سرقة مخطط المطار

د. عبد الله الحامد


1

يمنى نفسه (حمدٌ) بدارِ

ويرقبُ يومَ توزيع المطارِ

يخطط كالمهندس رسمَ بيتٍ

ويوقظ ليله جمرُ انتظارِ

يُمنّي زوجه ببريقِ حلمٍ

فيصفعُ ليلَها ضوءُ النهارِ

يقولُ غداً لناظرهِ قريبٌ

أقرُّ بفلةٍ تؤوي صغاري

لقد وعدَ الأميرُ وكلّ وعدٍ

من الأمراءِ مضمون القرارِ

تنبّهْ يا حميدُ من الأماني

لقد طارَ المطارُ إلى الكبارِ

لقد صفرَ القطارُ وأنتَ لاهٍ

فلمْ تركبْ وهلْ لكَ منْ قطارِ؟


2

ولو حلّقتَ كـ (الملأ الأعالي)

أشدْتَ على (العليا) خير دارِ

لأهلِ الشأنِ مركزُ كلّ أرضٍ

وأوسطها رقى لدهان (قاري)

لأهلِ العلمِ تُوهبُ كلُّ أرضٍ

فكلّ مثقّفٍ منهم عقاري

لأهلِ الجامعاتِ بها بيوتٌ

وفي (الحمراءِ) أيضاً خيرُ دارِ

ولو كنتَ الأميرَ فقد تباري

على أزهى الشواطئ والحواري

تشيدُ هناكَ كمْ نصبٍ تجاري

على الحرمين يعلو كالسوار

تقطّعُ ما تشاءُ منَ الأراضي

وتشبكُ ما تشاءُ من الدراري

ولو أصبحتَ في الأعلامِ بوقاً

ففي حيّ (الصحافةِ) كم قرارِ

عليّا الأرض تُعطى للأعالي

وللصعلوكِ أطرافُ البراري

وإن لا فلينمْ تحتَ (الكباري)

كذاكَ الضبُّ يسكنُ في وجارِ


3

أرى القانونَ أعورَ في بلادي

يميلُ عن اليمينِ إلى اليسارِ

فكمْ ذبحَ العدالةَ من مُحامٍ

وكَمْ دَفَنَ العدالةَ من مُداري

بِكَفّيهِ يطيشُ لسانُ وزنٍ

وفي شفتيهِ كمْ قَرأَ (البُخاري)

كعشِّ عناكبٍ يطويهِ صقرٌ

ويعتقلُ الفراشَ من الذراري

إذا صفواتنا نَهَبوا الصفايا

فلنْ يبقى لنا غيرُ القفارِ


4

فهل عدنا لعصرِ الغابِ هذي

طباعُ الوحشِ في غابِ الصحاري

ففيها الذئبُ ينهشُ كلّ لحمٍ

بأنيابٍ وأظفارٍ طرارِ

وتلك ثعالبٌ بالفخِّ تجري

بظلّ الأُسْدِ تَخْتَتِلُ الحباري

فكمْ منْ مِرْفَقٍ في وسطِ حيٍّ

تَمَزّقَ بينَ بيّاعٍ وَشَارِ

جعلنا الواسطات لنا شفاءٌ

دواءُ الواوِ يا لكَ منْ دَمَارِ

بهِ مفتاحُ ترقيةٍ ونقلٍ

ومستشفىً وتوظيفُ الجواري

ويا لكِ رشوةٌ كرشاءِ بئرٍ

لِمَنْ مَدَّ الرشاءَ النبع جارِ

فإنّ الدّهنَ ليّنَ كلّ سَيْرٍ

يُلِيْنُ لنا الحديدَ بدون نارِ

فمنْ يرغبْ خلاصاً وسطَ غابٍ

يُشاركُ نافذاً ربّ اقتدارِ

فكمْ أرضٍ وكمْ قرضٍ وشَيْكٍ

هبطنَ بكفّهِ مثل الدراري


5

وليَّ الأمرِ هلْ تدري بداءٍ

يعيثُ بدارنا أمْ غير دارِ

أرى الحملانَ في غابٍ فراها

قطيعُ الوحشِ في وضَحِ النهارِ

نواطيرُ الكرومِ يعيثون فيها

رعاة الحقلِ صاروا كالضواري

فحط سدّ الحمى قبل انهيار

يخرّب دارنا غبُّ انفجارِ


6

رأيتُ الأمسَ - لا في الحلمِ - نعشاً

على الأكتافِ كُلّلَ بالوقارِ

سألتُ فقيلَ هذا العدلُ ولّى

تَرَحّم مثلنا والدمعُ جارِ

وصلّ على النبي برفعِ صوتٍ

وصلّ على العدالةِ في سرار

فقلتُ أريدُ أن ألقاهُ قالوا

سنجعلُ قبرَهُ أقصى مزارِ

أهذا العدلُ في الأموات يُنعى

وكلّ الساكتينَ لهُ مواري

ويحفرُ قبرَهُ منّا صَموتٌ

ويحثو التُّرْبَ رامٍ أو مُجارِ

ولو أنّا تنادينا جميعاً

ليحيا العدلُ هبَّ مِنَ احتضارِ


7

بنا الشيطانُ أخرس حينَ نُغضي

ولولا الخرس ما نطقَ احتكاري

فإن يكتب كتابُ الجورِ نطقٌ

فإنّ الصمتَ للأقلامِ بارِ

وداءُ الصمتِ يهدمُ كلّ دارٍ

فتذروها على السّفحِ الذواري

وقولُ الحقّ يبني كلَّ صَرْحٍ

ويرفعُ فوقهُ إكليلَ غارِ

وما نيلُ الحقوقِ بلا حُلوقٍ

وما تنمو الحلوقُ بلا جهارِ

وما كانَ الجهارُ بلا اصطبارٍ

يضئُ به الإلهُ فؤادَ سارِ

لكلٍّ دوره في أمنِ فُلْكٍ

منَ الأمواجِ في لُجَجِ البحار

إطبع الصفحة الصفحة السابقة