فيصل الدّويش، ليفاوض جلالته بالعفو والصفح عن المجرمين. فأعطاه جلالته أماناً على رقابهم وأموالهم، وأن يحكم الشريعة في أعمالهم، فسار الدّويش على أن يرسل الجواب من ليلته فلم يرسل.

فشلت المحادثات بين الطرفين، وفي صبيحة الخامس من مارس 1929 إلتقى الجيشان في السبله، وكان جيش عبد العزيز متفوّقاً من ناحية التجهيز العسكري، فكان يمتلك رشاشات جديدة من البريطانيين بعكس جند الدويش وبن بجاد، وكان ذلك مؤشراً على نتائج المعركة التي انتهت بهزيمة جيش الإخوان، وأصيب الدويش في المعركة ونقل عن أرض المعركة إلى الأرطاوية، فيما كان عناصر جيش الدويش يتساقطون بين قتيل وجريح وأسير.

أما هجرة الغطغط التي هرب إليها سلطان بن بجاد، فأرسل إبن سعود كتاباً إليه يطلب فيه تسليم نفسه وجميع من معه، وحين رفض أمر عبد العزيز بتدمير الغطغط بالكامل، فاستسلم بن بجاد في شقراء وأمر بسجنه بالرياض، ثم نقل الى سجن بالإحساء وبقى فيه حتى موته سنة 1934م 23.


1 عبد العزيز الرشيد، تاريخ الكويت، ص 173
2 المصدر السابق ص 209
3 المصدر السابق ص 175
4 د.مديحة درويش، تاريخ الدولة السعودية، ص 81
5 إليكسي فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية، ص 275
6 مديحة درويش، تاريخ الدولة السعودية، ص 82
7 ديكسون، الكويت وجاراتها، ص 253
8 جمال زكريا قاسم، الخليج العربي دارسة لتاريخ الإمارات العربية 1840 ـ 1914، ص 90
9 ديكسون، الكويت وجاراتها، ص 254
10 أحمد عسّه، معجزة فوق الرمال، ص 64
11 جلال كشك، السعوديون والحل الإسلامي، ص 556
12 عبد الغفور العطار، صقر الجزيرة، ص 13
13 محمد المانع، الجزيرة تتوحّد، ص 559
14 أمين الريحاني، ملوك العرب، ص ص 569 ـ 570
15 المصدر السابق ص 564
16 حافظ وهبة، جزيرة العرب في القرن العشرين، ص 312
17 محمد المانع، توحيد المملكة العربية السعودية، ص 112
18 أمين الريحاني، ملوك العرب، ص 571
19 الريحاني، ملوك العرب، ص 511
20 أمين الريحاني، تاريخ نجد الحديث، ص 64
21 أنظر: ديكسون، عرب الصحراء، ترجمة سعود الجمران، الطبعة الأولى ، عام 1997م، ص 476 ـ 477
22 أنظر: محمد جلال كشك، السعوديون والحل الإسلامي، تكساس، 1982
23 أنظر: خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز، بيروت 1970، أمين الريحاني، تاريخ نجد وملحقاتها، بيروت 1981، عبد الله العثيمين، تاريخ المملكة العربية السعودية، ج2، ط3 1997

الصفحة السابقة