تفجير مسجد في نجران

.. الإرهاب دينهُ الوهّابيّة

عبدالحميد قدس

(الإرهاب لا دينَ له)!

بيان داعش بشأن تفجير مسجداسماعيلي بنجران

حقّاً.. إنها كلمة حقّ، أُريدَ بها باطل!

نعم.. لا علاقة للإرهاب التكفيري الذي يضرب أكثر من بلد بدين الله، أيّ دين نزل من الله على أنبيائه عليهم السلام.

نعم.. الإرهاب التكفيري الذي يقتل ويذبح بإسم الله، لا علاقة له بالرحمن الرحيم!

لكن..

الإرهاب التكفيري هذا، له دين موصوف المعالم، مسطّر في الكتب، والمطويّات، ومؤصّل في الفتاوى، وينتشر في فضائيات محدّدة، وفي صحافة دولة محددة.

الإرهاب التكفيري، له جمهوره، وله مفتوه، وله مشايخه الداعمون، وله تجاره الممولون، وله انتحاريون ينتمون الى مدرسة محدّدة.

إنه باختصار إرهاب وهّابي، سعوديّ، وبالتالي فدين هذا الإرهاب التكفيري هو (الوهابية) وأربابه (مشايخ الوهابية) وأدواته (معتنقو الوهابية) وأموال الوهابية المسعودة.

والخلاصة.. هو إرهاب له دين/ مذهبٌ محدد معروف الملامح، ليس طارئاً، وإنما هو موجود منذ نشأت الوهابية قبل نحو ثلاثة قرون.

حين يردّد آل سعود ومشايخهم وإعلامهم بأن (الإرهاب لا دين له)، بعد كل عملية تحرجهم، فإنما يتّقون الحَرَج ليس إلاّ.. وهدفهم التعمية عن انتماءات الفكر الى نجد الوهابية ومشايخها، ولإبعاد النظر عن دعم حكام آل سعود لهذا الفكر، ولرجاله ومفجريه الذين هم في أكثرهم ينتمون الى السعودية، وكلهم ينتمون الى الوهابية.

إعلان البراءة والتعمية عن انتماءات الفكر التكفيري للسعودية ومشايخها عبر رفع يافطة (الإرهاب لا دين له) لا يخفي حقيقة أن كل الإرهاب الآتي باسم الدين إنما يصدر من نجد (قرن الشيطان) كما وصفها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

نعم.. الإرهاب التكفيري له دين ومذهب، هو الوهابية.

نعم.. الإرهاب التكفيري له حِمىً هو (نجد) حيث قرن الشيطان.

الشهيد الثمانيني علي آل مرضمة

نعم.. الإرهاب التكفيري له منافحون معاضدون مفتون مبلّغون ودعاة، وجلّهم من انتاج السعودية، سواء داخلها، أو خارجها، حيث تتمدد المؤسسات الوهابية التكفيري على رقعة تغطي معظم بقاع العالم، الإسلامي منه وغير الإسلامي.

ومع ان الإرهاب التكفيري الوهابي قد ضرب بقاعاً كثيرة في العالم، من اندونيسيا الى المغرب، ومن الشيشان حتى نيجيريا، من واشنطن الى لندن الى باريس الى مدريد. من العراق الى سوريا، الى لبنان الى مصر الى ليبيا والجزائر ومالي وتشاد، فضلاً عن الباكستان والهند وأفغانستان وروسيا وغيرها.

مع هذا، هناك من لا يريد أن يعترف بأن هذا الفكر الوهابي التكفيري هو مصنع كل إرهاب الكون تقريباً.

نعلم ان آل سعود يريدون إبعاد التهمة عن أنفسهم وعن مذهبهم المتطرف والتكفيري، الذي يستخدمونه لشرعنة حكمهم الفاسد، والذي يستغلونه في حرب الخصوم ونشر النفوذ السياسي.

لكن ما هي مبررات الدول الغربية والعربية والإسلامية في السكوت عن جرائم الوهابية التكفيرية، وهي تعلم يقينا انتماء التكفير (رجالاً وفتاوى ومشايخ وداعمين ومفخخين وحواضن) الى السعودية؟

هل يعقل ان يكون حكام الرياض بهذا الذكاء بحيث استطاعوا ان يضلّلوا كل دول العالم، وهي التي تمتلك مراكز البحث، وأجهزة الاستخبارات، التي توضح بما لا شك فيه أن مصنع التطرف والإرهاب هو الرياض، لا سواها؟

لا شك أن هذه الدول جميعاً تدرك أن الرياض قد أصبحت مصدراً للفكر المنحرف والإرهابي.

ولا شك أنها تدرك أن مؤسساتها الدينية في الخارج التي تدعمها قد أضحت معاقل للقاعدة وداعش.

ولا شك أنها تعلم بأن من يمارس العنف الأعمى ينتمون جميعاً بلا استثناء الى الفكر الوهابي.

لكن هذه الدول لازالت تطمع في أمرين:

ـ أن تساهم الرياض من خلال خبرتها بالجماعات التابعة لها، في أمرين: في استثمارها سياسياً ضد الخصوم المشتركين كما في سوريا؛ وفي قمعها في الدول الحليفة بما فيها الدول الغربية نفسها. أي انها معالجة بالتي هي الدّاء.

ـ استمرار المصالح الإقتصادية ـ الغربية بالذات ـ والثمن هو توفير الغطاء السياسي لآل سعود، وإبعاد الشبهة عنهم، قدر ما يمكن، وإن خالف هذا رأي الباحثين الغربيين أنفسهم.

من هنا نفهم لماذا غطّى بوش الإبن على دور آل سعود في احداث سبتمبر ٢٠٠١، ولماذا اعترض على نشر تقرير التحقيق المتعلق بالأحداث، خلافاً للمحققين الذين استاؤوا من الأمر، كما أعلنوا ذلك علناً، خاصة بعد مضي أكثر من اربعة عشر عاماً على وقوع التفجيرات الإرهابية تلك.

ومن هنا نفهم أيضاً، كيف أن توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، الذي هدده بندر بن سلطان في فبراير ٢٠٠٨ بأن يوقف المعلومات المتعلقة بإرهابيي القاعدة، وتركهم يفجرون بريطانيا مرة أخرى، في حال لم يستجب بلير لإيقاف التحقيق البريطاني المتعلق بسمسرة السلاح السعودي، والتي نال منها بندر لوحده مليار جنيه استرليني، أي ستة مليارات ريال فقط. فلماذا صمت بلير يومها، وكل ما قيل مجرد إشارات خفيفة في الصحف البريطانية؟ في حين ان بلير نفسه قد قال في مناسبتين على الأقل، بأن الخطر  الإرهابي كامن في الوهابية (Wahhabism)؟

لكن يبدو أن شيئاً ما تغيّر.

المسجد الذي فجرته داعش بنجران

فقد كانت القاعدة وداعش مصدر إغواء وإغراء للعواصم الغربية وتركيا وقطر والسعودية بالتأكيد.

الإغراء والإغواء، هو ان هاتين المنظمتين الإرهابيتين، تمتلكان قوّة باطشة، ولكن عقلها السياسي صغير جداً، ما يسمح باستغلالها في (الإرهاب الحلال) ضد الخصوم، كما في العراق وسوريا؛ مع الإستمرار في محاربتها في الدول الحليفة حيث (الإرهاب الحرام).

هذا ما فعله علي عبدالله صالح، وفعلته السعودية، وقطر وتركيا وواشنطن. كان هؤلاء يغضون النظر عن القاعدة وداعش بل ودعمها في حال كانت تخدم مصالحهم في بعض الأماكن، حتى لو ضربت روسيا. وهذا ما دفع بوتين ليقول بأن واشنطن تساعد الإرهاب وتحاربه في آن واحد!

وحين تدخلت روسيا عسكرياً في سوريا، انزعجت السعودية وتركيا وواشنطن وباريس التي تعتبر المؤيد الأكبر للتنظيمات المسلحة، ولو سياسياً. وواصل هؤلاء جميعاً دعم المسلحين التكفيريين، وهدد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي بمواصلة الدعم، بل هدد روسيا نفسها وقال: (بتشوف)!

هذه السياسة هي التي وفّرت الفسحة للتنظيمات القاعدية والداعشية التكفيرية الوهابية لتتغوّل، ولتصل الى أعماق افريقيا، والى أقصى شرق آسيا بما في ذلك اندونيسيا وماليزيا؛ وأخيراً لتصل الى أوروبا، حيث تفجيرات باريس الأخيرة، والتي أودت بحياة نحو مائة وثلاثين شخصاً.

تفجيرات باريس أكّدت لباريس والدول الغربية أن اللعب بداعش والقاعدة (دعماً وحرباً في آن واحد) لا يؤدي إلا الى تقريب النار اليهم. لهذا غيّروا قواعد اللعبة، او هكذا يبدو الأمر حتى الآن، وهو ما انعكس على اجتماع فيينا بشأن سوريا، حيث تمّ تبنّي الموقف الروسي بشأن حلّ الأزمة السورية سياسياً.

العنف يعود الى المنبع السعودي

كان من البديهي ان يرتدّ العنف الوهابي، قاعدياً كان أو داعشياً، على صانعه وهم ال سعود، الذين أرادوا تصدير العنف والتكفير في الخارج، ليصفى لهم الجوّ في الداخل، ويتخلّصوا من التكفيريين من خلال معارك ضد خصومهم، يعني (فخّار يكسّر بعضه)!

تجربة ال سعود تقول بارتداد العنف عليهم. حدث ذلك في افغانسان، فعاد الأفغان العرب. وحدث في العراق، والآن في سوريا. ولذا، تنبّهوا الى ضرورة الفصل بين تأييد داعش والنصرة في سوريا من خلال قنوات أخرى، ولكن بمقاتلين غير سعوديين. كيف يكون ذلك؟

لقد لاحظ آل سعود أن بإمكان داعش والقاعدة استجلاب مقاتلين وانتحاريين وهابيين تكفيريين من مناطق أخرى زرعوا فيها زرعهم الوهابي الآثم. من تونس او ليبيا او حتى اوروبا كفرنسا، حيث عمل السعوديون هناك ردحاً في نشر الوهابية من خلال مسجد باريس وغيره.

فما دامت داعش والقاعدة مكتفيتان من المقاتلين والإنتحاريين، إذن فهم لا يحتاجون إلا للدعم المالي والسياسي والأهم (الغطاء الشرعي) اي الفتاوى المؤيدة لهم من مشايخ نجد ـ قرن الشيطان.

لكن هيهات أن يكون الفصل سهلاً. فحين يدعو مشايخ السلطة للجهاد في سوريا والعراق ولبنان، لا بدّ أن ينعكس ذلك على السعودية نفسها، لأن الجهاد الوهابي لا يمكن تأطيره بوهابيي دولة بعينها، واستثناء دولة المنبع والمَصْدَرْ، المُصَدِّرْ للشر.

ولذا تكاثرت التفجيرات واعمال العنف داخل السعودية نفسها.

ولأن ال سعود زرعوا زرعاً آثماً آخر في السعودية وخارجها، وهو الحرب الطائفية على المختلف مذهبياً، خاصة الشيعة والصوفية، من أجل تحصين خنادق آل سعود السياسية ـ إقليمياً.. فإن الحرب الطائفية انتهت الى السعودية نفسها، حيث يشكل الوهابيون التكفيريون النجديون، أقليّة حاكمة لا يبلغ عددها خمس سكان المملكة.

وهكذا امتزجت الحرب الطائفية التكفيرية، مع العنف الدموي الداعشي الوهابي.. ليخلق التحريض المزدوج عنفاً طائفياً غير مسبوق في تاريخ مملكة آل سعود. ولتقوم داعش بمهاجمة المواطنين الشيعة في مساجدهم في شرق البلاد (تفجير الدالوة، ومسجد القديح، ومسجد الدمام) ثم لتنثني لتضرب جنوباً في مسجد للإسماعيلية في نجران، المحافظة التي تقع على الحدود مع اليمن، والتي يسكنها أكثر من مليون إسماعيلي ينتمون الى قبيلة يام، وهذه القبيلة لها أبناء عمّ في مناطق أخرى، كالعِجمان في شرق السعودية وبعض دول الخليج؛ وكذلك كقبيلة المرّةْ، التي كانت تسكن فيما مضى بالقرب من الربع الخالي، ويتوزع أفرادها اليوم بين الأحساء وقطر.

الشهيد آل مرضمة يشيع الى مثواه

يبلغ عدد الإسماعيليين في المملكة ما نسبته ستة بالمائة من مجموع السكان، ويزيد تعدادهم على المليون والنصف مليون نسمة، ويتعرضون لما يتعرّض له كل المختلفين مع المذهب الرسمي الأقلّوي الوهابي من تمييز واضطهاد ومضايقة وتكفير ومحاولات تغيير مذهبي قسري الى الوهابية، واعتقال رموزهم، اضافة الى محاولات جادّة قامت بها سلطات الرياض لتغيير منطقة نجران ديمغرافياً.

وكما هي عادة الدواعش والقواعد الذين يتم تحريضهم على المختلف مذهبياً، قام أحدهم بتفجير نفسه بحزام ناسف في مسجد بنجران أثناء صلاة المغرب، استشهد خلاله ثلاثة وجرح نحو خمسة عشر شخصاً آخرين؛ وما كان عدد الضحايا ليكون في هذا الحدود، لولا تصدّي الشهيد علي آل مرضمه، وهو شيخ كبير في السن يبلغ من العمر ثمانون عاماً للمفجّر.. تصدى للمفجّر الداعشي، ومنعه إياه من تفجير نفسه في صفوف المصلين، ما أدى الى استشهاده.

قد لا تكون السعودية الدولة الوحيدة التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، حين استخدمت القاعدة وداعش ضد خصومها فارتدت عليها. فتركيا تنتظر دوراً مماثلاً. كل الدول التي دعمت هذا الفكر، أو مقاتليه، أو موّلتهم ماليا ورفدتهم بالشباب وسهلت لهم الطريق لقتل الخصوم.. ارتدّ الإرهابيون عليها، والحكومة السعودية هي بؤرة الإرهاب العقدي والتحريض والتكفير، وهي بؤرة التمويل المالي، كما أن شباب الوهابية السعوديين في طليعة المفجّرين في كل الدول الأخرى.

الوهابيون يتبرّؤون من تفجير نجران

كما نهج آل سعود، لا يريد أن يعترف مشايخ الوهابية بأية مسؤولية تجاه حوادث العنف لا في داخل البلاد أو خارجها. لا بدّ أن المجرم مرتبطاً بجهة ما خارجية، ولا بدّ أن تكون إيران وراء الحادث، وكل حادث آخر. فداعش بنظرهم مجرد صنيعة شيعية ايرانية!

سبق للشيخ سعد البريك أن قال بأن تفجير مسجد قوات الطوارئ في مدينة أبها، كما تفجيرات القديح وأخيرا في مسجد المشهد في نجران مجرد (جرائم إيرانية تنفذها أيدٍ داعشية)؛ والشيخ العريفي يدعو للبحث عن المستفيد من تفجير مسجد المشهد بنجران، ولا يوجد مستفيد من الهجوم بنظره إلا إيران، وبالتالي فهي وراء التفجير. والمتطرف الدكتور محمد التركي يقول بأن (المستفيد الوحيد من تفجير مسجد نجران هو من صنع داعش لحرب الإسلام كإيران ومن معها من الاستخبارات الغربية والصهيونية). ورجل المباحث مقرن الشغار يربط بين صدور حكم اعدام الشيخ النمر والتفجير في نجران ليخلص الى: (زعزعة أمننا مطلب مجوسي).

نماذج من التحريض العلني ضد المختلف

هذا التهرب من المسؤولية دفع بالمحامي ابراهيم المديميغ ليسخر فيقول: (سبحان من أطال ذراع إيران، وأعطاها القوة السحرية لاستخدام الدواعش في نجران لقتل أذناب إيران. فعلاً عقولنا قاصرة!). والصحفي جمال خاشقجي يؤكد على ان القاتل صناعة محلية، والصناعة تستغرق سنوات في الداخل، ولا يمكن تهيئتها في الخارج: (يجب أن لا نهرب من الحقيقة. فتصنيع حزام ناسف يستغرقاً يوماً. أما تشويه عقل شاب حتى يكره مواطنه فيقتله، فيحتاج إعداداً وتأسيساً فكرياً يستغرق سنوات). والدكتور فؤاد ابراهيم يعلق على تفجير مسجد نجران بالقول: (يتحدث البعض عن الفاعلين المجرمين وكأنهم كائنات فضائية. المحرضون والممولون والمنفذون منتج محلي بالكامل، في المسجد والتعليم والإعلام). أما فارس أبا الخيل، فيحذر: (لسنا في مواجهة خطر خارجي، فحجم التعاطف الداخلي مع داعش، وعدد مواطنينا المنتسبين لداعش يجب أن يقلقنا. هذا ليس خطراً افتراضياً، بل حقيقة). أيضاً سخر أحدهم من محاولات ابعاد التهمة عن الحكومة ومشايخها ومذهبها فقال: (إيران تجنّد إبنك وابن عمّك وبأموالك وفي أرضك، وتفتي لهم بمنهجك وفكرك، وهي من تطبع كتبك أيضاً). ويقصد الكتب المحرّضة على التكفير والقتل. أيضاً يسخر آخر معلقاً: (قالوا أن داعش صناعة إيرانية. العقل أعلن انتحاره في السعودية).

قتل المصلين على خلفية مذهبية صناعة وهابية ليست وليدة اليوم؛ والقاتل ينتمي الى حاضنة النظام الاجتماعية منذ أمدٍ بعيد؛ والتحريض على قتل الاسماعيليين المكارمة، ليس جديداً، لا في كتب التعليم ولا في الخطب ولا في التواصل الاجتماعي، مثل الكاتب ثامر البدران الذي يصفهم بالزنادقة وأنهم ضد الاسلام. او كالداعشي ابراهيم الفارس، وهو استاذ دين ويحرض بشكل شبه يومي بالإسم على الإسماعيلية الذين هم بنظره لهم ماضٍ وحاضر أسود ضد الاسلام.

الكاتب الجنوبي عبدالله ثابت يدين مَن هم بيننا من المشايخ المحرضين منذ زمن بعيد على القتل، قبل ان يدين داعش. ولاحظ الصحفي فاضل العماني صمت الدعاة المحرضين على القتل، الذين لم يكتبوا كلمة تعاطف مع شهداء نجران الذين هم أكبر وأنقى وأطهر منهم. وأحمد العواجي يقول بضرسٍ قاطع: (لا يوجد داعية ـ وهابي ـ حرّض او يحرض على تفجير مسجد في نجران صراحة، ولكن هناك دعاة لا يترحمون على قتلاهم، ويصرّحون بكفرهم، والقطيع يفهمها وهي طايرة).

الداعية الوهابي احمد القحطاني يعترض على تسمية مكان التفجير بالمسجد، ويصرّ على أنه حسينية، ومع ان الحسينية مكان عبادة، إلا أنه يريد ان يقول بأن الحسينية يجوز تفجيرها! يرد عليه اخر بأن التفجير وقع في ثاني اكبر مسجد بنجران، ثم إن الإسماعيلية اخوة لنا في الدين والوطن والمصير، لكن الداعية يرد: (هذه عقيدة، فهم ليسوا لنا أخوة). وهذا رأي عضو هيئة كبار العلماء صالح الفوزان الذي يقول ان الشيعة ليسوا اخواننا، بل اخوان الشياطين. ترى من يريد أن يصبح أخاً لشخص مثل الفوزان؟!

سعد البريك.. عدم الاعتراف بالمسؤولية

والإخواسلفي عوض القرني يرى ان مجرد تسمية الضحايا بشهداء، وانهم قتلوا في مسجد، يعتبر تخلياً عن الدين، وهو يضع نفسه ضمن ثنائية: (ان نكون مع الإرهاب او نتخلّى عن ديننا). يعني تستطيع أن تدين الإرهاب، وفي نفس الوقت تقول ان الاسماعيلية كلابٌ وكفرة يستحقون القتل!

قناة المجتمع السعودي الإخواسلفية، كانت بالأمس تحرض على القتل والعنف ضد شيعة المدينةالمنورة وغيرهم، فتقول بأن (في المدينة أسوداً قادرين على دحر الروافض، وان الرسول قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) وان المواطنين ـ شيعة المدينة المنورة (تجاوزوا مرحلة الشرك، ولكن..)!

افهموها وهي طايرة!

لكن بعد التفجير، لم يكن الا الدعاء الذي لا يشمل حتماً أكثرية المواطنين الذين هم على غير مذهب الوهابية.. الدعاء فقط ان يحفظ الله المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.. وبديهي فإن الإسماعيلية غير مشمولين بالرحمة الوهابية، كنظرائهم الآخرين.

واستلّ احد المواطنين تغريدة للمتطرف ابراهيم الفارس يحرض فيها على الاسماعيلية والشيعة وغيرهم، وعلق عليها بالقول: (يحاول البعض ان يفهمنا ان هذا أبداً مو تحريض؛ وكأنها دروس في التعايش والسلام والمحبة).  وأضاف ساخراً: (يجوز تكفير الآخرين، وحجز مقاعد لهم في النار، لكن لا يجوز قتلهم. أنت تضع قنبلة، وتقول لا لن يفجرها أحد).

ورد عبدالعزيز الصقري، وهو داعية وهابي، ويعمل في هيئة المنكر.. على احد منتقديه الذي قال له عن خطبته في الجمعة ساخراً: (استمعنا واستمتعنا بتكفير وتفسيق وتبديع وتضليل الآخرين).. رد الصقري بالقول: (الرافضة والليبرالية والعلمانية والنصيرية ومن لف لفهم كفار. كلمات أرددها على منبر الجمعة منذ تسع سنوات. متْ بغيظك).

وبالنسبة للشيخ الوهابي عبدالرحمن البراك، فإنه ليس جديداً عليه تكفير الآخر في فتاواه المتعددة ضد الإسماعيلية، حيث وصفهم بأنهم زنادقة ملاحدة، يبطنون الكفر المحض، ورؤوسهم كفار بأعيانهم. ودعا البراك الله ان يطهر المجتمع منهم. 

في هذا الوقت المشتعل طائفياً، كان إمام الحرم الشريف، الذي يمثّل السلطة الرسمية يدعو في صلاة الجمعة بالصوت والصورة: (اللهم عليك بالرافضة، ومكّنْ إخواننا المجاهدين من رقابهم)..  فهل يحق لأحد أن يأتي بعد هذا ويتساءل: من أين أتى الإرهاب الداعشي، ولماذا يضرب مساجد المختلف مع الوهابية؟

وبالأمس القريب، كان المفتي آل الشيخ يكفر الشيعة، وإمام الحرم السديس يحرض على قتلهم. لذا (لا تتهموا داعش وتبرؤون منابركم) كما ينصح مغرد. أما الإعلامي عبدالله الكنهل فيسأل بعد تفجير نجران: (عُمْرْ أحد منكم سمع خطبة جمعة عن حقوق المواطنة؟ أو التعايش؟).

حقاً، لقد أصبح سهلاً معرفة المحرضين على القتل، من مشايخ السلطة، وكتابها، ورجال مباحثها المنتشرين على مواقع التواصل الاجتماعي، فثورة الإتصالات فضحت المخفي، وأبانت المستور، ولو كانت السلطة السعودية تريد لجمهم لفعلت، وكيف لها ان تفعل ذلك، وهي تمارس التمييز بين مواطنيها على المكشوف؟! كيف يستطيع الملك سلمان، أن يضرب جماعته الذين يحتمي بهم في أزمته الحالية؟ وكيف لقضاة آل سعود الدواعش يجرمون مشايخ مثلهم ويعتقدون بصحة فتاواهم وخطابهم، كيف لهؤلاء أن يدينوا التطرف والعنف والتكفير؟

سلمان العودة: (راحلون) وليسوا (شهداء)!

لو أن احداً من هؤلاء تعدّى بكلمة عن العائلة المالكة وفسادها لكان مصيره السجن، اما التحريض على قتل مواطنين، فضلاً عن غيرهم، فلا يعني شيئاً لنظام فقد صوابه.

لقضاء ومحاكمتهم! لكن القضاة يا غسان من نفس الطينة والعجينة.

قليل من مشايخ التحريض علّق على تفجير نجران، او هزّته وقفة الشهيد علي آل مرضمة الذي افتدى المصلين بجسده وهو ابن الثمانين. ذلك أن مشايخ الوهابية في معظمهم يرون أن دم مخالفيهم حلال؛ فهم في داخلهم يؤيدونها؛ ومن استنكر ركز على ادانة داعش وايران؛ وغالبيتهم الساحقة لم يترحّم على الضحايا او يعتبرهم شهداء. هذا ما جعل المغردة ليان الحربي تؤكد ان مشايخ الوهابية مع داعش بقلوبهم قلباً وقالباً، و(مبسوطين) على التفجيرات في الشرقية ونجران، والدولة (ساكتة عنهم)، والاستنكارات القليلة جاءت لرفع العتب، وبعضهم (ليبعد عن نفسه تهمة الدعشنة).

كلمة شهداء لم يقلها أي شيخ او داعية وهابي بحق ضحايا داعش في بيت من بيوت الله. وكان لافتاً قول صالح سدران بأن من يستنكر التفجير، ويتعمد عدم الترحّم على ارواح الشهداء، فهو عدوٌ واضح للوطن ولأهل نجران.

ربما هو الوحيد، ابن الجنوب، عائض القرني من قال: (اللهم ارحم الشهداء)؛ وإن شاء الله يكون قصده شهداء نجران بالخصوص، ولا يكون المقصود شهداء آخرين في ذهنه! اما امام الحرم المكي المتطرف سعود الشريم، فالتمس العذر للقاتل بأنه غرّ، وان السبب هو (الفساد الفكري)، وليس فساد الوهابية العقدي التكفيري العنفي، وطالب برد حازم من الحكومة عبر العقاب، وليس تصحيح المفاهيم والمعتقدات. اي معاقبة المُنتج، وليس المصنع. والشيخ العريفي يمارس التقية التي يلوم الشيعة لممارستها، فقد دعا الله ان يحفظ المملكة، وأدان من روع أمننا وسفك دماءنا، هذا فقط وكفى، وهذا قد يشمل الجميع أو يشمل فئات بعينها. فاختيار الألفاظ معروف لدى هؤلاء التحريضيين. والشيخ سلمان العودة أدان القتلة المجرمين، وأقرّ بأن التفجير كان في مسجد (ويفترض ان من به مسلمون قتلوا أثناء صلاة المغرب)، لكنه خشي ان يترحم على الشهداء، فاختار عبارة (الراحلين). لكن عوض القرني يعمد الى التعمية وجمع القضايا في مقارنات غير عقلانية، ليخلص الى إدانة الضحية، وليس فقط عدم الترحم عليها. يقول: (البارح داعش تفجر في نجران فقيل إرهابٌ وهابي. واليوم قصف الحوثي مدرسة للبنات. هل سيجرؤ علماني ان يقول إنه إرهاب شيعي او زيدي؟). وبهذا ادان الشيعي والزيدي والحوثي والعلماني، وكلهم خصومه، دون أن يعترف بمسؤولية الوهابية والوهابيين الدواعش. وأخيراً قدم الأكاديمي الإخواسلفي محمد البشر كلمة ملغّمة بالتكفير واتهام الآخر، خالية من الرحمة، مجيّرة سياسياً حدّ التقيّؤ. يقول: (كلّما زاد الحزم، وظهر أهل الإسلام، ارتعدت فرائص أهل الضلال والزندقة. اللهم احفظ بلاد السنّة من كيد الفجار وشر الأشرار). فلا أدان داعش، ومجّد حرب سلمان على اليمن، واعتبر نفسه من اهل الإسلام والباقين كفار، ثم دعا لأهل السنّة من كيد أعدائهم، الذين لا بدّ ان يكونوا روافض زيوداً او اسماعيلية او اثناعشرية.

الصفحة السابقة