نص الحكم القراقوشي بسجن دعاة الإصلاح

الحكم ومبرراته يمثلان فضيحة للقضاء ولنايف وللدولة!

في يوم الأحد الموافق 7/4/1426هـ (15/5/2005) افتتحت الجلسة الساعة الثامنة والنصف وفيها حضر المدعي العام، والمدعى عليهم أصالة، والمدعى عليهم وكالة: خالد المطيري، ومنصور البكر، وعبد الله العبد الباقي، وعبد الله الفاران، وعبد الله الكويليت، وعيسى الحامد، وعبد الرحمن العضيب، وعبد الرحمن الحامد، حامل البطاقة رقم 1059783736، الوكيل الشرعي لخالد بن فرح المطيري بموجب الوكالة الصادرة من كتابة عدل شرق الرياض الثانية برقم 7293 في 25/1/1426هـ، والموكل وكل بصفته وكيلاً عن عبد الله بن حامد الحامد.

فبناء على ما تقدم من دعوى المدعي العام، وإجابات المدعى عليهم، وما ورد في إقراراتهم بدفاتر التحقيق المدون مضمونها سابقاً.. ونظراً لمصادقتهم على الاشتراك في إعداد وتوقيع خطاب (رؤية لحاضر الوطن ومستقبله) المقدّم لولي العهد، المتضمن بياناً لما يرونه إصلاحات سياسية وإدارية، تتعلق بالشورى والقضاء والاقتصاد، والمشاركة الشعبية في القرار السياسي والإداري.. وإقرارهم بأنه تم مقابلة بعض الموقعين عليه لولي العهد وسماع آرائهم، إلا أن المدعى عليهم لم يكتفوا بذلك، بل تجاوزوه إلى مخاطبة الشعب وندائه في مسائل كبرى تمس نظام الحكم في المملكة، ونشر مضامينها عبر قنوات الإعلام ووسائل الاتصال في الداخل والخارج، وجعلوها (نداءً للقيادة والشعب معاً) داعين غيرهم لتأييدها وبثها في المنابر والجوامع والنوادي، لتكون عريضة شعبية يتوصلون بها للتأثير على ولي الأمر، مطالبين بتنفيذها خلال مدة محددة، كما نص على ذلك خطابهم المسمى (نداء وطني للقيادة والشعب معاً) الموقع من المدعى عليهما الأول والثاني وآخرين.

ثم عقدوا الاجتماع المشار إليه في الدعوى لأجل ذلك منطلقين لإثبات رؤيتهم والإقناع بها من المبالغة في قيمة تلك الإصلاحات التي ينادون بها وتأثيرها في إصلاح الأوضاع، فلم يعدوها من المصالح المرسلة فحسب، التي ينظر ولي الأمر فيها ليقرر منها ما تظهر مصلحته للبلاد بعد التحقيق من عدم معارضتها لنصوص الشرع الحنيف وقواعده العامة، بل جعلوها ـ كما صرحوا به في إجاباتهم ـ طوق نجاة، علقوا صلاح البلاد والعباد على سرعة تنفيذها، مقللين من أي جهود سواها، مع تضخيم الأخطاء وإذاعتها بأسلوب يتنافى مع مبدأ المناصحة لولي الأمر، ويفضي إلى إثارة العامة، وتهييج الدهماء، في أمور لا نظر لهم فيها من أمور السياسة والأحكام السلطانية، في وقت عصيب يمر بالأمة وهي أحوج ما تكون إلى وحدة الصف، وتفويت الفرصة على أعدائها المتربصين بها الذين يتحسسون الذرائع للتدخل في شئونها بإسم الإصلاح.

وقد ذم الله تعالى هذا المسلك وأهله بقوله (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).. قال الشوكاني رحمه الله والمعنى أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يذيعها، أو يكون أولو الأمـر منهم هم الذين يتولـون ذلك، لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يُفشى ومـا ينبغي أن يُكتم ا.هـ؛ وقال السعدي رحمه الله عند تفسير هذه الآية: (هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة، مما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزاً من أعدائهم فعلوا ذلك، وإن رأوا ليس مصلحة أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه). وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ ا.هـ .

ونظراً إلى ما ورد في مذكرة المدعى عليه عبد الله الحامد الجوابية من جرأة على بعض المصطلحات والمبادىء المتعلقة بالسياسة الشرعية، وجنوحه في تفسيرها إلى أقوال مهجورة أو مرجوحة، وتحميله أقوال بعض العلماء ما لا تحتمله، والعمل على إضفاء الشرعية على بعض النظريات السياسية الحديثة التي ينادون بها، ويعتقدون أنها الضمانة لمنع الاستبداد، وحفظ الحريات، مع أنها لم تعد مسلمة في النظم السياسية المعاصرة، كما يشهد به واقعها، وإنما الضمانة في التزام قواعد الشريعة ومبادئها التي تمنع من الاستبداد والجور.. من ذلك تطاوله على منزلة ولي الأمر في النظام الإسلامي بقوله: (إن ما قرره الفقهاء من أن ولي الأمر أدرى بالمصلحة، وأن قضاة المحكمة وكلاء عنه ليس عليه دليل معتبر من الكتاب والسنّة، ومنهج الخلفاء الراشدين، وأنه يجسّد الطغيان، وأن تفسير أولي الأمر بالأمراء والعلماء أدّى إلى اختلال وتحديد نفوذ الفقهاء بتمرير الفتاوى لخدمة السلطة) ا. هـ.. مخالفاً بذلك ما قرره عامة أهل العلم من أن أولى الأمر هم الأمراء أو العلماء أو كلاهما، على خلاف معروف رجح الأخير ابن جرير وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القاضي الأول في الدولة الإسلامية، وهو الذي يعين القضاة، وسار الخلفاء الراشدون على هديه، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد. قال ابن رشد رحمه الله: (وتولية الإمام الأعظم للقاضي شرط في صحة قضائه لا خلاف أعرفه فيه) ا.هـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب على ولي أمر المسلمين البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار من الأمراء والقضاة ونحوهم ويستعمل أصلح من يجده) ا.هـ.

ونظراً لإطلاقه العنان للسانه وقلمه بالثلب والتشهير لبعض المسئولين بدعوى الإصلاح، وإساءته الظن والأدب بالعلماء والقضاة باتهامه بعضهم بقوله: إن بعض الفقهاء الخادعين والمخدوعين يرون حماية تخلفنا السياسي بليّ أعناق نصوص القرآن بقولهم: ولي الأمر أدرى بالمصلحة.. وادعائه هو والمدعى عليه متروك الفالح أن بعض الأحكام القضائية جرّمت أموراً مشروعة، وأنها هي وفتوى هيئة كبار العلماء حول لجنة حقوق الإنسان عام 1413هـ أضعفت الثقة في الفقهاء والقضاة، وأبرزتهم آلة من آلات قمع الشعب، وأن العقوبات التعزيرية غير منضبطة، وتتفاوت قلة وكثرة حسب رغبات وتدخلات الحاكم.. وتلك الجرأة والتطاول من المدعى عليهما تسبب ملءَ قلوب الرعية على الراعي وعلى العلماء، وتنفر منهم، وتذهب هيبة السلطان، وتقلل من شأن العلماء في النفوس، وقد يؤدي إلى ما هو أكثر من ذلك، وهذا خلاف منهج السلف الصالح. جاء في تفسير القرطبي عن أحد السلف قوله: (لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم؛ وإن استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم).

ونظراً لادعاءات متروك الفالح في تفسيره للعنف في السعودية بأن الفئات المنخرطة في أعمال العنف هي نتاج البيئة السعودية ومدارسها وسياسة التعليم فيها، وأن الخطاب الديني المتطرف الذي تم إدخاله – على حد زعمه – في السلك التعليمي والتربوي له بُعد تفسيري للعنف، وأنه في المجال التعليمي سيادة الأحادية التعاليم ترتبط بالمدرسة الوهابية، وتتضح في مناهجها التعليمية ابتداء من الابتدائية وانتهاء بالجامعات، وحتى في التخصص الشرعي تغلب عليها تعاليم المدرسة الوهابية وفهمها.. وهذه الأقاويل تُعد افتراءً مشيناً على العقيدة الصحيحة، وتأليباً عليها، ناشئاً عن فهم سقيم لحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، التي أعادت المجتمع إلى العقيدة الصحيحة على منهاج النبوة، وأن هذه الأقاويل أيضاً تجعل البلاد عرضة للمغرضين وهدفاً للمتدخلين.

ونظراً لمصادقة المدعى عليه علي الدميني على ما ورد في مداخلته عبر شبكة المعلومات وإذاعة خارجية من قوله: (إن احتكار تيار فقهي واحد من التيارات الأربعة ونفي ما عداه من مذاهب وطوائف أدى إلى تغلغل هذا التيار في مفاصل النظم التعليمية والتربوية والاجتماعية والسياسية كافه وأنه تم استقطاب الشباب ضمن رؤية (أيدلوجية) تكفر المجتمع وأن مجتمعنا أصبح مجتمع الرأي الواحد المغلق).. وزعمه أن سبب ترعرع الإرهاب خلل ثقافي وتربوي واجتماعي، واتهامه للدولة بأنها أتاحت لمذهب معين أن يعبر عن فكره عبر المنابر والمؤسسات كافة على مدى زمن طويل، وأن تفرده واحتكاره للفهم الصحيح والعقيدة ونفيه لما عداه، قد دفع إلى مرحلة التشدد والتطرف، وأن تيار التشدد والغلو الذي بلغ مرحلة التكفير والإرهاب قد حظي بمساحة كافية من الحرية قمعت ما عداه من مكونات المجتمع. ودعواه أن من أسباب العنف والإرهاب: الخطاب الديني المتشدد الذي استطاع أن يكرس منهجاً أحادياً باحتكار الحقيقة الدينية، وتهميش المذاهب الأخرى، مستدلاً على ذلك بما تنهجه الدولة من توحيد مرجعية الإفتاء، وما تقوم به عبر مؤسساتها الدعوية ومناهجها التعليمية وهيئاتها الشرعية من نشر العقيدة الصحيحة وصيانة المجتمع عما يخالفها، مدعياً عدم تمكين مكونات المجتمع المذهبية والطائفية والثقافية من التعبير عن آرائها وإجتهاداتها الدينية، مؤيداً حجته بكتابات صحفية خاطئة في تلبيس واضح بين المذاهب الفقهية التي ما تزال ثروة للأمة، يتعلمها الطلاب في مدارسهم، ويرجع إليها العلماء والقضاة في فتاويهم وأقضيتهم.. والمذاهب العقدية التي لا يقر عليها المخالف في أصول الاعتقاد، ولولا ذلك لشاع الضلال وخفي الحق.

جاء في الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى وغيرهما: (مما يجب على الإمام تجاه الرعية حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجح مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبيّن له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من ذلك..).

ونظراً إلى إساءته للأمة، وتعريضه ببعض مبادئها الأصيلة بقوله عن المتورطين في التفجيرات: (نحن الذين هيأناهم للمذابح، وزودناهم بالأسلحة العقائدية، إنهم نتاج مناهجنا وبرامجنا الثقافية، إنهم طلبة الولاء والبراء، ومدعو حراسة الفضيلة).. وهذه الادعاءات والتلبيسات من المدعى عليه تعد جناية على البلاد وأهلها وولاة أمرها، وتشويهاً لأبرز سماتها التي قامت عليها من تحكيم الشريعة والتمسك بالعقيدة الصحيحة، والتزامها بذلك في مناهجها التعليمية وسياستها الداخلية والخارجية، ودعوة للتحلل من القيم بحجة حرية الرأي، والاعتقاد المنفلت من الضوابط الشرعية، دون التزامٍ بحدود الله، ووقوف عند أوامره ونواهيه، وإخلالاً بتماسك الأمة ووحدتها المعتبرة شرعاً.. وجاء النظام الأساسي للحكم لتأكيدها للجميع على وفق الشريعة، وقد أمر الله بالاجتماع على الحق، ونهي عن التفرقة بقوله: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).

ومن المتقرر شرعاً وواقعاً أن التمسك بتعاليم الإسلام مبادئه والالتزام بها هو عين الصلاح والإصلاح، واتباع الأهواء والتفرق فيها نهايته الفساد وخراب الديار، كما قال تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون).

وبما أن ما صدر من المدعى عليهم هو مفصل آنفاً، يتضمن مخالفات شرعية متفاوتة تم إيضاحها، ويتنافى مع ما يسعى النظام الأساسي لتعزيزه في مادته الثانية عشرة والثالثة والعشرين والسادسة والعشرين من الوحدة والائتلاف وحماية العقيدة وحقوق الإنسان وفق الشريعة، وكـل ذلك موجب للتعزير.. لذا فقد حكمنا عليهم بالإجماع بما يأتي: أولاً: يسجن المدعى عليه عبد الله بن حامد الحامد لمدة سبع سنوات تحتسب منها فترة التوقيف. ثانياً: يسجن المدعى عليه متروك بن هايس الفالح لمدة ست سنوات تحتسب منها فترة التوقيف. ثالثاً يسجن المدعى عليه علي بن غرم الله الدميني لمدة تسع سنوات تحتسب منها فترة التوقيف. ويؤخذ عليهم جميعاً التعهد بعدم العودة لإثارة ما يمس المصالح العامة للبلاد، وترك الخوض فيما يعود بالضرر على وحدة البلاد وأمنها.

وبعرض الحكم على الأطراف قرر المدعى عليهم عدم القناعة وطلبوا رفع الحكم لمحكمة التمييز بلائحة اعتراضية، فأفهمناهم بأن لهم حق الاعتراض خلال ثلاثين يوماً من تاريخ استلام نسخة من القرار، ومتى انتهت المدة ولم يتقدموا بالاعتراض، يسقط حقهم فيه.. وأما المدعي العام فقرر عدم اعتراضه على الحكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

التوقيع:

القاضي سعود بن عبدالله العثمان؛

القاضي عبداللطيف بن عبدالعزيز آل عبداللطيف؛

القاضي محمدبن إبراهيم بن خنين.

الصفحة السابقة