الحريري يفضح إبن سلمان بالتقسيط!

خالد شبكشي

لا يفوّت رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري فرصة دون أن «يبقّ/ يفضح” بعض ما واجهه في الرياض في 4 نوفمبر الماضي، حين تمّ اجباره على تقديم استقالته واحتجازه بأمر من محمد بن سلمان. كان الحريري قد وعد في مناسبة عامة بأنه سوف يبقّ البحصة وسوف تكون «بحصة كبيرة» حسب قوله، للكشف عن الأطراف اللبنانية التي طعنته في الظهر خلال محنته في الرياض.

في المعلومات الخاصة، فور وصول الحريري على متن طائرته الخاصة الى مطار الملك خالد الدولي بالرياض، صعد عدد من الأشخاص بلباس مدني الى داخلها، وكان يعتقد بأن ذلك من بروتوكولات الحفاوة، وإذا به يفاجأ بعبارة قاسية (وصلت يا ابن القـ....). لم يكن يخطر على باله أنه وقع في “مصيدة”، فكل شيء كان عادياً في الرحلة التي سبقت ذلك في نهاية أكتوبر الماضي، وعاد حينذاك مبتهجاً ومبشّراً اللبنانيين بوجبة مساعدات سعودية، وأن حملة التغريدات السبهانية ضد فريق من اللبنانيين، لا تعكس الموقف الرسمي للمملكة، وإن ولي العهد محمد بن سلمان هو وحده المعني بذلك.

 
نيويورك تايمز: تقسيط نشر ما فعله ابن سلمان في الحريري

كل ذلك كان قبل زيارته الثانية، التي كانت فيها محنته. تفاصيل ما جرى على الحريري بقيت طي الكتمان، ولكن على ما يبدو أن الرجل واجه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، بدليل أنه لا يترك مناسبة منذ «فكاك أسره» من الرياض وعودته الى الديار عبر باريس، الا ويلمّح الى شيء ما عظيم جرى عليه. أفصح أول مرة عن بعض ألمه في لقاء مع العوائل البيروتية بأنه ينوي بقّ البحصة حول «أمر أزمة» في حياته، وحدّد الوسيلة الاعلامية التي سوف يكون من نصيبها، وأن ذلك سوف يكون قريباً.

بدأت لحظة الترقب الحاسمة التي سوف يضع فيها الحريري النقاط على الحروف، وتسمّر الناس أمام الشاشة التلفزيونية بانتظار اعلان الموعد. ولكن.. اتصالات مكثّفة جرت بعد إعلان الحريري من أكثر من طرف لبناني وعربي ودولي تناشده التريث، عطفاً على التداعيات الخطيرة التي سوف تتركها لبنانياً وإقليمياً.

وكما يبدو، فإن الحريري لم يتخل عن حقه في التعبير عن ألمه والجروح الغائرة التي لحقت به في الرياض، ولكنه اختار «التقسيط» في التعبير عنها بدلاً من اطلاقها دفعة واحدة. وعوضاً عن تناول الأشخاص، صوّب الحريري على المفاهيم الخاطئة التي تتبناها السعودية في التعاطي مع الشأن السياسي اللبناني.

في الندوة التي نظّمها مركز كارنيجي في فندق فينيسيا بيروت في 13 ديسمبر الماضي بعنوان (لبنان في منطقة مضطربة) وشارك فيها رئيس الحكومة الحريري نفسه.. افتتح كلمته بأنه لن «يبقّ البحصة اليوم»، فلاطفته المحاورة إن كان يريد أن يشرب ماءً، فعلّق ضاحكاً: «رح أشرب ماي كتير اليوم» في إشارة الى ما واجهه في الرياض، وظهر ذلك في المقابلة التي أجرتها معه بولا يعقوبيان لحساب قناة «المستقبل»، حيث تكرّر تناوله الماء عدّة مرات، وفسّر الأمر حينذاك بأنه أحد الأدلة على «الوضع غير الطبيعي» الذي كان يعيشه الحريري في الرياض.

المهم في إجاباته على أسئلة المحاورة في ندوة فينيسيا، أن الحريري لفت الى أن «ثمة صعوبة لدى بعض دول الخليج في قبول تعقيدات الوضع السياسي اللبناني التي نعيشها..». كان يشير في ذلك الى الفريق الدبلوماسي السعودي الحالي، الذي لا يريد استيعاب الخارطة السياسية اللبنانية. وفي هذه الاجابة إشارة واضحة، وربما السر الكبير الذي يخفيه الحريري في خلافه مع الحليف السعودي، الذي يصرّ على التعامل مع الشأن اللبناني بعقلية الوصيّ، دون حساب لخصوصية الوضع السياسي في لبنان.

في أغلب المناسبات التي شارك فيها الحريري بعد عودته من الرياض، كان يؤكد على مفاهيم تتناقض مع السعودية. على سبيل المثال، توسّل الحريري بشعارات مثل الحوار، والاعتدال، والتفاهم مع شركائه في الوطن، بما ينبىء عن انحيازه لخيارات أخرى غير التي تريدها القيادة السعودية، ولا سيما فيما يتعلق منها بالمصادمة مع حزب الله.

في الذكرى السنوية الرابعة لرحيل وزير المالية الأسبق محمد شطح خلال تجمع بالمناسبة أقيم في بيروت في 27 ديسمبر الماضي، والذي اختار له شعار (رمز الحوار)، قال بأنه يشعر بحجم «الفراغ الكبير» الذي تركه، أي شطح، وخاصة في هذا العام عندما كان بحاجة إليه خلال ما وصفها بأنها «أزمة من أمرّ الأزمات في حياتي السياسية». ولا أظن بأن هناك أزمة مرّة مرّت على الحريري كأزمة احتجازه في الرياض.

كان خطابه يحمل رسائل غير مباشرة الى الجانب السعودي، وردوداً على قائمة مطالب وضعوها أمامه قبل الإنقلاب عليه، ومنها الدخول في مصادمة مسلّحة مع حزب الله. الحريري تلطّى وراء المغدور محمد شطح، ليمرر رسالته الى الرياض من خلال الإشادة بدور شطح في حماية لبنان من «التهور السياسي، ومن جنون استخدام السلاح في الخلافات الداخلية». وفي هذا أيضاً إشارة أخرى الى رفض المقاربة السعودية، التي يقترحها محمد بن سلمان وفريقه على الحريري وتيار 14 آذار عموماً، بالدخول في مواجهة مسلّحة مع حزب الله، وإرباك الوضع اللبناني للضغط على الأخير وتخسيره المكاسب التي حصل عليها في الملفين السوري واللبناني، ولا سيما بعد معارك الجرود الاولى والثانية.

ما لم يقله الحريري بالتفصيل، تكفّلت صحيفة (نيويورك تايمز) بنشره. وقد تأكدنا من مصادر أخرى لبنانية بدرجة أساسية من صحتها، فجاء الجواب (وأكثر من ذلك)، ما يعني أن معاناة الرجل كانت كابوساً. أهمية ما نشرته الصحيفة الاميركية أنه يأتي في سياق التجاذب داخل الولايات المتحدة بين إدارة ترمب وأجهزة الأمن القومي التي تتربّص الدوائر بأخطاء ساكن البيت الأبيض، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وكما فضحت الصحيفة فساده المالي بشرائه قصراً، ولوحة، ويختاً بأكثر من مليار دولار، فإنها تقوم بتسريب الاخبار المتعلّقة بفضائحه السياسية. زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية الى الرياض ولقائه الملك سلمان الشهر الفائت، كانت بغرض التوصّل الى «صفقة» لانهاء العداء بين أجهزة الأمن القومي وبيت سلمان، ولكن على ما يبدو فإن الصفقة لم تتم كما يريدها سلمان ونجله.

نعود الى ما نشرته (نيويورك تايمز) في 24 ديسمبر الماضي حول تفاصيل ما جرى على الحريري في الرياض.

التفاصيل الواردة في التقرير تطابقت مع ما نقله مصدر لبناني مقرّب من الحريري، الذي كان من المقرّر أن يدلي بتفاصيل كثيرة عن رحلته وعن الناس الذين «طعنوه في الظهر»، الا أنه، وكما ذكرنا، بسبب تدخّل اطراف لبنانية (عون وبري) وعربية (مصرية بدرجة أساسية) ودولية (فرنسية وأميركية) جعلت الحريري يتراجع عن «بقّ البحصة»، الى أجل غير معلوم.

جاء في الصحيفة ما يلي:

 
السبهان.. شغل عصابات، وضحكة ألم حريرية!

تم استدعاء رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الساعة الـ 8:30 صباحاً إلى الديوان الملكي بالرياض، وهو طلب مبكر في مقاييس المملكة، أبكر مما هو متوقع في اليوم الثاني.

ارتدى الحريري في ذلك الصباح الجينز والقميص «تي شيرت»، وكان يعتقد أنه ذاهب في رحلة إلى الصحراء مع ولي العهد محمد بن سلمان، حسبما أبلغ في وقت سابق، وبدلاً من ذلك فإنّه جرّد من هاتفه النقال، وحرم من حرسه باستثناء واحد، وتعرضوا للشتيمة من الأمن السعودي. الإهانة الأكبر كانت حين تم تسليمه خطاباً معدّاً سلفاً بالاستقالة، وأجبر على قراءته من شاشة تلفزيون سعودي.

ويكشف التقرير أن «هذا كان على ما يبدو السبب الرئيسي وراء دعوته إلى الرياض في اليوم السابق: الإستقالة تحت الضغط، وتوجيه اللوم لإيران، وكأنه (موظف)، وليس رئيس وزراء (دولة ذات سيادة)، وكان عليه الطلب من الحرس إحضار بدلته”.

وبحسب تعليق معدتي التقرير إن «القصة مثيرة وتدعو للغرابة، وهي جزء من خطة الأمير الطموح، ليس هزّ وتغيير بلده فقط بل المنطقة كلها بشكل عام، ففي الخارج شنّ حملة ضد قطر واليمن، وفي ذلك اليوم الذي طلب من الحريري الحضور إلى الرياض كان مجرد (بيدق) في يد الأمير السعودي ومعركته الشاملة لمواجهة عدوة السعودية اللدودة، أي إيران”.

الصحيفة نسبت المعلومات الى عدد من الأشخاص، لبنانيين وغربيين ومسؤولين في المنطقة، على علاقة مع الحريري. وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكن ليس على سبيل الصدفة أو السبق الاعلامي، وإنما جاءت في سياق خطة إيصال ما جرى الى الاعلام

ويلفت التقرير إلى أنه بعد محاولات يائسة من المسؤولين اللبنانيين للاتصال بالحريري في الرياض، فإنه قضى أخيراً المساء مع ولي العهد في الصحراء، بحسب مسؤول لبناني بارز. وتصف معدّتا التقرير ذلك بأنه كان «نقطة لقاء غريبة تمزج الواقع بالخيال، حيث بدأت تتكشف الأحداث في تلك الليلة عن صاروخ باليستي أطلق على الرياض، وحملة اعتقالات للأمراء، وأصيب اللبنانيون بالدهشة لا يعلمون ماذا يجري، حيث شن الأمير حرباً ضد الحوثيين في اليمن، وتورّط هناك، ودفع هؤلاء لمزيد من التقارب مع لإيران، وحاصر قطر، وانتهى بدفعها أقرب إلى طهران، والآن يحاول أن يسقط رئيس حكومة بلد آخر شعر أنه ليس مطيعاً بما فيه الكفاية لرعاته السعوديين، وكان الأمير راغباً بإرسال رسالة: حان الوقت لوقف إيران ووكيلها في لبنان حزب الله من زيادة قوتهما”.

تعلق الصحيفة إن «ملحمة غياب رئيس الوزراء، التي استمرت شهراً، هي مثال على زعيم متهوّر جديد يحاول تغيير الطريقة التي عملت فيها السعودية في الماضي، لكنه يحصل على نتائج غير متوقّعة، خاصة أن الحريري بقي في السلطة وبشعبية أكبر، وأصبح حزب الله أقوى من السابق”.

وتضيف الصحيفة أن «اليد الحديدية المتهوّرة، وأساليب السعودية، نفّرت حتى حلفاء الولايات المتحدة الأشداء، مثل الكويت والأردن ومصر، ومعظم أعضاء كتلة المستقبل التي يترأسها الحريري، كما يقول المسؤولون والمحللون”.

وتذكر معدّتا التقرير أن المسؤولين، الذين تحدثوا للصحيفة، طلبوا عدم ذكر أسمائهم؛ لأنهم تحدثوا عن أحداث لا تزال سريّة، ولا يزال هناك عدد من الثغرات غير واضحة؛ بسبب الضغط، ولأنه لا يوجد أحد يريد التطوّع والحديث عن أمور سرية، باستثناء الحريري، الذي تراجع عن استقالته بعد عودته إلى بيروت، مشيرتين إلى أن الحريري رفض الرد على اسئلة الصحيفة المتكررة، وقال إنه يريد وضع حادثة الرياض وراء ظهره.

وتنقل الصحيفة عن مسؤول سعودي بارز أن الحريري «عومل بأعلى درجات الاحترام»، وقرر الاستقالة بناء على إرادته، و»لا يزال صديقا مهما»، بدعم من المملكة. ولفت التقرير إلى أن التحرّك السعودي في يوم 4 نوفمبر كان سريعاً، وفي أقل من يوم إنتزع السعوديون استقالة الحريري منه، واتهموا إيران ولبنان بإعلان الحرب بعد إطلاق الحوثيين الصاروخ على الرياض، وتمّ اعتقال عدد من الأمراء ورجال الأعمال والمسؤولين السابقين والحاليين في الحكومة، وبعد أسبوع طلبت الحكومة السعودية من رعاياها مغادرة لبنان، ما أشار إلى قرب وقوع حرب في المنطقة.

إن المسؤولين اللبنانيين، بحسب الصحيفة، عملوا لمنع ما خافوا أن تكون خطة سعودية طويلة لزعزعة استقرار المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث كانت هناك مظاهر قلق في بيروت إزاء محاولات سعودية لإنشاء ميليشيا معادية لحزب الله في المخيمات أو مناطق أخرى، بحسب ما قال مسؤولون لبنانيون بارزون وغربيون، لافتين إلى أنه لم يحدث أي شيء من ذلك، ونفى السعوديون أن تكون خططا كهذه كانت من ضمن إجراءاتهم.

وتقول الصحيفة إن المسؤولين الغربيين والعرب لا يزالون تحت وطأة الدهشة حيال ما كانت السعودية راغبة في تحقيقه، ومنهم من لم يستبعد محاولة إثارة النزاع الداخلي، إن لم يكن الحرب في لبنان. وتستدرك الصحيفة: «ما هو واضح أن السعودية حاولت إعادة تشكيل السياسة اللبنانية، وتخفيف دور حزب الله في السلطة، عبر تفكيك حكومة الحريري، التي تضم حزب الله وحلفاءه”. ويورد التقرير نقلاً عن بريان كاتوليس، من مركز التقدّم الأمريكي في واشنطن، قوله إن «تشكيل سياسة ذكية وناشطة في مجال الخارجية من الأمير ابن سلمان، يحتاج فهماً عميقاً للديناميات السياسية في البلدان الأخرى، والاستثمار في العلاقات الدبلوماسية التي لا يمكن خلقها في ليلة وضحاها»، ويضيف كاتوليس أن «التنافس على السلطة والتأثير في الشرق الأوسط اليوم قد تغيرا بشكل كبير.. والسعوديون يحاولون اللحاق بالركب بنتائج متباينة»، مشيراً إلى أن الخطأ في الحساب والتصعيد يحملان مخاطر اندلاع الحرب.

 
الحريري يعلن استقالته من قناة العربية!

وتفيد الصحيفة بأن «المشكلة تتخمّر منذ سنوات بين الحريري والسعوديين، فهو مثل والده مدين للسعوديين بحظوظه السياسة والمالية، لكن رعاته في الرياض تذمروا من أن حكومة الحريري تمنح التأييد وتتنازل لحزب الله، الذي هو حزب سياسي ومنظمة عسكرية في الوقت ذاته، وكان الحريري زار الرياض في نهاية أكتوبر، واعتقد أنه أقنع السعوديين بأنه يحتاج إلى تسويات مع حزب الله؛ ليتجنب الانسداد السياسي، وطلب الحريري بعد العودة إلى بيروت من خلال وسطاء من الأمين العام لحزب الله حسن نصر تخفيف حملته ضد الحرب المدمرة في اليمن والأمير إبن سلمان شخصياً”.

ولفت التقرير إلى أنه في الأسبوع ذاته حذر الوزير السعودي «المستفز» ثامر السبهان من «مفاجآت قريبة في الأفق»، وحذّر حزب الله من شن حرب على السعودية، مشيراً إلى أن الحريري التقى في 3 نوفمبر مع مسؤولين إيرانيين بارزين في بيروت، وكان على رأسهم علي أكبر ولايتي، وأثنى على تعاون إيران مع لبنان.

وتعلق معدّتا التقرير إن «هذه كانت ربما القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للسعوديين، وخلال ساعات تلقّى الحريري رسالة من الملك سلمان تطالبه بالحضور السريع لاجتماع مهم..». وتنقل الصحيفة عن شخصية مقربة من الحريري، قولها إن الأخير دعي لقضاء اليوم في الصحراء مع الأمير، وعندما وصل أخذ المسؤولون السعوديون الحريري إلى بيته، وطلبوا منه الانتظار، وظل ينتظر من الساعة السادسة مساء حتى الواحدة صباحاً، وفي صباح اليوم التالي دعي للقاء الأمير، ولم يكن هناك موكب، كما هو معتاد، فركب الحريري سيارته، وبدلاً من مقابلة الأمير تعامل معه المسؤولون السعوديون، حيث يصف المسؤولون اللبنانيون الانتظار بين وصول الحريري واستقالته بـ»الصندوق الأسود»، وقالوا إنهم مترددون بالضغط على الحريري لتقديم المزيد من التفاصيل، وعندما سأله أحدهم، نظر الحريري للطاولة، وقال لهم: «إنها كانت أسوأ مما يعرفون”.

ويذكر التقرير أنه «كان لدى السعوديين أكثر من نقطة ضغط لاستخدامها ضد الحريري، منها التهديد بطرد 250 ألف عامل لبناني في السعودية، بشكل يدمّر اقتصاد لبنان، ولأن الحريري يحمل الجنسية السعودية، ولديه مصالح مالية واسعة، حيث تعد الرشاوى أمراً عادياً فقد يكون هدّدوه شخصياً، وقال مسؤول عربي: «إن الحريري هدد بتوجيه اتهامات فساد ضده”.

وتقول الصحيفة إن رسالة الاستقالة التي قرأها الحريري في الساعة 14:30 قدّمت من غرفة كانت تقع تحت مكتب الأمير، حيث ألقى الخطاب باللائمة على حزب الله، وزعم فيه أن حياته تعرضت للخطر، واستخدم كلمات لم تكن تعبّر عنه، كما قال أحد المقربين منه، وأنه بعد ساعات بدأت حملة الاعتقالات في مكافحة الفساد، وتمّ اعتقال شريكين للحريري «لتذكيره بأنّه ليس محصناً من الاعتقال”. وتفيد الصحيفة بأنّ: «ما توقّعه السعوديون من تقوية معارضي حزب الله وخروجهم للشوارع لم يحدث، بل لم يصدّق أحد من اللبنانيين استقالة الحريري، ورفض ميشال عون، حليف حزب الله، قبول الاستقالة، وبعد اختفائه لساعات اتصل الحريري بعون، الذي اكتشف أنه لم يكن يتحدّث بحرية، وعندها بدأ المسؤولون اللبنانيون جولات حديث مع المسؤولين الغربيين، وأخبروهم أن لديهم أسباباً للإعتقاد بأن رئيس وزرائهم معتقل”.

وينقل التقرير عن مسؤولين لبنانيين، قولهم إن الحريري وضع بعد ذلك في قسم الضيافة في بيته تحت حراسة سعودية، وكان وحيداً، ومنع من مشاهدة أبنائه وزوجته، وزاره عدد من الدبلوماسيين الغربيين، وخرجوا بانطباعات متعدّدة حول حريته. وأشار التقرير الى أنه عندما سأل الدبلوسايون الحريري عما إذا كانت هناك إمكانية لمغادرة الحرس، أجاب لا يجب أن يبقوا.

وتذكر الصحيفة أن مدير الامن العام اللبناني اللواء عباس ابراهيم وصف الوضع لدبلوماسيين دهشته من الكيفية التي يجبر فيها رئيس وزراء على الاستقالة في بلد غير بلده، قائلاً: «من السهل أن أحضر جنديين وأضعك أمام شاشة تلفاز وأجعلك تقول إنك تكره بلدك”. وتضيف الصحيفة إنه «في الوقت ذاته يبدو أن الأمير لم يكن مهتماً بالقلق الدولي، استدعى زعيما آخر، وهو الرئيس محمود عباس، وقدّم له تعليمات حول السياسة الفلسطينية، ويختلف المسؤولون حول ما قيل لعباس، إلا أن اللبنانيين شعروا بالقلق، وأرسلوا اللواء عباس إبراهيم ومبعوثاً فلسطينياً إلى عمان في الأردن، من أجل لقاء عباس”. ويضيف: «القلق كان كبيراً، فمقترحات السعوديين لعبّاس تنطوي على إمكانية زعزعة استقرار المخيمات الفلسطينية في لبنان، وبشكل منفصل دعا حليف لبناني للسعوديين جماعة جهادية في مخيم فلسطيني لإنشاء (مليشيا مقاومة سنية) لمواجهة حزب الله، وهي فكرة خطيرة رفضها الجهاديون اللبنانيون والفلسطينيون، بحسب المسؤولين، ونفى السعوديون وعباس كل ما تمّ التكهن به حول الزيارة”.

وذكرت الصحيفة أن ثامر السبهان قام بعد ذلك بزيارة إلى واشنطن، لكنه وجد لقاء بارداً، بحسب مسؤولين غربيين وعرب، وطلب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد، من السبهان توضيح السبب الذي تقوم فيه السعودية بزعزعة استقرار لبنان، وتبعت ذلك دبلوماسية واسعة من فرنسا والولايات المتحدة ومصر، أدّت إلى صفقة تسمح للحريري بالمغادرة.

وتستدرك الصحيفة بأن الأمير محمد أرسل السبهان إلى لبنان من أجل مهمة، وهي إخراج مقاتلي حزب الله من اليمن، بحسب ما قال مسؤولون لبنانيون وغربيون ودبلوماسيون عرب، حيث يرى هؤلاء أن الأمير لم يكن عارفاً بدقة ما يجري في اليمن، الذي يطلق عليه «فيتنام الرياض»، فلا يوجد للحزب في اليمن سوى 50 مقاتلاً، فيما تؤدي إيران دوراً أكبر في تدريب ومساعدة الحوثيين هناك، وكما قال مسؤول لبناني «فمن أجل وقف الحرب في اليمن ذهب السعوديون للعنوان الخطأ”.

وتوضح الصحيفة أن السعوديين حصلوا على شيء من الاضطراب الذي أحدثوه في لبنان، وهو تخفيف خطاب حزب الله ضد السعودية، وهو ما طلبه الحريري قبل المحنة التي تعرض لها، بالإضافة إلى طلب إغلاق قناة تابعة للحوثيين تبث من بيروت.

وتختم صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أنه من غير المعلوم إن كان الحريري سيكون قادراً على تحقيق ما تريده الرياض، حيث لوحظ في الفترة الأخيرة أن الحريري حذف انتقاداته لمحمد بن سلمان، ودعا لتسوية سلمية في اليمن.

الصفحة السابقة