الوهابية تتناسل.. سلالات التكفير

هل أنجب «داعش» وحشه المُطوَّر؟

داعـش الأفـريقـيّـة

القسم السادس

سعدالشريف

في التنافر الإيديولوجي يكمن مكر التاريخ، فما حقّقه «داعش» بالتكفير» يخسرة بالأداة ذاتها، أي بالتكفير. رداء المشروعية يتمزق على أيد حرّاسٍ لم يعودوا أمناء على الفضيلة التي وهبتهم هالة قداسة في زمن تخبو القداسات بأشكالها. تجربة «داعش» أوحت بأن «الخلافة»، في إعادة خاطفة ومباغتة للنموذج المعياري، تبعث أحلاماً مغمورة في ذاكرة المحبطين من الواقع البائس والطامحين لماض تليد..

نجح تنظيم «داعش» في قضم جزء جوهري من الرأسمال البشري والرمزي لشبكة «القاعدة» في العراق أولاً، ثم تزايد ذلك بعد اندلاع الأزمة السورية في مارس 2011. وحتى بعد خسارة “داعش” الأرض في العراق وسوريا، واعتناقه مجبراً خيار إعادة الانتشار، والانتقال الى مناطق أخرى بعيدة عن مسرح العمليات المركزية، فإنه اختار مناطق كانت ولا تزال واقعة ضمن بنك الأهداف الجيوسياسية لتنظيم «القاعدة».

في شمال أفريقيا، كما في بقاع أخرى ينشط فيها التنظيمان، اختار «داعش» التكتيك ذاته المعتمد لدى «القاعدة» في العمل من خلال مجموعات محلية جرى توظيف المظالم الخاصة بها (الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية/ الهوياتية) كيما تكون محفّزات على الانخراط في مشروع مواجهة مع السلطات السياسية في بلدانها.

مجموعات محلية أنشئت فعلياً ومن خلالها يجري تمرير رؤية التنظيم وتصوّراته الكونية حول الأرض، والمجتمع، والدولة، والايديولوجيا المسؤولة عن صوغ العلاقة فيما بينها.

دخل «داعش» ساحة متشظّية في أفريقيا، وكان من الصعوبة بمكان النجاة من تعقيدات الوضع المحلي، إذ بقدر ما كان متأهباً لناحية استغلال مظالم بعض الفئات الاجتماعية وبالتالي تأسيس وضع خاص به، فإنه هو الآخر وقع تحت تأثير التنافس بين حكومات أفريقية عدّة. ويمكن القول، أن القادة الأفارقة وظّفوا اتصالاتهم مع تنظيم «داعش» لأغراضهم الخاصة في العلاقة مع المنافسين المحليين والحكومات الأفريقية. بالقدر نفسه، فإن القادة الارهابيين الافارقة حافظوا على ميزان قوى متعادل أو متفوق مع تنظيم «داعش».

على سبيل المثال، لم يوفّر «داعش» دعماً مادياً كبيراً لجماعة بوكو حرام (تأسست العام 2009) في الشمال النيجيري، ولكنّه وهبها مكانة معنوية متميّزة، حين ربطها بمشروعه الجهادي الكوني. ولا شك أن الجماعة حظيت بهذه المكانية في وقت كانت تعاني فيه من ضعف شديد، بسبب نزوعها نحو الاستعمال المفرط للعنف غير المبرر والذي أفقدها الدعم الشعبي. إن اعتناقه لمشروع «داعش» في إحياء يوتيبيا «الخلافة الاسلامية» التي تردّد صداها على نحو واسع في شمال نيجيريا، عطفاً على التجربة الاسلامية العريقة أعادت له قدراً من الزخم الشعبي والتماسك الداخلي. إن الفوضى التي تعاني منها بلدان أفريقية توفّر فرصة انتهازية، كما حصل في مالي في العام 2012، وفي ليبيا اليوم، وفي أجزاء من بلدان افريقية تراخت فيها قبضة الدولة.

إن ردود فعل الحكومات قد أفضى أحياناً الى إبعاد أو تقليل أعداد الحركات الارهابية الأفريقية الى عدّة مئات. مهما يكن، فإن مجموعات مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي والشباب قد حافظت على شكّلها لسنوات عديدة، وبعض الأحيان لعقود. إن الاستراتيجيات التي تركّز على الحوكمة ومعالجة المظالم هي اللعبة المفتوحة والطويلة الأجل، وإن نجاحها سوف يتحقق ليس في هيئة هزيمة للارهابيين ولكن من خلال تضييق الخناق، وتجفيف المنابع نهائياً، والتواري النهائي في منطقة تشهد أفولاً للارهاب وتآكل لقاعدته الشعبية.

استراتيجية عمل داعش لا تقتصر على مجرد الممارسات العملية على الأرض، ولكن أيضاً صلاحية الدعاوى الإيديولودجية والأفكار التحريضية المسؤولة عن تجنيد الأفراد وتشكيل الخلايا.

من الضروري إلفات الانتباه الى أن الافكار الطوباوية التي روّج لها «داعش» وساعده عليها كوادر جماعة «بوكو حرام»، خرجت من كونها أفكاراً لجماعة مغلقة، بل اندسّت في نسيج الثقافة الشعبية، بما يوفّر فرصة بقائها لأمد غير معلوم، بقطع الصلة عن بقاء «بوكو حرام» متماسكاً. في النتائج، إن بقاء تلك الأفكار يخلق فرصاً لإمكانية التجنيد والتثمير من قبل أي جماعة أخرى في هذه المنطقة.

ما هو جدير بالملاحظة أن المظالم الاجتماعية، وأزمة الحكم، وانعدام الثقة بين السلطة والمجتمع، هي عوامل رئيسة في التعبئة والتجنيد ومشروعية الجماعات. وجود مثل هذه العوامل بقدر ما يغذي التطرف والعنف فإنها تفرض حلولاً جذرية لمعالجة الارهاب، والفساد، والمظالم بأنواعها(1).

داعش.. ليبيا الساحة البديلة
 
أبو نبيل الأنباري، قائد داعش في ليبيا

إذا كان ثمة بديل فعلي للعراق وبلاد الشام كمنطقة إيواء وتجنيد ونشاط لتنظيم «داعش» وقبله القاعدة، فهي منطقة شمال أفريقيا ولا سيما (ليبيا، تونس، الجزائر)، التي منها جاء كثير من قادة وكوادر التنظيمين. سعى «داعش» منذ بروز مؤشرات على خسارته الأرض في العراق والشام الى التعجيل بتعزيز مواقعه في القارة الأفريقية، كما تؤكد تعليمات البغدادي لأتباعه الأفارقة. ولكن، كما يبدو فإن وصول طلائع «داعش» الى بعض المناطق الأفريقية قد جاء متأخراً، أو أن التحضيرات لمواجهته كانت أقوى ومباغتة وتفوق قدرته.

في ضوء الحوادث الواقعة بين إبريل 2016 ـ مارس 2017، فإن البلدان التي صنّفها «داعش» ضمن مجال عمله ولا سيما الجزائر، وتونس، وليبيا، لم يحقق فيها التنظيم تقدّما كبيراً لناحية تجذير نفسه في المجتمعات المحلية(2).

في دراسة معمّقة للباحث هارون زيلين في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى جاء أن أعداد المقاتلين الأجانب في صفوف تنظيم «داعش» بليبيا يتراوح ما بين 4000 ـ 5000 عنصراً. وكشفت الدراسة عن أن التونسيين يحتلون المرتبة الأولى في أعداد المقاتلين بواقع 1500 عنصراً يليهم المغاربة بواقع 300 مقاتلاً، ثم الجزائريين (130 مقاتلاً)، والمصريين (112 مقاتلاً) والسودانيين (100 مقاتلاً)، وهناك من السنغال ومالي والصومال وغانا وغيرها.

ولفت التقرير الى أن «داعش» لايزال يبجث عن نقاط ضعف للنفاذ منها الى بلدان شمال أفريقيا، وأن ثمة مخاوف لدى المسؤولين المغاربة من تدفق مقاتلي «داعش» إلى البلاد، ومن استغلال المهاجرين العالقين في ليبيا لتسلل مقاتلين، وهو ما أفضى إلى تأخير عمليات ترحيل هؤلاء المهاجرين لأكثر من مرة.

وأوضح التقرير أن انهيار معقلي «داعش» في سوريا والعراق، شجّع التنظيم على الهجرة إلى ليبيا، بسبب الأوضاع المضطربة التي يعيشها، وهو ما بات يقلق الاتحاد الأوروبي، نظراً لقرب دوله من ليبيا على وجه الخصوص، ودول شمال أفريقيا عموماً، بكونها مسرح عمليات التنظيم في المرحلة الراهنة، الأمر الذي يتطلب جهوداً جماعية لمواجهة الخطر المحدق بالقارتين الإفريقية والأوروبية على حد سواء.

وذكر التقرير وجود نحو ألف امرأة مقاتلة في صفوف «داعش» بليبيا، من بينهن 300 تونسية، ويقتصر دورهن على الزواج ودعم أزواجهن المقاتلين، إضافة إلى إنجاب الأطفال(3).

وفي 16 فبراير 2018 قدّم هارون زيلين ومايكل ت فرانكن (ضابط أميركي سابق ونائب رئيس القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم»)، سلسلة محاضرات تحت عنوان (برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب)، وذكر هارون زيلين ما نصّه: «خلال الأعوام القليلة الماضية، أصبح تدفق المقاتلين الأجانب إلى ليبيا رابع أكبر حشد [للمقاتلين] في التاريخ الجهادي، بعد الحرب في سوريا، والجهاد الأفغاني في الثمانينيات، وحرب العراق عام 2003. بالإضافة إلى ذلك، إنها المرة الأولى التي أصبح فيها أولئك المتشددين في شرق أفريقيا وغربها ضالعين بعمق مع الجهاديين في الخارج بدلاً من تركيزهم على التمرّد الداخلي أو الإرهاب».

ووفقاً لمصادر الجماعات الجهادية، كانت التقارير الأولى عن المجاهدين الذين وصلوا إلى ليبيا قد جاءت في مارس 2011، عندما كان الهدف هو محاربة نظام القذافي. وفي ديسمبر من العام نفسه، بدأت جماعة «أنصار الشريعة في ليبيا» بإنشاء شبكات للتدريب واللوجستيات والتيسير، وإقامة صِلات مع «أنصار الشريعة في تونس»، وتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، والجهاديين في سوريا. ومع مرور الوقت، وسّعت الجماعتان في ليبيا وتونس مجال تعاونهما، وما لبث أن تطوّر الوضع في ليبيا إلى درجة أصبحت فيها البلاد ملجئاً لـ «أنصار الشريعة في ليبيا» وتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، في الوقت الذي واجهت فيه هذه المنظمات صعوبة في ممارسة عملياتها في أماكن أخرى.

وبحسب زيلين فإن نحو 2600 إلى 3500 مقاتل أجنبي وصل إلى ليبيا خلال السنوات السبع الماضية، وهم من أكثر من 41 دولة. وتستند هذه الأرقام إلى تقارير حكومية من بلدان مثل تونس وكينيا والسودان والسنغال، إلى جانب مكتب النائب العام في ليبيا والتقارير المحلية.

وبحسب الدراسة، يشكّل تنظيم «داعش» حالياً أقوى جماعة جهادية في ليبيا. فبعد تدفُق المقاتلين إلى هناك من سوريا في الفترة بين عامي 2012 و2013، انعكس الاتجاه في ربيع عام 2014. فقد بدأ يأتي معظم المقاتلين الأجانب الذين ينتمون إلى تنظيم «داعش» في ليبيا من تونس، على الرغم من أن التنظيم اجتذب مجموعة واسعة من الجنسيات الأخرى، بما فيها تشاد وغانا وكينيا والنيجر والصومال وبوروندي.

ويمثّل المقاتلون الأجانب الذين ينتقلون من ليبيا وإليها مخاطر كبيرة على بلدان أخرى، ومن بينها إمكانية تنفيذ العائدين عمليات خارجية عن طريق تآمر القادة الجهاديين على تنفيذها من خلال «التخطيط عن بعد”.

مقاربة مايكل فارنكن تركّزت على العوامل الضالعة في تشجيع عناصر محلية على الانخراط في صفوف «داعش» والتنظيمات الجهادية عموماً. ويؤكد فرانكن على أن الصراع في ليبيا خرج من إطاره المحلي ومن إستراتيجية مكافحة الإرهاب وبناء الدولة، وأصبح صراعاً بين القوى الكبرى، وإن الإرهاب اليوم لا يصدر عن صراع فكري بقدر ما هو نتاج مظالم دينية وقبلية واقتصادية. ويؤكد على مشتركات عامة بين العناصر المنخرطة في التنظيمات المسلحة، وهي «قضايا الملل والعزلة وعقلية التبعية». يتظافر ذلك مع ويشجّعه وفي الوقت نفسه يزيده تعقيداً هو «انتشار الأسلحة» التي ساهمت في «تسهيل إشعال فتيل التطرف المحلي والإقليمي، حيث تمكّن القادة من إلهام أتباعهم بسهولة أكبر (وفي بعض الحالات أصبح بعضهم أغنياء)». ويضرب لذلك أمثلة في شمالي مالي، وفي سيناء حيث يجري التقاتل على قضايا ذات طابع محلي لا صلة لها بالإيديولوجيا.

ولذلك، يقترح فرانكن وضع خطة شاملة لاتقتصر فحسب على مكافحة الإرهاب وإنما أيضاً استراتيجية إقليمية تمكّن المواطنين من التوصل الى حل لقيام أمة يسودها القانون يديرونها بأنفسهم. ومن بين حلول أخرى يقترحها، وتندرج في إطار الصراع الدولي بين أمريكا وخصومها في العالم مثل (روسيا وإيران)، فإنه يؤكّد على الحاجة الى «الانتخابات والتشريعات المحلية» كعنصر مهم «للحد من انتشار عدم الاستقرار»، وكذلك الإصلاحات الاقتصادية والإدارة الرشيدة للحكم»(4).

 
السعودي أبو عامر الجزراوي (والي طرابلس) قائد منفذي مذبحة الأقباط في ليبيا

إن هجرة «داعش» الى القارة الأفريقية، وعلى وجه التحديد شمال القارة، تبطن هدفاً مزدوجاً. فقد أريد من هذه القارة أن تكون مقرّاً لتنظيم داعش بعد خسارته الفادحة على مستوى الأرض والموارد البشرية والمالية في العراق وبلاد الشام، وهناك هدف آخر لا يقل أهمية عن الأول هو استخدام أفريقيا ممراً حيوياً لكوادر «داعش» للعبور الى القارة الأوروبية.

تحذيرات أجهزة الأمن الأوروبية من هجمات إرهابية انطلاقاً من شمال أفريقيا تشي بالتهديد المتصاعد الذي يفرضه انتقال التنظيم الى أفريقيا. وزير الداخلية الإيطالي ماركو مينيتي كان قد حذّر في 28 أكتوبر 2017 من أن مقاتلي داعش الفارين من سوريا والعراق «يمكن أن يجدوا في شمال ​إفريقيا​ ركيزة انطلاق لشن هجمات إرهابية على ​أوروبا​“. وحذّر من أنه «بعد الهزيمة العسكرية التي مني بها «داعش»، فمن الممكن لمقاتليه الأجانب الفارين من سوريا والعراق أن يجدوا ملاذاً آمنا في ​شمال إفريقيا​، وأن يحولوا هذه المنطقة إلى ركيزة انطلاق لشن هجمات إرهابية على أوروبا». وشدّد مينيتي على أن «هناك احتمالاً كبيراً بعبور آلاف المقاتلين من خلال هذه النقطة في طريق عودتهم إلى بلادهم»(5).

وتيرة الرسائل التحذرية من إمكانية استخدام شمال أفريقية منصّة انطلاق لعمليات داعش في القارة الأوروبية تسارعت منذ أن بدأ التنظيم يخسر الأرض في العراق وبلاد الشام. كانت الأرض بالنسبة له المأوى، وبالنسبة للدول الأوروبية التي أعانت مقاتليه على الهجرة من الأصقاع كافة هي الغيتو، ومنطقة الحصار، وفي الأخير المحرقة التي سوف تقضي على العناصر التي تهدد الأمن في تلك الدول.

لاشك أن بلداناً في الشمال الأفريقي تكتسب أهمية استثنائية لدى «داعش» كونها تشتمل على المواصفات المطابقة لخطة الايواء والعمل لعناصر التنظيم. وهو في ظل الفوضى التي تسود دولة مثل ليبيا تصبح إمكانية التحرر من أي قيد راجحة بل ومطلوبة، ولذلك فإن التنظيم يسعى لإبقاء حالة الفوضى قائمة، من أجل تعزيز وجوده في هذا البلد، ومن شأن ذلك أن يشكل تهديداً إقليمياً ودولياً. ومهما بلغت الجهود المحلية والإقليمية والدولية لاجتثاث التنظيم فإن بعد انتشار عناصره في أرجاء متفرقة من العالم، واعتماد تكتيك «النكاية» المستند بدوره على الخلايا العنقودية تصبح مهمة الملاحقة بالغة الصعوبة.

صحيح أن التنظيم تكبّد خسائر فادحة في قاعدة عملياته على طول الساحل الليبي، الا أنه في المقابل نجح في إعادة تنظيم صفوفه وإنشاء مراكز تدريب ومقر عمليات في المناطق الوسطى والجنوبية من ليبيا. ومع التمزق الذي تعاني منه ليبيا والفشل القائم في تشكيل حكومة وطنية موحّدة، فإن كل المناطق الخارجة عن سيطرة القانون تمثّل بيئة خصبة لنشاطات غير منصبطة للتنظيم في جميع أنحاء شمال أفريقيا، وتتعداها الى القارة الأوروبية.

في ليبيا، كان ظهور داعش ابتداءً في بلدة درنة الشرقية في منتصف عام 2014، وفي ذروة نشاطه حافظ التنظيم على مدينة سرت الساحلية معقلاً له، وهي المدينة نفسها التي يتحدر منها الزعيم الليبي معمر القذافي، وقد احتلها التنظيم في أوائل العام 2015. نجح التنظيم في السيطرة على ما يقرب من 125 ميلاً من الساحل الليبي، وتمدّد التنظيم ناحية بلدة أبو غرين جنوبي سرت، واحتل مدينتي نوفلية وبن جواد، على بعد 25 ميلاً من المحطتين الرئيستين للنفط في ليبيا.

في يونيو 2015، أطاحت القوات الليبية بداعش في مدينة درنة، وخلصت من إزالة التنظيم في سرت الساحلية في ديسمبر 2016. تجدر الإشارة الى أن التنظيم أسّس في مدينة سرت أهم قاعدة له في شمال أفريقيا، لكن كتائب من مدينة مصراته الليبية الغربية شنّت هجوماً مضاداً ضد التنظيم ابتداء من مايو 2016، مدعومة بسلاح الجو الأميركي الذي نفّذ أكثر من 490 غارة جوية على مواقع «داعش» في هذه المنطقة..

وكان أول من تولى ليبيا من أمراء داعش هو أبو نبيل الانباري، أو ما عرف باسم أبو المغيرة القحطاني، وإسمه الحقيقي وسام نجم عبد زيد الزبيدي، وقد قتل في غارة جوية أمريكية على مدينة درنة شرقي ليبيا في 13 نوفمبر 2015.

عمل الأنباري في صفوف شبكة «القاعدة»، حيث أدار عدّة عمليات في العراق في الفلوجة والرمادي في الفترة ما بين 2004 ـ 2010 تحت مظلة القاعدة، وكان من ضمن وفد «داعش» الذي أرسل من العراق الى ليبيا في سبتمبر 2014 لجمع البيعات للبغدادي وقيادة فرع تنظيم «داعش» في ليبيا.

في تقدير العسكريين الأميركيين أن مقتل الأنباري سوف يضعف قدرة التنظيم في ليبيا على العمل وتجنيد العناصر. ولكن ما لبث أن عيّنت قيادة «داعش» والياً جديداً هو عبد القادر النجدي حيث وصف بأنه «الأمير المفوّض لإدارة الولايات الليبية» برغم من أن التنظيم لا يسيطر حينذاك الا على مساحات في مدينة سرت ومحيطها المباشر.

وبخلاف ما هو شائع بأن النجدي نسبة الى نجد، وبذلك يرجح فرضية كونه سعودياً، فالحقيقة هي أن عبد القادر النجدي عراقي الجنسية وكنيته «أبو معاذ التكريتي» وقد هرب من سجن تكريت. وهو من بين من أشرف على المجزرة في حق 21 قبطياً مصرياً في مدينة سرت وسط ليبيا العام 2015.

موقع (السكينة) التابع لوزارة الداخلية السعودية مضى مع القائلين بسعودية عبد القادر النجدي وأنه هو نفسه أبو حبيب الجزراوي الذي خلف أبو نبيل الأنباري، والمشهور بـ (أبو المغيرة القحطاني)(6).

وبحسب شهادة عنصر ينتمي لتنظيم «داعش» أنه في أواخر ديسمبر العام 2014: «كنت نائماً بمقر ديوان الهجرة والحدود بمنطقة السبعة بسرت؛ أيقظني أمير الديوان (هاشم أبوسدرة) وطلب مني تجهيز سيارته وتوفير معدّات حفر، ليتوجه كلانا إلى شاطئ البحر خلف فندق المهاري بسرت».

وأضاف: «عند وصولنا للمكان شاهدت عدداً من أفراد التنظيم يرتدون زياً أسوداً موحداً، وواحداً وعشرين شخصاً آخرين بزي برتقالي. إتّضح أنهم مصريون، ما عدا واحد منهم إفريقي». ويواصل العنصر الداعشي روايته عن الجريمة «وقفت مع الواقفين خلف آلات التصوير، وعلى رأسهم المدعو «أبو المغيرة القحطاني» والي شمال أفريقيا.. وعرفت من الحاضرين أن مشهداً لذبح مسيحيين سيتم تنفيذه لإخراجه في إصدار للتنظيم». وأشار إلى أن داعش استخدم تقنيات تصوير متطوّرة وثلاث كاميرات، فواحدة كانت مركبة على سكة متحركة وأخرى في ذراع طويلة متحركة وثالثة مثبتة على الشاطئ، فيما كان «أبو معاذ التكريتي» والي شمال إفريقيا بعد مقتل القحطاني أشبه بالمخرج والمشرف على كل حركة في المكان».

ويضيف أن أبا معاذ التكريتي «كان يعطي أوامر التحرك والتوقف للجميع، فقد أوقف الحركة أكثر من مرة لإعطاء توجيهات خاصة لـ «أبوعامر الجزراوي» والي طرابلس، ليُعيد الكلام أو النظر باتجاه إحدى الكاميرات». وكان التكريتي، بحسب شهادة العنصر الداعشي، لا يتوقف عن إصدار التوجيهات إلى أن وضعت الرؤوس فوق الأجساد ووقف الجميع، بعد ذلك طلب التكريتي من الجزراوي أن يغيّر من مكانه، ليكون وجهه مقابلاً للبحر، ووضعت الكاميرا أمامه وبدأ يتحدّث. كانت هذه آخر لقطات التصوير»(7).

 
البغدادي لأنصاره الليبيين: ضرب الأعناق للمرجفين بينكم!

وقد نشرت صحيفة «النبأ» الناطقة باسم التنظيم حواراً صحافياً مع النجدي الذي هدّد بغزو روما، كما هدّد المفاوضين الليبيين المتباحثين في شأن تشكيل حكومة وطنية، وكذلك دول الجوار الليبي والدول الغربية. وخصّص النجدي حيزاً من انتقاداته لتنظيم القاعدة واتهامها بالتآمر على التنظيم، والتحالف مع أعدائه. ودعى النجدي «المهاجرين» من أفريقيا للحاق بالتنظيم في ليبيا، والعيش في ظله «استعداداً لفتح روما». وقال النجدي «إن المقاتلين المنتمين إلى التنظيم في ليبيا سيكونون في مقدمة الطلائع التي ستفتح العاصمة الإيطالية».

لا بد من إلفات الانتباه الى أن خسارة داعش معاقلها الشمالية ولا سيما في درنة وسرت وصبراتة ألجأته الى الصحراء الجنوبية، فيما كان ناشطو التنظيم في المنطقة الوسطى من ليبيا، ولاسيما الواقعة جنوب سرت والجفرة، يعمدون الى إقامة نقاط تفتيش في المناطق النائية لاعتراض السيارات المحمّلة بالمواد التموينية، والوقود أو حتى السيارات المحمّلة بالأموال.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد ذكرت في تقاريرها القطرية حول الإرهاب لعام 2016، والصادرة في 7 يوليو 2017، أنه في العام 2016 طلبت حكومة فايز السراج الدعم الجوي الأمريكي في محاربة داعش. وفي يناير من العام نفسه، دمّرت الضربات الأمريكية مخيمين تابعين لتنظيم داعش. وكان أكبر انجاز عسكري في ليبيا هو اجتثاث داعش من معقلها في سرت، وهو هدف أمريكي رئيسي تم تحقيقه بالتعاون مع حملة أوديسي ليتينغ بقيادة القوات الأمريكية في أفريقيا. استولت القوات التابعة للقوات المسلحة الليبية على آخر مجموعة من المباني التي يحتفظ بها داعش في سرت في ديسمبر 2016، مما أدى إلى إقصاء داعش عن معقله التشغيلي، وتعطيل مؤقتاً على الأٌقل قدرته على المدى الطويل على إجراء ودعم العمليات الإقليمية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وأوروبا.

ويستدرك تقرير الخارجية بالقول: على الرغم من أنه تم اجتثاث ما يصل إلى 1700 من مقاتلي داعش في سرت، فثمة اعتقاد بأن العديد من أعضاء التنظيم قد هربوا إلى الصحراء الشاسعة في غرب ليبيا وجنوبها، في حين أن آخرين قد هربوا إلى الخارج أو إلى المراكز الحضرية المجاورة. كما تمّ الإبلاغ عن تجمعات لمقاتلي داعش في درنة وبنغازي خلال العام. وقد تم التخلص من العديد من المقاتلين في تلك المدن بحلول نهاية العام، وقد هرب مقاتلو داعش الفارين من سرت إلى معسكرات صحراوية نائية، وخاصة بالقرب من سبها وبني وليد، لكن بعض التقارير أشارت إلى أن آخرين هربوا إلى درنة وغيرها من المراكز الحضرية في ليبيا.

وقد احتفظت منظمات أخرى بوجوداتها المتماسكة، من بينها جماعة أنصار الشريعة - بنغازي، وجماعة أنصار الشريعة درنة، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ليبيا في عام 2016. واستمرت هذه المجموعات في الاستفادة من غياب الحكومة الفعالة في أجزاء كثيرة من البلاد، على الرغم من أن قدرات تنظيم داعش قد تدهورت بشكل كبير في بعض المناطق(8).

وفي إبريل 2016، قدّر الجنرال ديفيد رودريغيز، القائد آنذاك للقيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) أن داعش حافظ على قوة قوامها بين 4 ـ 6 آلاف مقاتل. ويمثّل هذا الرقم زيادة كبيرة عن تقرير الأمم المتحدة الصادر في نوفمبر 2015 الذي يضع أعداد داعش في ليبيا في حدود 2000 ـ 3000 مقاتل.

وقد هاجر ما يصل إلى 7 آلاف تونسي إلى سوريا والعراق للانضمام إلى داعش، مما يشكل أكبر فرقة مقاتلة أجنبية في المنظمة. في الوقت الراهن، يعود هؤلاء المقاتلون إلى ديارهم، وهناك قلق كبير من أن يتمكنوا من الانضمام إلى فرع داعش في ليبيا المجاورة.

في مطلع يناير 2016، حذرت المتحدثة باسم «أفريكوم» الأمريكية روبين ماك من أن داعش قد يستهدف قطاع النفط في ليبيا. وقالت «في الوقت الراهن، نعتقد أن المنظمة (داعش ليبيا) من المرجح أن تعطي الأولوية لإعادة هيكلة قوات الأمن والبنية التحتية، وإطلاق الضربات، والتي قد تشمل أهدافا في الهلال الليبي».

لا شك أن الصحراء الليبية الشاسعة ومنطقة الساحل التي تغيب فيها أي سلطة ضبط قانونية مكان مثالي بالنسبة لمقاتلي تنظيم داعش الهاربين من سوريا والعراق. ولذلك، فإن جهوداً مضاعفة مطلوبة لمحاربة التنظيم من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

بحسب فرانك أرشيبالد، المدير السابق للخدمة السرية لوكالة المخابرات المركزية فإنه «ونظراً لأن ليبيا وتونس تشتركان في حدود مشتركة، سيكون من المعقول أن نتوقع أن التونسيين الفارين إلى تونس ويريدون البقاء نشطين في داعش، أو المجندين التونسيين الجدد في التنظيم، سوف يلجؤون للدخول الى ليبيا لتجديد قوة داعش «.

كان الرد الأميركي هو بإظهار الرغبة المزعومة في القيام بضربات جوّية لدعم عمليات مكافحة الإرهاب في ليبيا. وفي سبتمبر 2016، قامت القوات الأمريكية بأول ضربات جوية في ليبيا تحت إدارة ترامب، ما أسفر عن مقتل 17 من داعش وتدمير ثلاث سيارات فى معسكر صحارى يقع على بعد حوالى 150 ميلاً جنوب شرق سرت. وبعد أقل من أسبوع، شنت القوات الأمريكية ضربة إضافية على مقاتلي داعش الذين حاولوا استرداد الأسلحة من مخبأ، ما أسفر عن مقتل خمسة مسلحين. كما شنت القوات الأمريكية غارتين جويتين بالقرب من مدينة الفقهاء وسط ليبيا في منتصف نوفمبر من العام نفسه(9).

وبرغم من كل الجهود الهادفة الى اجتثاث «داعش» من ليبيا، والخسائر البشرية والجيوسياسية التي تكبّدها خلال العام 2016، لا تزال التحذيرات تسمع حول إمكانية تجديد «داعش» لخلاياه في ليبيا.

تتآزر المعطيات سالفة الذكر مع ما نشرته صحيفة «ذي صن» البريطانية حول تمركز زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي مع عدد من معاونيه على الحدود الجنوبية للجزائر. وقالت الصحيفة بأن البغدادي فرّ من العراق الى شمال أفريقيا ويختبئ برفقة ثلاثة من معاونيه في منطقة صحراوية تقع على الحدود بين الجزائر والنيجر. وتستند الصحيفة الى شهادة الزعيم السابق للجماعة الاسلامية في مصر، نجدت ابراهيم، بأن كبار قياديي التنظيم الإرهابي غادروا العراق باتجاه شمال افريقيا منذ تحرير الموصل وشمال العراق عموماً في السنة الماضية(10).

 
عدنان أبو الوليد الصحراوي ـ زعيم داعش في المغرب العربي

وبصرف النظر عن حقيقة انتقال البغدادي الى شمال أفريقيا، فإن رسائله الى قادة التنظيم في تونس والجزائر لجهة اعتماد ليبيا كمركز عمليات تؤكد أن ثمة تحوّلاً جوهرياً في استراتيجية عمل «داعش» في سياق التعويض عن خسائره في العراق وسوريا. يتدخّل مكر الطوبوغرافيا الليبية لصالح تنظيم «داعش»، لإعادة إحياء ما اندثر منه، وتجميع شتاته، والاستعداد لخوض معارك جديدة في مصر وتونس والجزائر.

رسائل البغدادي الى 13 من كبار مساعديه في ليبيا، تعود، بعضها على الأقل، الى نهاية العام 2016، وهي من بين الوثائق التي عثرت عليها الأجهزة الأمنية الليبية بعد طرد داعش من بنغازي وسرت ودرنة وغيرها، ونسخة من الرسائل محفوظة لدى الجماعة الليبية المقاتلة، المرتبطة بتنظيم «القاعدة». في واحدة من الرسائل، يسبغ البغدادي على هزائم تنظيمه في العراق وسوريا نعت «الحرب المفروضة»، أي أنها بحسب قوله «حرب فرضتها متغيرات على العالم». وعليه، دعا مساعديه الليبيين للعمل على تعويض الهزائم عبر الانتقال إلى جنوب ليبيا، وتجميع الفارين هناك، معتبراً أن «الساحة القادمة هي ليبيا.. ومنها ترفع رايتنا في مصر وتونس والجزائر».

لابد من لفت الانتباه الى أن بعض الرسائل المنسوبة للبغدادي والموجّهة الى مساعديه في ليبيا والتي نشرت صحيفة (الشرق الأوسط) مقاطع منها في 30 نوفمبر 2017 هي منحولة، وهي مجرد مقاطع من كتاب (قضايا تهم كل مسلم) للمؤلف إبراهيم أبو عواد القيسي، وهو كاتب وشاعر أردني، والتي يعود تاريخ نشرها الى مطلع العام 2010 ولا صلة لها بالمسألة الليبية، وهو يعالج قضية في الفكر الديني تتعلق بالقتل والقتال في التصوّر القرآني، وينفي عن الإسلام تحريضه على القتل العبثي. وللانصاف فإن جزءاً وازناً من الكتاب يدفع شبهة التحريض على العنف في الآيات القرآنية، كما يوضّح ذلك بما نصّه:

«لذلك إن رأيتَ من يقومون بتفجيرات عبثية هنا أو هناك، ويقومون بقتل معصومي الدم، فاعلم أنهم مخالِفون للقرآن الكريم، حتى لو رأيتهم يتلون بعض الآيات التي توهّموا أنها تدعو إلى ما يدعون إليه فليس كل مَن هَبّ ودَبّ صار قادراً على تفسير القرآن الكريم، وليس كل من يرتدي ثوباً أو يطلق لحيته أو يُصلِّي في الصف الأول صار مجتهداً قادراً على الاستنباط من كتاب الله تعالى».

وفي مكان آخر يقول:

«أن النّفْس الإنسانية داخلة في ذِمة الله وحِفظه، إذ إنّه سبحانه حرّم قتلَها دون وجه حق، وهذا التحريم يهدف إلى منح هذه اللطيفة الرحمانية وهي النّفْس حرية الانطلاق والإبداع وعمارة الأرض دون ضغوطات خارجية، أو تهديدات من أي طرف تعيق النمو الوجداني والواقعي لهذا الكيان الإنساني النبيل»(11).

في تفسيره لآية} يَا أَيهَا النبي حَرض الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ {(الأنفال: 65) كتب إبراهيم أبو عواد:

«وقد يظن بعضُ المغرِضين أو العوام في الشرق أو الغرب بأن الآية الشريفة تدل على أن الله تعالى يأمر النبي بالكراهية والعنصرية تجاه الآخرين، وبث الحقد والقتال في النفوس دون وجه حق. وهذا الوهم ليس له أدنى نصيب من الحقيقة. وهو استنتاج مغلوط لأنه مبني على فرضية مغلوطة تغفل السياقَ التاريخي للنص. واعلم أن الأعداء كانوا يحيطون بالدولة الإسلامية من كل الجهات، فقد قضى المسلمون جزءاً كبيراً جداً من أعمارهم، وهم في حالة حرب. فلا يجوز إخراج الآيات التي تتحدث عن حالات الحرب، ومحاولة إسقاطها على أوضاع السّلم، والأوضاع الطبيعية. فالحرب حالة طوارئ خاصة تستدعي شحذاً للهمم، وتحريضاً على القتال بكل الوسائل المعنوية والمادية. فلا يمكن أن أستقبل عدوي الذي يريد قتلي بالورود وعباراتِ الترحيب والاستقبال».

وهذه الفقرة التي نسبتها صحيفة (الشرق الأوسط) لرسالة للبغدادي الى مساعديه في ليبيا هي في الأصل مثبتة من كتاب إبراهيم أبو عواد سالف الذكر(12).

وتكشف رسالة للبغدادي عن خلافات عميقة في صفوف أنصاره الليبيين، داعياً الى مواجهة من وصفهم «المرتجفين الخانعين بينكم» باللجوء الى «ضرب الأعناق وتدحرج الرؤوس». وفي الوقت نفسه حذّر من العاقبة التي انتهى اليها تنظيم «أنصار بيت المقدس» الذين فروا من سيناء إلى ليبيا، واصفاً إياهم بـ «عُصبة تحمل بداخلها بوادر هزيمة ورِدَّة» تنشر «سلوكاً غير سوي بينكم».

وتنطوي رسائل أخرى على تحذيرات متعاقبة من النكوص عن خوض المعارك، مستحضراً المآل الدراماتيكي للتنظيم بعد خسائره في العراق والشام وقال إن «عليكم بعدم التخاذل في القتال، والنصر في المعركة». وفي رسالة أخرى يذعن البغدادي بالهزيمة ويقترح ليبيا ساحة بديلة: «لِمَا آلت له ظروفنا، وضعف الدعم، فعلى القادة (في ليبيا) البحث عن موارد دعم في إمارة ليبيا، ولبقية المجاهدين، فهناك الإخوة في مالي يعانون من قلة الدعم، وتمكن العدو منهم»(13).

وكان تنظيم داعش فرع مالي قد أعلن في 12 يناير 2018 عن تبنيه لهجوم مسلح ضد القوات الأميركية والفرنسية في المثلث الحدودي الواقع بين النيجر ومالي وبوركينافاسو، إلى جانب الهجوم الذي تعرّضت له القوات الخاصة الأميركية «الكوماندوز» مطلع أكتوبر 2017 وأودى بحياة 4 جنود أميركيين.

وقد برز من شخصيات التنظيم القيادي السابق في البوليساريو عدنان أبو الوليد الصحراوي (وإسمه الحقيقي لحبيب عبدي سعيد، المعروف بالإدريسي الحبيب)، الذي عرف بـ زعيم «داعش» في المغرب العربي، والمتحدّر من قبيلة الرقيبات بمدينة العيون، من أهم مدن الصحراء الغربية. وقد ظهر الصحراوي في أكتوبر 2011 عندما تبنى تنظيم «حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» المسؤولية عن خطف 3 مواطنين أوروبيين في الساحل وطالب بفدية باهظة للإفراج عنهم كما خطف 7 دبلوماسيين في غاوو بشمال مالي مقابل فدية بقيمة 15 مليون يورو. وفي مايو 2012 أكد الصحراوي على انتمائه القاعدي والتزامه نهج أميرها أيمن الظواهري. والصحراوي هو المسؤول عن إعدام الدبلوماسي الجزائري الطاهر تواتي بعد خطفه من قنصلية بلاده في غاو بمالي.

وفي 22 يوليو 2015 حسم مجلس شورى «كتيبة المرابطون» الجدل حول الولاء المتأرجح بين «داعش» و»القاعدة»، عبر مبايعة مختار بلمختار الشهير بـ»لعور» أميراً «للكتيبة»، بدلاً عن عدنان أبي الوليد الصحراوي. وجددت «الكتيبة» بيعتها لتنظيم «القاعدة»، ورفضها لبيعة الصحراوي لتنظيم «داعش». وعليه قررت عزل الصحراوي من «المرابطون»، وتنصيب المختار بلمختار.

 
المختار بلمختار زعيم القاعدة في المغرب العربي

وكان الصحراوي قد أعلن في 15 مايو 2015 مبايعة البغدادي، أي عقب تنصيبه أميراً على جماعة «المرابطون». وأصدر بياناً جاء فيه: « تعلن جماعة المرابطون بيعتها لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبو بكر البغدادي، لزوم الجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف». وقد أدى الإعلان الى حصول انشقاق داخل الجماعة، وهو ما دفع البغدادي للمسارعة بطلب تقديم العون من ليبيا لأنصاره للتغلب على فريق «القاعدة» في الكتيبة.

وأوضح الصحراوي في بيان له أن «جنود الخلافة استهدفوا الخميس 11 يناير 2017 صباحا، رتلاً للقوات الفرنسية بسيارة مفخخة، وأسفر الهجوم عن تدمير آليات ومقتل عدد من الجنود الفرنسيين». وأضاف: «كما نعلن مسؤوليتنا عن الهجوم الذي استهدف الكوماندوز الأمريكي خلال شهر أكتوبر 2017 في منطقة تونغو - تونغو في النيجر»، وهو الهجوم الذي استهدف دورية مشتركة بين القوات الخاصة الأمريكية وقوات نيجرية، يوم 4 أكتوبر 2017، وأسفرت عن مقتل أربعة جنود أمريكيين وخمسة من القوات النيجيرية.

وتشكل منطقة الساحل والصحراء، إحدى الساحات المرشّحة لعمل مقاتلي تنظيم «داعش» القادمين من سوريا والعراق، بالإضافة الى ليبيا والصومال وجنوب شرق اسيا وأفغانستان، وإن استهداف القوات الفرنسية والأمريكية تنطوي على رسالة واضحة بأن مقاتلي التنظيم قد وصلوا الى منطقة الساحل والصحراء، وأنه بات قوة مسلّحة ومصدر تهديد جنباً الى جنب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والذي ينظر اليه على أنه أكبر وأخطر جماعة مسلّحة في منطقة الساحل والصحراء وشمال افريقيا.

في المقابل، فإن رسائل البغدادي الى مساعديه الليبيين تنطوي على خيبة أمل كبيرة نتيجة الهزائم التي لحقت بالتنظيم في العراق والشام ولاحقاً في مدينة سرت الليبية. دعوة البغدادي لمساعديه بالتوجّه الى الجنوب، والاستعانة بالتضاريس الوعرة على استقبال المقاتلين الهاربين من العراق وسوريا، والإفادة من ثروة ليبيا النفطية وجواره الأوروبي تحمل في طياتها ركائز في استراتيجية «داعش» الافريقية.

يرجع البغدادي في رسائله الى كوادره القيادية في أفريقيا الى مؤلفات سيد إمام، أحد كبار منظري السلفية الجهادية، وقد زاد عليها البغدادي، لا سيما فيما يرتبط بتجنيد الأطفال، أو الأشبال، لتعويض النقص الحاصل في عديد المقاتلين، تأسيساً على حقيقة أفصح عنها بوضوح: إن «المعركة طويلة وصعبة».

من بين المعلومات التي عثرت عليها أجهزة الأمن الليبية والجماعات المسلّحة المقاتلة في الساحة الليبية أن البغدادي أصيب في معركة تحرير الموصل، ولكن إصابتها كانت طفيفة وأنه لا يزال على قيد الحياة.

تجدر الإشارة الى أن ثمة صعوبة عملياتية وتنظيمية تواجه «داعش» في ليبيا، كونها أحد المعاقل الرئيسة لتنظيم «القاعدة» التي تحتفظ بتاريخ طويل، وبقاعدة تنظيمية صلبة ممثلة في الجماعة الليبية المقاتلة، ومنها يعود قادة كبارة للتنظيم مثل أبو يحيى الليبي (وإسمه الحقيقي محمد حسن قايد)، الرجل الثاني في «القاعدة» بعد أيمن الظواهري، قتل في 2012، وأبو ليث الليبي (وإسمه الحقيقي علي عمار عاشور الرفيقي) وقتل في يناير 2008، وأبو فرج الليبي والمعروف باسم (دكتور توفيق) وهو ثالث ثلاثة من الليبيين في مركز القيادة في تنظيم «القاعدة»، وقد اعتقل في 2005 من قبل المخابرات الباكستانية بتهمة محاولة اغتيال برويز مشرف، وهو معتقل في غوانتنامو حالياً، وصنّفته الحكومة الأميركية بأنه الرجل الثالث في تنظيم «القاعدة» بعد ابن لادن والظواهري.

في كل الأحوال، فإن محاولات «داعش» تحقيق اختراق في منطقة خاضعة ضمن المجال الحيوي لتنظيم «القاعدة» كانت بالغة الصعوبة. وإذا كان الخلاف بين البغدادي والظواهري بادياً في العراق والشام لأسباب تتعلق بالنزاع على المرجعية والمشروعية، فإن الخلاف في ليبيا كان على أشدّه، برغم من أن الانقسام داخل «الجماعة المقاتلة» على خلفية التباين حول رخصة أو منابذة التعاون مع «داعش» قد سمح له من تحقيق اختراق ما في صفوف تنظيمات السلفية الجهادية. الجناح المتخاصم في «الجماعة المقاتلة» لتنظيم داعش شارك في الحرب على قادته وكوادره للحيلولة دون وصولهم الى ليبيا أثناء فرارهم من سرت في آواخر العام 2016. وفي النتائج، أرغم البغدادي على تغيير قادة التنظيم في ليبيا بسبب خسارته في سرت، حيث بدأ التنظيم يعيد تنظيم صفوفه في الأطراف، وبعيداً عن المدن الكبرى التي يواجه فيها صعوبة الصمود لفترة طويلة، مع قلة العدد والعتاد.

وهنا نتوقف عند شخصية المدهوني، وهو ليبي يحمل الجنسية العراقية، وهو رجل البغدادي في ليبيا. وقد كشفت مراسلات بين المدهوني وشخص في مكتب البغدادي يدعى الشيخ يسين عن أن ليبيا تحوّلت الى مصدر رئيس لتمويل التنظيم بعد خسائره في العراق والشام. ويفيد مصدر مقرّب من التنظيم بأن المدهوني حوّل ملايين الدولارات، وعتاداً من الأسلحة بينها غاز السارين المحظور دولياً، لتنظيم «داعش» في العراق وسوريا. فيما أفادت مراسلات جرى اعتراضها من أجهزة أمنية في طرابلس الغرب، أن الشيخ ياسين كان يتواصل من مدينة الموصل العراقية، مع قيادات من داعش في طرابلس وسرت، «وطلب منها المزيد من الأموال لتعويض نقص السيولة لدى الفرع الأصلي للتنظيم».

وفي إحدى البرقيات بتاريخ 25 فبراير 2016 تقدّم الشيخ ياسين بطلب إحكام السيطرة على منطقة الهلال النفطي الواقعة إلى الشرق من مدينة سرت، والاستعداد للانتقال إلى مناطق الوديان الوعرة التي تحاذي الهلال النفطي من الجنوب، ناحية مدينة بني وليد(14).

عوّل البغدادي كثيراً على المدهوني في تعزيز مكانة «داعش» في الساحة الليبية من خلال المحافظة على «إمارة سرت» الا أن هزيمته فيها على يد قوات حكومة الوفاق الوطني المعروفة باسم «البنيان المرصوص» في سبتمبر 2016 دفعت البغدادي لاستدعاء المدهوني، حيث عاد ومعه 13 من قيادات «داعش» في ليبيا عبر تونس ثم تركيا الى العراق.

بعد شهرين عاد قادة «داعش» الليبيين الى ديارهم ولكن من دون المدهوني. وبدا أن خطة جديدة ينفّذها التنظيم في ليبيا، ولكن هذه المرة تحت اشراف شخصيات أخرى مثل أبو حذيفة الليبي وأبو طلحة اللبناني إلى جانب مغربي يدعى عبد القادر ومصريين إثنين الأول يدعى فهمي والآخر يلقب مكاوي، وهناك تونسيان يكنى أولهما «أبو حيدرة»، والآخر بلقب العيوني.

 
(المدخلية) السلفية تعيّن ممثليها في الجزائر!

رسائل البغدادي كانت تصل تباعاً الى هؤلاء لتنفيذ خطة التحرّك في الجنوب الليبي، وتأهيل الأرض لاستقبال عناصر جديدة من العراق وسوريا. البغدادي الذي لا يزال تحت وطأة الانشقاق العمودي في «داعش» وبروز تياري: البنعليين والحازميين، يجد نفسه أسير هواجس الانشقاق المتمدّد في مناطق أخرى، وهذا ما عكسته رسائله الى مساعديه في ليبيا ومخاوفه من الانشقاقات في التنظيم في ليبيا وماجاورها.

في رسالة للبغدادي يكشف شعوره بالإحباط والإنهاك الذي أصاب أتباعه في ليبيا. ويلفت الى الجدل المتصاعد بين أتباعه الذين آثروا السلامة وتركوا السلاح، فاستحثهم على مواصلة القتال والبدء بمن هم في التنظيم، وقال متوعّداً وقد نفذ صبره: «كثُر الكلام بين المرتجفين الخانعين بينكم، وما كان حاسماً لذلك إلا أن تُضرب الأعناق، وتتدحرج الرؤوس بيننا، قبل الأعداء، فما هزمنا وأفقدنا أخوتنا إلا الخيانة بين صفوفنا».

ويذكّر البغدادي أتباعه في رسالة بعنوان (الحرب التي فرضتها المتغيرات) بما نصّه: «إن ما يتم الآن ضدنا في سوريا والعراق حرب فرضتها متغيرات على العالم. كان علينا أن نعرف أن حدوث التغير ظاهرة كونية. فلا ثبات في موقف. ولا صعود دائماً. ما يأتي صعب التنبؤ به، وحصوله ظاهرة تغيب عنا في توقعها...الساحة القادمة لجهادنا ليبيا. فهي إمارة الإسلام القادمة. ومنها ترفع راية الجهاد في مصر وتونس والجزائر».

لاينفك البغدادي يذكّر الحليف والعدو بأن ليبيا لا تنفصل جيواستراتيجياً عن القارة الأوروبية، فهو يعقد رابطة وثيقة بين المجالين، ويرى بأن ثمة إطاراً تخادمياً يحكم العلاقة بينهما. وعليه، يفتح عيون أتباعه في ليبيا على ما يجري في أوروبا ويقول:

«مجاهدونا في تركيا وفرنسا يعرفون ما عليهم فعله. فإن انقطع تواصلنا معهم فلهم في تقدير وضعهم...ونتيجة ما يتوقعونه تعود لهم». ويضيف: «نهاجر من بلاد العراق والشام، لا حباً في هجرتها، ولا خوفاً من الموت فيها، وإنما استمراراً للجهاد ولرفع رايتنا».

إن الآمال المعقودة على ليبيا في إنقاذ «داعش» وأن تصبح مأوى بديلاً له بعد العراق والشام، شجّعت كثيرين على الانخراط في المشروع «الجهادي» في ليبيا، التي يتطلع التنظيم لأن يرفع راياته فيها. أكثر من ذلك، يأمل البغدادي في أن تصبح ليبيا مورداً مالياً بديلاً، يدعم نشاطات التنظيم في القارة الأفريقية عموماً، في ظل تفاوت اقتصادي حاد بين فروع «داعش» في أفريقيا(15).

الجزائر.. هدف داعش!

على الضد من الاعتقاد الشائع بأن الجزائر تقع خارج بنك أهداف «داعش»، وإنها خلو من خلايا داعشية، فإن البيئة التي توفّرها الوهابية لمعتنقيها بصرف النظر عن ميولهم، معتدلة كانت أم راديكالية، تجعل من كل الأمكنة الوهابية داعشية بالقوة. ويبدو المثال الجزائري أشد وضوحاً من غيره، لأن «داعش» لم تدخل الجزائر برايات الجهاد، وقد تدخل عبر «حلقات الدرس»، ومنها تصطاد فرائسها وتنتقي عناصرها.

وفيما تنغمس السلفية الجهادية في تغيير المجتمع من أعلى، فإن السلفية العلمية تعمل علىى (سلفنة) المجتمع من أسفل. في تجربة التيار المدخلي في الجزائر (نسبة الى الشيخ ربيع بن هادي المدخلي) ما ينهض مثالاً على الاختراق الوهابي عبر نأيه عن الانشغال السياسي، والإنخراط الكثيف في التحصيل العلمي، ما سمح له بعقد رابطة وثيقة مع السلطات المحلية.

في مراسلة موجّهة الى الدعاة وأتباعه السلفيين في الجزائر، مؤرّخة في 21 ربيع الثاني سنة 1439 (الموافق 8 يناير 2018)، أعلن الشيخ محمد بن هادي بن علي المدخلي، نجل الشيخ ربيع المدخلي واليه ينسب التيار المدخلي، تعيين ثلاثة من الدعاة ممثلين للدعوة السلفية في الجزائر.

وجاء في الرسالة:

 
وزير الشؤون الدينية الجزائري للوهابيين: الولاء للنظام وعدم الخروج عليه!

«فإلى عموم من يراه من إخواننا وأبناء طلاب العلم والسلفيين في بلاد الجزائر ـ وفقهم الله تعالى ـ أقول: إن الإخوة أصحاب الفضيلة المشايخ:

1 ـ الشيخ الدكتور محمد علي فركوس.

2 ـ الشيخ الدكتور عبد المجيد جمعة.

3 ـ الشيخ الأزهر سنيقرة وفقهم الله.

هم رؤوس ومشايخ الدعوة السلفية في بلادكم نعرفهم جيداً وما سمعنا عنهم من القدم الا الخير والنشاط في نشر الدعوة السلفية وتعليمها للناس ـ جزاهم الله خيراً. فاعرفوا لهم قدرهم ووقروهم، فإن هذا حقّهم عليكم. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وجعلنا الله وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى...

وينظر الى الشيخ فركوس، على أنه المرشد الروحي للسلفيين المدخليين في الجزائر. وفي سبتمبر 2017 قام بالتمرّد ضد «دار الفضيلة»، وهي مؤسسة دينية مرتبطة بالسلطة الدينية السعودية، احتجاجاً على الخطابات غير الطائفية من قبل جماعة الإخوان المسلمين التي أصبحت أكثر حدة منذ إنهاء العلاقات الدبلوماسية مع قطر.

وعليه، يأتي تعيين الفركوس مجدّداً في سياق إعادة التأهيل الرسمي لداعية نشط جداً لناحية نشر أفكار المذهب الوهابي، على أساس ما يسمى السلفية الهادئة (السلفية العلمية). كما تعكس المهام الجديدة: إعادة نشر الدبلوماسية الدينية السعودية في ضوء التغييرات التي أجراها ولي العهد محمد بن سلمان، في صميم اللاهوت الوهابي المحمي من قبل الدولة.

على عكس الاعتقاد السائد، استفادت هذه الإصلاحات في المقام الأول من أتباع التطرف الوهابي الذين تعززت سلطاتهم، بعد وصم علماء دين متأثرين بأفكار الإخوان المسلمين، المتهمين بنشر السلفية الحربية (السلفية الجهادية)، وهي موصومة بالإرهاب.

ومع ذلك، إذا كان التيار المدخلي «غير سياسي» في جوهره، ومعادي لأي فكرة تدعو الى الخروج على السلطة، وأيضا ضد أي دعوة للجهاد ضد المسلمين وأتباعهم، باسم فكرة متشددة وصارمة من الإسلام، غالبا ما يتم الخلط بينه وبين السلفيين الأكثر تطرفاً. حدث هذا، على سبيل المثال، في ليبيا، قبل أسابيع قليلة، عندما قام أتباع التيار المدخلي بتسوية قبر والد ملك ليبيا السابق، محمد إدريس السنوسي، مؤسس الطريقة السنوسية، التي نشأت في مدينة مستغانم، غربي الجزائر. وهو عمل عانى منه الجزائريون كتجريم لتراثهم. وهذا لن يمنع مذهب هذه الطائفة السعودية من الاستمرار في تجنيد هذه العناصر في الجزائر نفسها!(16).

وزير الشؤون الدينية الجزائري محمد عيسى كان قد نبّه الأئمة في ندوة بدار الإمام بالعاصمة، الجزائر، إلى: «أن يكون ولاؤهم لوطن ولولاة أمرهم، و ليس لأشخاص آخرين آو لبلدان أخرى قد تأثروا بها»، وأشار في هذا الصدد إلى مراسلة الشيخ المدخلي لمشايخ الدعوة السلفية في الجزائر سالفي الذكر وقال: «أن هذا الشيخ السعودي ملتزم بسياسة بلاده، ويبحث عن طرق يبرّر فيها مواقف ولاة أمره، و يهاجم غيرهم ويدافع عن سياسة حكومته ويمتد في ذلك إلى الفضاء الالكتروني كي يجعل دولة ذات هيبة»، و دعا الأئمة إلى «أن يكونوا هم أيضاً ملتزمين أمام وطنهم ولولاة أمرهم وأن لا ينصاعوا لغيرهم..»(17).

تجدر الإشارة الى أن التيار المدخلي نشأ في بداية التسعينيات في محاولة للانتشار خارج نطاق حملة القمع التي تعرّض لها التيار الصحوي بقيادة شخصيات دينية سلفية مثل سفر الحوالي، وسلمان العودة، وناصر العمر وآخرين، على خلفية النشاطات الاحتجاجية التي انطلقت في الأيام الأولى من أزمة الخليج الثانية في أغسطس 1990. حينذاك، لجأ التيار المدخلي للاحتماء بكبار رموز المؤسسة الدينية مثل ابن باز وابن عثيمين زائداً نزعته الهادئة التي فتحت الطريق أمامه للانتشار في أماكن عديدة.

على أية حال، إن الأفكار المتطرّفة التي تتبناها عموم التيارات السلفية على اختلاف أطيافها، ومن بينها نبذ الطرق الصوفية المنتشرة في شمال أفريقيا، وعقيدة تسوية القبور بالأرض، مثّلت فضاءً ايديولوجياً يجتمع فيه السلفيون قاطبة، ومنه يفيد تيار السلفية الجهادية لتجنيد العناصر بعناوين متفرقة.

إن دعوى «الابتعاد عن السياسة» هي التي جعلت التيار المدخلي يخترق المجال العام، ويتسلل داخل النسيج الاجتماعي الجزائري ومنه الى المجتمعات الأخرى. لا ريب أن التوجّه السلفي المعتدل قد ينطوي على مخاطر أكبر وأشد تعقيداً، لأن الحقيقة تقول أنه من حضن البيئات السلفية المعتدلة.. تخرّجت السلفية الجهادية، ومنها أيضاً تمّ تجنيد العناصر. لا شك أن التيار المدخلي، ومهما قيل عن حمولته المعتدلة، هو في تعارض جوهري مع المذهب الديني السائد، ولاسيما مذهب الإمام مالك.

إن التيار المدخلي، وإن بدا مناصراً لمبدأ تحصين السلطة وطاعة ولي الأمر، والانشغال الحصري بمسائل اجتماعية وثقافية وعقدية خالصة، دون الاقتراب من المحظورات السياسية والاقتصادية، قد وهبته ثقة السلطات الجزائرية التي غضّت الطرف عن نشاطات رموزه الجزائريين، مثل علي فركوس وعبد الملك رمضاني، اللذين حظيا بشعبية واسعة إثر ذلك، إلا أن الموقف من ربيع المدخلي شخصياً لم يكن إيجابياً.

فقد دعا عدة فلاحي، المستشار الإعلامي السابق لوزير الشؤون الدينية والأوقاف.. أبو عبد الله غلام الله، في 9 يناير 2018 إلى «ضرورة التصدي للفكر السلفي الوهابي، ووضع حد لمحاولات الشيخ ربيع المدخلي في اختراق المرجعية الدينية الوطنية»، معتبرا أن تلك المحاولات «قد تحمل معها في قادم الأيام تهديدا لأمن الجزائر القومي». واعتبر رسالة المدخلي الى أتباع السلفية بالجزائر بكونها «تحدياً» للجزائر ومرجعيتها الدينية. وقال بأن هذه الرسالة «تعني أنه يجب أن يسمعوا لهم ويطيعوا، وهذا أكبر دليل على التنسيق والتعاون بين رأس شيوخ المدخلية، والمداخلة بالجزائر؛ والخوف كل الخوف أن تتحول قاعدة السمع والطاعة هذه التي يوصي بها الدكتور المدخلي طلاب العلوم الشرعية، إلى وسيلة في يوم من الأيام لاتخاذ موقف قد يمس بالأمن القومي الجزائري». أكثر من ذلك، اتّهم فلاحي «شيوخ المدخلية والمداخلة بالإنخراط في سيناريو العنف والإرهاب داخل الجارة ليبيا»(18).

تقارير استخباراتية جزائرية تحدّثت عن انضمام حوالي ثلاثة عشر ألف عنصر من منطقة شمال أفريقيا الى تنظيم «داعش»، منهم ما بين 4 ـ 5 آلاف مقاتل تونسي. وبحسب التقارير نفسها، فإن أغلب هؤلاء المقاتلين غادروا سوريا والعراق باتجاه ليبيا، في حين تمكّن بعضهم من العودة الى بلدانهم، ومنها تونس، وقد يكون جزء منهم قد نجح في الافلات من عمليات المراقبة التي تفرضها هذه الدول على العائدين من مناطق النزاع(19).

وكان السفير المستشار المكلّف بقضايا الأمن الدولي، بالخارجية الجزائرية، الحواس رياش قد صرّح بأن «الجزائر تصدّت للإرهاب وتغلّبت عليه بمفردها، بفضل مقاربة متعددة القطاعات منسجمة لم تقتصر على البعد الأمني فقط»، مضيفاً أن نحو «13 ألف مقاتل من دول شمال أفريقيا التحقوا بتنظيم الدولة ـ داعش”.

وخلال ندوة نظمها بواشنطن المركز الأمريكي للدراسات الاستراتيجية الدولية حول موضوع «الأمن بالمغرب العربي: تحديد التهديدات»، صرّح المسؤول الجزائري أن عديد المقاتلين الجزائريين في صفوف داعش يقارب 170 مقاتلاً، مستنداً في ذلك إلى تقرير مكتب الاستشارة الأمريكي «ذي سوفان سنتر» الذي صنّف الجزائر سنة 2016 ضمن البلدان الأقل عرضة لتجند الإرهابيين عبر العالم بالرغم من قربه الجغرافي من المناطق التي تعاني من هذه الآفة.

ولدى تطرقه إلى المقاربة الجزائرية في مجال مكافحة الإرهاب، أكد رياش أن «المسؤولين الجزائريين وعوا مبكراً بأن الرد على التطرف لا ينبغي أن يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل لا من أبعاد أخرى تفضي الى عزل الجماعات الإرهابية ومنعها من نشر فكرها المتطرف في المجتمع من خلال «تعزيز ثقة الجزائريين في مؤسسات الدولة»، مؤكداً أنه «تم بالتدريج تجسيد سياسات واستراتيجيات لبلوغ هذا الهدف”.

ومع ذلك، فإن خبراء أمنيين دوليين حذّروا من تداعيات عودة مقاتلي داعش من أصول افريقيا الى بلدانهم. وفي حالة الجزائر، فإن تحذيرات صدرت إزاء أوضاع أمنية بالغة التعقيدة عقب عودة 13 ألف مقاتلاً في صفوف تنظيم «داعش»، والتي سوف تترك تأثيراتها على دول شمال أفريقيا عموماً، ولا سيما الجزائر وتونس وليبيا(20).

رصد موقع «السكينة» التابع لوزارة الداخلية السعودية عشرات الجماعات المسلّحة المنضوية تحت مظلة «السلفية الجهادية» والتي تعتنق المذهب الوهابي كأيديولوجية جهادية، وهو المذهب الرسمي في المملكة. وحول تنظيمات السلفية الجهادية في أفريقيا، يذكر الموقع أن شمال أفريقيا أضحى من الأماكن الملائمة لانتشار واستفحال ظاهرة الإرهاب، بسبب تواجد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فيما يشكل «تنظيم (داعش) أيضاً تهديداً كبيراً على المنطقة والمدنيين والمصالح الغربية».

وإلى جانب داعش ليبيا، الذي توزّع على مدن: سرت، ودرنة، وبنغازي، وصبراتة، واجدابيا، فإن التنظيم نجح في تأسيس فرع له قوي البنيان في بلدان مجاورة مثل تونس والجزائر، حيث ظهرت جماعة في تونس لأول مرة في العام 2014 تطلق على نفسها «جند الخلافة» بقيادة أبو أيمن الوهراني فيما رأس جناحها الإعلامي سيف الدين الجمالي الملقب أبي القعقاع (قتل في 16 مايو 2016) حين انشقت قيادة المنطقة الوسطى عن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي وبايعت تنظيم «داعش»، واتخذت من الجبال الحدودية بين الجزائر وتونس مجالاً لنشاطها، وذلك في منتصف سبتمبر 2014. وقد برزت المجموعة في الاعلام بعد إعلانها عن خطف مواطن فرنسي في 22 سبتمبر من العام نفسه(21)..

وقد تبنّت الجماعة في العام 2015 عملية ذبح رجل أمن بمحافظة زغوان خلال عودته إلى منزله. ويتركز نشاط الجماعة في تونس اليوم في جبال المغيلة وسمامة والسلوم غرب تونس «وهي مناطق وعرة ذات غابات كثيفة تصعب مراقبتها في بعض الأحيان من قبل أجهزة الأمن، تتخذها عناصره مجالا للتنقل والتخطيط والتدريب».

وبرغم الضربات الأمنية القاسية التي تعرّضت لها المجموعة فإنها في مرات عدّة نجحت في إعادة تشكيل نفسها والنهوض مجدداً لاستئناف نشاطها الإرهابي، يساعدها في ذلك وعورة المنطقة التي تحتمي فيها(22).

في الجزائر، ظهرت جماعة تطلق على نفسها (جند الخلافة في أرض الجزائر) بقيادة خالد أبو سليمان (وإسمه الحقيقي قوري عبد الملك)، أمير منطقة الوسط في تنظيم القاعدة سابقاً، الذي أصدر بياناً خاطب فيه البغدادي بما نصّه: «إن لكم في مغرب الإسلام رجالاً لو أمرتهم لأتمروا، ولو ناديتهم للبّوا، ولو طلبتهم لخفّوا»، وحمل على تنظيم القاعدة الأم وفرعها في بلاد المغرب بقوله إنهما «حادا عن جادة الصواب».

تجدر الإشارة الى أن جماعة «جند الخلافة في أرض الجزائر» هو الفصيل الثاني الذي ينشق عن «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» بعد انشقاق جماعة «الموقعون بالدم» بزعامة مختار بلمختار التي انتقلت للعمل في جنوب ليبيا. وبلمختار هو أحد قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي(23).

وكان أبو سليمان قد قضى خمس سنوات في السجن بتهم مرتبطة بالإرهاب قبل أن يلتحق بتنظيمات السلفية الجهادية برفقة شقيقه. وكان أبو سليمان أحد مستشاري عبد الملك درودكال، أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، برغم من تحصيله العلمي المنخفض، كما أصبح أمير كتائب الوسط في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي(24).

وكانت محكمة جنايات العاصمة الجزائرية قد برمجت في منتصف نوفمبر سنة 2014 ملف قوري عبد المالك، أي (خالد أبو سليمان)، حيث تمّت محاكمته غيابياً ومعه أربعون من المتورّطين في أعمال إرهابية، من بينهم عبد المالك درودكال، وأمير سريّة (نور) محمد شريك، المكنّى (أبو سارية) عن تهم تتعلّق بالقتل وبثّ الرعب وسط السكان. وقد حكم على أبي سليمان بالإعدام سنة 2012 بتهم اغتيالات واختطافات مع طلب الفدية بولاية بومرداس وضواحيها(25).


المصادر

1-The Islamic State and African Terrorism, the Africa Center for Strategic Studies, July 17, 2015;

https://africacenter.org/spotlight/islamic-state-african-terrorism/

2-Map of Africa’s Militant Islamist Groups, By the Africa Center for Strategic Studies, April 26, 2017;

https://africacenter.org/spotlight/map-africa-militant-islamic-groups-april-2017/

3-Aaron Y. Zelin, The Others: Foreign Fighters in Libya, Washington Institute, January 2018;

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-others-foreign-fighters-in-libya-and-the-islamic-state

4- هارون ي. زيلين و مايكل ت. فرانكن، المقاتلون الأجانب في ليبيا: التداعيات على أفريقيا وأوروبا، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 21 فبراير 2018، أنظر:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/foreign-fighters-in-libya-consequences-for-africa-and-europe

5-https://goo.gl/3pV5Lm

6-داعش ليبيا، موقع السكينة، 7 فبراير 2017، أنظر:

https://www.assakina.com/center/parties/98187.html

7- داعشي يروي تفاصيل مروعة لجريمة ذبح 21 مصريا في ليبيا، سكاي نيوز عربية، 7 أكتوبر 2017:

https://goo.gl/5449fX

8-Country Reports on Terrorism 2016 - Department of State; July 7, 2017

https://www.state.gov/documents/organization/272488.pdf

9-BENNETT SEFTEL, ISIS Festers and Grows in Lawless Libya; The Cipher Brief, 26 January 2018;

https://www.thecipherbrief.com/isis-festers-grows-lawless-libya

10-Matt Acton, RUNNING SCARED ISIS leader Abu Bakr al-Baghdadi ‘has fled to remote African hide-out’ as terror group slowly crumbles, The Sun, 23rd January 2018;

https://www.thesun.co.uk/news/5405898/isis-leader-abu-bakr-al-baghdadi-fled-africa-latest/

11-إبراهيم أبو عواد، آيات القتل والقتال في القرآن الكريم، الجزء الأول، من كتاب (قضايا تهم كل مسلم)، مدونات إيلاف، 4 يناير 2014، أنظر:

https://goo.gl/5ZW5Q7

12-إبراهيم أبو عواد، آيات القتل والقتال في القرآن الكريم، الجزء الرابع، من كتاب (قضايا تهم كل مسلم، مدونات إيلاف، 22 يناير 2014، أنظر:

https://goo.gl/Ksb7me

13-البغدادي أراد استخدام ليبيا «ساحة» إلى مصر وتونس والجزائر، صحيفة «الشرق الأوسط»، 30 نوفمبر 2017، أنظر:

https://goo.gl/g5SQ1e

14-«داعش ليبيا» يموّل التنظيم في العراق وسوريا، صحيفة «الشرق الأوسط»، 8 إبريل 2016، أنظر:

https://goo.gl/4zohxM

15-«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (5 من 5): رسائل مضطربة من البغدادي إلى {دواعش} ليبيا، الشرق الأوسط، 30 نوفمبر 2017، أنظر:

https://goo.gl/vFF4Xw

16-Kenzi Adam, The letter proving that Algerian Salafists obey the Al-Saud, algeripatriotique.com, January 13, 2018;

https://www.algeriepatriotique.com/2018/01/13/al-saoud-designent-representants-de-secte-madkhaliste-algerie/

17-وزير الشؤون الدينية محمد عيسى: «تنظيمات صهيونية تريد تهديم المجتمع الجزائري»، موقع الجزائر، 16 يناير 2018، أنظر:

https://goo.gl/eL7m2e

18-عدة فلاحي: «ربيع المدخلي..خطر على الأمن القومي»، الصوت الآخر، 9 يناير 2018، أنظر:

https://goo.gl/AZbtRw

19-يخطط له داعش :سيناريو سيناء في تونس والجزائر؟، صحيفة الشروق، 29 يناير 2018، أنظر:

https://goo.gl/Fh97vq

20-الجزائر: 13 ألف مقاتل في صفوف «داعش» من شمال أفريقيا، صحيفة (الوطن)، 7 ديسمبر 2017، أنظر:

https://goo.gl/kx6gzQ

21- كل التفاصيل عن الارهابي سيف الدين الجمالي المكنى «أبو القعقاع»، جمهورية، 19 مايو 2016، أنظر:

http://www.jomhouria.com/art53260_

22- من هي جماعة «جند الخلافة» التي تهدد تونس؟، العربية، 15 يونيو 2017، أنظر:

https://goo.gl/sMipQe

23- جماعة تنشق عن القاعدة في بلاد المغرب وتبايع زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، موقع اليوم24، 14 سبتمبر 2014، أنظر:

http://www.alyaoum24.com/212615.html

24 ـ للتوسّع أنظر:

سعيد الكحل، جماعة «جند الخلافة»، موقع السكينة، 24 سبتمبر 2014، أنظر:

https://www.assakina.com/news/news2/53626.html

وانظر أيضاً:

الجماعات الإرهابية في شمال افريقيا، موقع السكينة، 15 ديسمبر 2017، أنظر:

https://www.assakina.com/center/parties/109518.html

25-خالد أبو سليمان يحاكم قريباً، موقع جزايرس، 17 نوفمبر 2014، انظر:

https://www.djazairess.com/akhbarelyoum/122101

الصفحة السابقة