قابلة للكسر وعدوانها مستمر على اليمن

الرياض ليست جاهزة لحل سلمي في الكويت

عبدالحميد قدس

ثلاثة عشر شهراً مضت على عدوان السعودية على اليمن، ولا أفق حلّ يلوح، فيريح الضحايا، خصوصاً أولئك الذين يتعرضون لوطأة القصف الجوي السعودي المستمر.

ثلاثة عشر شهراً، كلما جاء الحديث فيها عن السلام وعن الحوار، تشتعل المعارك بأفظع مما كانت عليه، دون تغيير يذكر في موازين القوى على الأرض بين المتحاربين.

الآن هناك فرجة أمل، يعتقدها البعض، ويأملها بعض آخر، وقد روّج لها اسماعيل ولد الشيخ أحمد ممثل، الأمم المتحدة، وتتلخص في بدء حوار بين اليمنيين في الكويت، التي هي جزء من التحالف الذي شنّ العدوان على اليمن. وقد رفضت الرياض أن تكون مسقط بلد الحوار، بحجة أنها منحازة للجانب اليمني!

لم تشأ الرياض ان يكون الحوار في سلطنة عُمان، التي لم تشارك في الحرب السعودية على اليمن، ولم تقبل بأن تكون في جنيف، ولا يُعلم على وجه الدقّة ـ وإنما يرجّح بشكل كبير ـ أن الحوار في ذاته مجرد تكتيك سعودي، غرضه تنفيس الضغط الواقع على الرياض من قبل العالم لإيقاف عدوانها وهمجيتها، وليس غرضها بالفعل إيقاف الحرب.

جوهر المشكلة ـ كما ذكرنا هنا في هذه المجلة ـ ليست بين اليمنيين المتخاصمين والمتحاربين، فليسوا هم من يرفض الحوار، وليسوا هم من بيدهم إيقاف الحرب، وليسوا هم من بدأ الحرب وأشعلها في الأساس، وإن كانت السعودية تقول بأنها خاضتها بذريعة طلب رئيس مستقيل او انتهت ولايته منها ان تقوم بذلك، مع أن الرئيس هادي قال أنه سمع باعلان الحرب وهو في طريقه الى سلطنة عمان، فارّاً من عدن!

اذن المشكلة في جوهرها، بين السعودية وبين اليمنيين، أو على الأقل أكثريتهم الساحقة. والسعودية لم تنل تفويضاً من هؤلاء لشن حرب على أنفسهم!، ولربما كانت أزمة السعودية هو عدم قدرتها لا على إنهاء الحرب بقوتها الذاتية، ولا على إقناع خصومها بأن يتنازلوا لها فيلتحقوا بمعسكرها.

اذا كانت المشكلة يمنية سعودية، فلماذا لا يكون الحوار بين اليمنيين (اللجان الشعبية، والجيش والقوى السياسية من جهة) وبين الرياض وبشكل مباشر؟

الرياض لا تقبل حواراً كهذا، على الأقل كانت كذلك الى وقت قريب. لأن قبولها يؤكد انها سبب المشكلة، أو جزء أساس منها، وأنها هي من يستخدم (الشرعية اليمنية) وليس العكس كما تروج.

الرياض دعت الى حوار مع أنصار الله في مارس الماضي عند الحدود لمناقشة تبادل جثث وأسرى، وتم تطوير الأمر على أساس ان يتم إيقاف قصف الرياض للعاصمة صنعاء والمحافظات الحدودية (حجة وصعدة). لكن الرياض، لم تكن تقبل حتى بأنصاف الحلول هذه، دون أن تعكرها بأكاذيب اعلامية تقول بأنها تحاور الحوثيين دون المؤتمريين (جماعة علي عبدالله صالح) محاولة ضرب اسفين بين الحليفين. ولم تمض أيام حتى قامت بقصف عنيف على ميدي جنوب جازان، محاولة احتلاله بقوات برّية مدعومة بسفن حربية بحرية، في ست محاولات متتالية فاشلة أسفرت عن مقتلة كبيرة في الحلف السعودي.

وهكذا تضعضعت آمال تطوير وقف اطلاق النار عبر حوار.

لكن بقي أمل، فولد الشيخ أحمد، ممثل بان كي مون، مدعوماً بالغرب، أصرّ على حوار الكويت. وهنا أعلنت الرياض كذبة أخرى، تقول بأن وفداً (حوثياً) موجود للحوار في الرياض، وقد ذكر ذلك (بتعمد واضح) كلٌ من وزير الدفاع ووزير الخارجية السعوديين. ومن جانبهم أعلن الحوثيون كذب هذا الخبر، دون الغوص فيه، وأوضحوا أن هدف الأكذوبة مجرد محاولة إحداث انشقاق بين القوتين الرئيسيتين (انصار الله وحزب المؤتمر).

السؤال: اذا كان انصار الله يفاوضون الرياض مباشرة، وهو مرادهم باعتبارها المشكلة والعدو، فلماذا يفعل آل سعود ذلك مع من يسمونهم (العصابة الحوثية)؟ ولماذا يعلن الأمراء عن حوار مزعوم في الرياض معهم وليس وليس مع عبد ربه هادي او بحاح او علي محسن المتواجدين جميعاً حينها في فنادق الرياض؟ بل ما فائدة حوار الكويت إن كان لقاء الرياض قد تمّ فعلاً، وتمت مناقشة القضايا الرئيسية؟

أخيراً أعلن وقبل اسبوع من بدء الحوار في الكويت عن هدنة (أو ايقاف حرب مؤقت)، وذلك قبيل ساعات من فجر ١٠ ابريل الجاري، وذلك بعد تفاهمات فنيّة بين اليمنيين والسعوديين تمت عند الحدود بين البلدين وليس في الرياض (قيل انها تمت في ظهران الجنوب الحدودية). وبعد أقل من ربع ساعة من بدء سريان الهدنة، قالت الرياض أن الحوثيين خرقوها، وقال الجيش اليمني بأن السعودية هي التي خرقتها، بما في ذلك طيرانها الذي لم يتوقف. وبعد أربع وعشرين ساعة تسعّرت الحرب على كل الجبهات، فيما وصلت الوفود الى الكويت.

ما جرى حتى كتابة هذه السطور أمرٌ معتادٌ عليه.

في كل ما قيل عن الهدنات السابقة، بدت الطريقة السعودية متشابهة.

تعلن الرياض الهدنة من طرف واحد، ثم تكون أول من خرقها بحجة أن الحوثيين خرقوها. بهذا المعنى لم تكن هدنات حقيقية. وبهذا المعنى أيضاً، فإن الرياض تحقق فائدتين: تخفيف الضغط عليها وتقول انها مع حل سلمي؛ والثانية تفاجئ اليمنيين بهجمات عسكرية غير متوقعة. ففي كل مرة تتحدث فيها الرياض عن هدنة يكون هناك هجوم عسكري قوي ومباغت، وفي كل الأحوال كان اليمنيون يخسرون مواقع، يستردونها لاحقاً بأثمان باهظة.

هذه المرة لم تختلف الهدنة عن سابقاتها أبداً.

جاء ولد الشيخ احمد بنصّ مبادرة كأنه كُتب من قبل السعوديين، يحمّل انصار الله والمؤتمر الشعبي المشكلة ويحدد واجباتهم دون أن يشير حتى الى السعودية وقواتها ودورها في الهدنة. تم تعديل ذلك، حسبما قيل، ولكنا لم نقرأ التعديلات، مع ان عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد البخيتي تحدث لتلفزيون الميادين عن تنازلات من أجل التوصل الى حل سياسي.

وفعلاً، وفي اللحظة التي حدد فيها سريان وقف اطلاق النار، كانت هناك هجمات تصاعدت خلال اربع وعشرين ساعة لتشمل كل المحاور، من تعز الى مأرب الى الجوف الى نهم شمال صنعاء. وكان الطيران السعودي لم يغادر سماء اليمن في معظم مدنها، خلافاً لشروط الهدنة.

ولكن الهدنة اختلفت هذه المرة عن السابقة في مسألتين:

أولاً، ان الهدنة سابقة للحوار بأيام، ما يجعل تأثير خرقها على الحوار أضعف قليلاً. في السابق فإن الفاصلة بين وقف اطلاق النار وبين بدء الحوار قصيرة، تقدر بساعات او يوم او يومين. هذه المرة فإن المدّة طويلة، ما يجعل تأثيرات خرقها أقل تأثيراً.

وثانياً، ان اليمنيين كانوا هذه المرة ـ وخلاف الهدنات السابقة ـ على استعداد لمواجهة (مملكة الغدر) حسب تعبيراتهم السياسية والإعلامية. ولهذا فإن قوات التحالف السعودي لم تحقق أي خرق عسكري في أي من الجبهات حتى كتابة هذه السطور، رغم الأسلحة التي انهالت على جبهة تعز وقت الهدنة، ورغم شراسة الهجمات في أكثر من جبهة. لقد خسر السعوديون وحلفاؤهم عنصر المفاجأة، وتعلم اليمنيون اسلوب الغدر السعودي.

كل ما ذكرنا أعلاه مجرد تفصيل لقضايا حساسة وتساؤلا مشروعاً.

هل الرياض تريد فعلاً حواراً ناجحاً في الكويت يفضي الى حل سياسي للأزمة اليمنية؟

لا يبدو الأمر هكذا أبداً، رغم أن اسماعيل ولد الشيخ أحمد، يتحدث عن فرصة حقيقية لحل الأزمة. لكن الكتاب يمكن قراءته من عنوانه. وخروقات الهدنة من جانب السعودية ليس فقط لمجرد تحقيق مكاسب على الأرض، يجري تثميرها سياسياً على طاولة المفاوضات في الكويت. فحتى لو تحقق الخرق ونجح السعوديون ومرتزقتهم، فإنهم أيضاً لن يقبلوا بإيقاف الحرب.

لماذا؟

بالمختصر المفيد: إيقاف الحرب، ضمن تسوية سياسية، أو أنصاف حلول، يعني هزيمة سعودية، وتقليصاً لنفوذها في اليمن. أي القبول بأن حصتها في اليمن ومهما تعاظمت لن تصل الى حتى ثلث ما كانت عليه قبيل الحرب.

وبالمختصر المفيد ثانياً: فإن ايقاف الحرب يعني انتصاراً للخصم، وهذا بالنسبة لآل سعود أكثر إيلاماً من خسارة الحرب نفسها. بمعنى آخر: إذا كانت التسوية لا تحقق للرياض الا بعض اهدافها المعلنة من الحرب؛ فإن انتصار الخصم يعني أن على الرياض القبول بالأمر الواقع على الأرض، وإعادة النظر في استراتيجيتها اليمنية بحيث لا ترى في اليمن مزرعة خلفية بعد الآن.

وبالمختصر المفيد ثالثاً: فإن إيقاف الحرب بدون نصر سعودي حاسم، يثير أسئلة متأخرة حول منجزات الحرب ومشروعيتها، وخسائرها البشرية والمالية، وحماقة من شنّها، وبالتالي ستولد تفاعلات سياسية ونفسية محليّة ليست في صالح النظام السعودي نفسه.

وبالمختصر المفيد رابعاً: فإن القبول بتسوية في الحرب اليمنية، يعني أن نفوذ السعودية الإقليمي قد قضي عليه قضاءً مبرماً، وأن عليها الإنكفاء على ذاتها، ومداواة جراحاتها. فهي بالتسوية تصل الى هزيمة محلية وهزيمة اقليمية وتؤجج المعارضة الداخلية وتجعل منها دولة عادية بلا طموحات ولا نفوذ يذكر (آخذين بالنظر مستقبل الوضع في سوريا والعراق).

لكل هذا.. لا تريد الرياض التسليم بدون نصر حاسم في اليمن، وإن تطلب الأمر استمراراً للحرب لعشر سنوات أخرى. وإن استدعى دفع أثمان مالية وبشرية باهظة.

ولهذا، فإن همّ الأمراء السعوديين اليوم، هو استمرار الحرب الى نهاية عهد أوباما (نهاية العام الحالي)، فلربما تغيرت الأوضاع مع من يخلفه في رئاسة الدولة، ولربما غيّرت امريكا استراتيجيتها، ولربّما حدث حادث أضعف اليمنيين وقاد الى هزيمتهم. هكذا تفكر الرياض.

وعليه لا يمكن القول بأن حوار الكويت سيكون مفتوحاً للمتحاورين أنفسهم، وكلهم يمنيون، بل أن الطرف اليمني الموالي للرياض حاضر لإفشال الحوار، إما عبر شروط تعجيزية، أو عبر ادعاءات خروقات للهدنة، أو لأي سبب كان.

محطة الكويت مهمة للحوار من جهة أنها تستنفذ ما تبقّى من آمال وطاقات ومجالات البحث عن حل يريده اليمنيون العاديون، وتريده القيادة اليمنية على ارضها (وليس القيادة التي تسكن في فنادق الرياض). اذا فقد هذا الأمل الأخير ـ وهو المرجح ـ فإن الحرب ستتسعّر أكثر وأكثر لاشهر قادمة. وسيكون الجميع مقتنعاً بأن الحل لا بد أن يمرّ عبر فوهة البندقية.

هناك حدود لتنازل اليمنيين للسعودية، لكن لا يوجد أحد مستعدٌ للركوع أمام من دمّر مدنهم وجسورهم ومدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم، بشرهم وحتى حيواناتهم ومزارعهم.

هذا ليس مطروحاً الآن.

الإستسلام غير وارد من الطرفين.

وتكافؤ القوى العسكرية قد يمضي بالحرب الى تطاحن، لا بد على أحدهم أن يخترقه فيجعل من الآخر يخضع لشروطه.

لازال هناك إمكانية لصدّ الضغوطات. السعودية تعتقد ان الضغط الدولي عليها لإيقاف الحرب، لازال في بداياته، وهي قادرة على تجاهله أو تنفيسه بطريقة أو بأخرى، لأشهر قادمة.

الرياض ليست جاهزة لحل سلمي وتسوية وسطية توقف عدوانها على اليمن.

هذه هي الحقيقة المرّة.

الرياض لن تقبل بحل، ما لم تتكسّر على أرضها جنوباً، فهناك مدفن أحلامها، وليس في عدن او تعز او مأرب او الجوف او غيرها.

السعودية قابلة للكسر، لأنها مزرعة بإسم دولة.

واليمن جدير بالنصر، لأنه شعب مظلوم، مقاوم، وحكيم، وأصيل.

الصفحة السابقة