الصمت المثير.. بعد سيول جدة

بخيت بن طالع الزهراني

 
 
 
 
 

أعلنت أمانة جدة عن إيقاف الخدمات عن حوالي 21 ألف قطعة ارض شرق جدة، وهو الإعلان الذي أربك حياة سكان شرق الخط السريع، المكتظ بالكثير من الناس والعمارات السكنية، التي يصل عدد منها إلى خمسة ادوار، وتسكنها مئات الألوف من الأسر، التي لا تدري حتى الآن عن مستقبلها السكني، وهناك من قدر عدد هؤلاء بمليون شخص.. فما مصير هذا الحشد الكبير من البشر؟.. وهل سيتم تعويضهم عن مساكنهم فيما لو تمت إزالتها بشكل مجز وبدون غبن، وبصورة تراعي حتى الناحية النفسية لهم، كونهم سيقتلعون من مواقع عاشوا فيها عقودا ورتبوا فيها حياتهم، أم سيكون التعويض زهيدا لا يفي بشراء عمارات بديلة في أحياء أخرى، ولا يفي بالتأثيث، وبالثمن النفسي للإزاحة؟!!.

لقد مرت حتى الآن أكثر من أربعة أشهر على سيول جدة الهادرة، التي اقتلعت الأخضر واليابس، وخلّفت أمواتا، وخرابا، بل وعذابا نفسيا وصل إلى العظم، لا احد يعرف حجمه، إلا من عاشه، وتعايش مع ساعات رعبه تلك، فاهتزت أركانه، و(انخلع) قلبه، وتيبست شفتاه.أقول لقد مرت حتى الآن أكثر من أربعة أشهر، ولا (حس ولا خبر) بالنسبة للاحتياطات، التي كان يجب اتخاذها، فلا قنوات صرف بدأ العمل على شقها، لتحويل أي سيول جديدة إليها.. ولا سدود بدأ تشييدها.. ولا إغلاق لمنافذ السيل (الشوارع) التي تم شقها في الجبال الشرقية ومنها عبرت السيول الغادرة؟.

صحيح انه تم إقامة (ورشة عمل) لعدد من المسؤولين، اقترحوا فيها عدداً من المشاريع - الأحلام – ولكنها ما زالت حبرا على ورق، فيما الزمن يزحف ولا يرحم، وعما قريب سيجد سكان الأحياء المنكوبة أنفسهم أمام فصل الشتاء القادم، وجولة جديدة من الرعب، عند أول موجة أمطار، لا احد يدري ما ستحملها في طياتها.

أمانة جدة أعلنت قبل شهرين (كلاما كبيرا).. فتح أقصى درجات الدهشة لدى الناس، يوم قالت أنها ستُحوّل الأحياء الشرقية من جدة إلى (أفضل مكان بالعالم)!!.. ضمن تقرير إخباري صدر من مركزها الإعلامي، ونشرناه هنا في (البلاد) في الصفحة الأولى.. وهو - أي كلام أمانة جدة - ما أثار عجب الكثيرين، وعبر عنه بعض الكتاب في تناولات ساخرة!!.

المعضلة.. أننا إما أن نقدم (وعودا خيالية) في السماء.. أو لا نعمل شيئا أبدا.. وكأننا لا نعرف أن الأفضل هو (التوسط).. بحيث نعمل شيئا وسطا، شيئا منطقيا، شيئا معقولا.. ومن ذلك أن يتم رسم خطة إستراتيجية عاجلة هدفها (منع تكرار الكارثة) كما أمر بذلك – تحديداً ونصاً - الملك في بيانه الشهير عقب الكارثة.

وحقيقة فثمة من يتساءل بدهشة.. لماذا لا يتم - مثلا - وبشكل عاجل شق قناة تصريف للسيول من نهاية وادي قوس وعبر شارع جاك، لحماية حي (قويزة) المكتظ بالعمارات والبشر، وهو أكثر الأحياء التي تضررت، ولا زال حتى الآن في فوهة الموت.. نقول لماذا لا يتم عاجلا شق قناة لتصريف سيول وادي قوس عبر شارع جاك، وربطها بالقناة القائمة حاليا شرقي جامعة الملك عبدالعزيز، في سباق مع الزمن، قبل حدوث كارثة مماثلة؟.

ولماذا لا يتم البدء الفوري بإقامة شبكة من السدود في جبال شرق جدة الخطرة وفي أواسط أوديتها؟.. ولماذا لا يتم إقامة حزام من قنوات التصريف للسيول لكامل المدينة؟.. على أن تكون ضمن خطة شاملة وواعية، لدرء كوارث السيول التي لا احد يعرف متى تأتي، وبأي حجم ستكون؟.

أظن انه عيب - ألا نستفيد أعظم الدروس من تلك الكارثة المروعة، وألا نتدارك أنفسنا مبكرا.. وألا نسابق الزمن بجدية وعزم وعمل حقيقي على الأرض.. فالناس في الأحياء المنكوبة لم تعد البقية الباقية من أعصابهم قادرة - بالتأكيد - على مجابهة كارثة جديدة مماثلة - لا سمح الله - ولعل من يتأمل أحوالهم الآن يجدهم وقد نهضوا من تحت الركام، عندما بدأوا أصلاح أحوالهم ومساكنهم بمساعدة الدولة، عبر التعويضات المالية، التي أمر بها ملك الإنسانية - أدام الله عزه - ورمّموا جراحاتهم الغائرة، وبدأت أحياؤهم السكنية تعود للحياة - رويداً رويدا، لكنهم - بصراحة - ما زالوا متوجسين من القادم المجهول!!.

عن: البلاد، 12/4/2010

الصفحة السابقة