الحجازية د. مي يماني

الدعوات الإنفصالية تلاحق الحكم النجدي

النظام في السعودية لن يستطيع البقاء طويلا


  • ما هي قراءتك للأمور، كيف سيتصرف الأميركيون في الشأن السعودي وهم بالمناسبة يتدخلون ويتصرفون في كل أمور العالم وهذا عهدهم وعصرهم وهو شأن القوى الكبرى التي حكمت العالم طوال التاريخ؟
  • واضح ان الاميركيين في حيرة الآن فيما يتعلق بالموضوع السعودي. نحن نعرف انهم يحمون السعودية. وعندما أعدت الادارة الاميركية تقريرها للكونغرس في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وحجبت منه 82 صفحة عن الجزء الخاص بالسعودية، برر البيت الابيض والخارجية الاميركية اسباب حجب هذه الصفحات عن الملأ على اساس انها حساسة جدا ووقتها رفض الديمقراطيون مثل هذا التبرير من الادارة الجمهورية. لكن القصد الحقيقي كان حماية العائلة المالكة السعودية لانهم بحاجة اليهم.


  • مرة أخرى لماذا؟
  • هناك سبب آخر يعود الى حالة عدم الاستقرار في العراق. الاوضاع المتفجرة وغير المستقرة في العراق وفي فلسطين تجعلهم لا يستطيعون المغامرة بالسعودية التي يعتبرونها أهم بلد في المنطقة. يعني اذا نظرنا اليوم الى البلاد العربية والاميركان ايضا اذا نظروا الى منطقة الشرق الاوسط فان البلدين الاكثر أهمية لهم هما العراق والمملكة العربية السعودية. والخطر الذي قد ينجم من عدم الاستقرار، كبير جدا. ليس لأميركا فقط وانما لدول الجوار أيضا.


  • لكن السؤال هو: هل يمكن ان يستمر النظام السعودي في الحكم كما هو دون إصلاحات حقيقية وجراحات موضعية حتى وإن حمته أميركا؟
  • ليس لفترة طويلة. النفط لن يدوم طويلا لكن الآن وحتى وان انتعش الوضع الاقتصادي في البلاد وهي مسألة مرتبطة بارتفاع اسعار النفط فان الأوضاع لن تتصلح. لأن الاعمدة الرئيسية للحكم هي الدين والبترول وشرعية الدولة وهذه هي الاسئلة الصعبة جدا في المملكة في هذه اللحظة . كل المواقع الالكترونية (الويب سايت) تتداول فتاوى وتتناقل اخبارا وتطرح تساؤلات صعبة بهذا الخصوص عن شرعية الاجراءات الحكومية وعن امور دينية يدور حولها لغط كبير وتثير تفرقة وخصومة. الأمر الآخر هو البترول. لقد استخدموا في البداية اسلوب اعانة قبائل الجوف (بجوار الاردن) وعسير (اليمن) لضمان ولائها واعتادوا على الدفع لهذه القبائل. أما الآن فان الوضع قد اختلف. وآلية الدفع لم تعد فعّالة كما كان عليه الوضع في السابق. فلا يمكن اسكات الناس.


  • الأسرة االمالكة تظهر نفسها وكأنها تتأقلم مع المتغيرات وتستجيب لمطالب الإصلاح، هل هذا ممكن ام انه ضمن خطط البقاء والدفاع عن الحكم؟
  • مثل هذا الامر طرح على بساط البحث والنقاش مرارا وسئلنا عنه تكرارا. وكانوا يسألونني: هل يمكن أن يتغيروا؟ ويقصدون العائلة المالكة وانا لا أريد ان أتكلم عنهم كلهم. لكني بيّنت ان الامور تطورت والاوضاع تغيرت ولم يعد المواطنون السعوديون يحترمون الحكام ويثقون بوعودهم ومثل هذا الامر لا ينحصر بالسعودية وحدها وانما اغلب الدول العربية. وعندما جاء احمد قريع رئيس الحكومة الفلسطينية الى هذه المؤسسة قبل اسابيع وهو رجل جيد ومتحدث مقنع ولبق أيضا، وقال امام الحضور ان الفلسطينيين ضحية وانهم يدفعون ثمنا كبيرا والمشكلة ان لا حل لهذه المعضلة. وقتها قلت: يا ربي .. أيش مصيبة الشعب الفلسطيني؟ ما هي المشكلة؟ هل يجب ان يبقى عرفات الى أن تضيع القدس الى الابد؟ ووقتها ايضا تذكرت الشعب المصري وهم يدعون ويدعون ويدعون عندما صارت عند مبارك وعكة صحية بسبب البرد واختفى خمسين دقيقة يومها عن جلسة البرلمان، ونشوف التلفزيون وهم يدعون ان تتحسن صحته وان يتعافى!! بينما رئيسهم لا نائب له واوضاعهم في منتهى السوء اقتصاديا وسياسيا! وكل المصريين يتحدثون عن الحاجة الى الديمقراطية. فكيف يتمسك المظلومون والمقهورون والمضطهدون وهي حال شعوبنا، بحكامهم وهم سبب معاناتهم!


  • نعود الى السؤال: كم من الوقت سيبقى النظام السعودي في الحكم؟
  • كنت سأجيبك على السؤال حتى لو لم تكرره. سيتمكنون من البقاء طالما بقي النفط يحميهم. والمملكة لا تزال حتى هذه اللحظة هي الدولة الاكثر انتاجا وهذا يخدم اميركا ويخدم اسواق العالم. لكن على المدى ليس البعيد كثيرا سيتمتع العراق بنفس القدرات الانتاجية. وسيكون له وضع آخر في الاسواق. وسيكون من شأن ذلك، التقليل من اهمية السعودية ومن حاجة أميركا تحديدا الى التمسك بالنظام الحالي. العراق مرشح لأن يكون حالة مختلفة تماما عما نعرف. قد يتطور نحو الاحسن في وقت قصير. وقد يصبح منافسا رئيسيا في الاقتصاد والسياسة والثقافة. العراقيون فعالون والعراق بلد بامكانات كبيرة وهائلة. لكن اذا تعرض العراق الى خلافات حادة بين المكونات العرقية والسياسية او الدينية او اذا تم تقسيم العراق فان مثل هذا الامر سيشكل خطرا حقيقيا على السعودية.


  • فهل من شأن ذلك أن يزيد من متاعب النظام؟
  • هذا الامر أكيد. لأن دائرة السلطة المركزية التي تقتصر على الامراء الحكام والنافذين منهم ومن يرضون عنه، بدأت تصغر وتصغر. وكل المواطنين الذين لحق بهم ظلم التفرقة بالمعاملة او نقص الحقوق، يعتقدون الآن بعد احداث العراق ان الوضع الذي كانوا فيه غير مقبول ولا يمكن ان يستمر بأي حال من الاحوال. العراق سيقود الى كشف كل الاخطاء المستترة في المنطقة بفضل الرخاء السابق او بسبب قوة تسلط النظم الحاكمة. التغيير الذي حصل في العراق سيقود المنطقة الى منعطف خطير قد يغير الكثير من الامور.


  • فهل أدرك الأمراء حقيقة خطورة الوضع وما يمكن أن تؤول إليه الأمور وأيضا مخاطر وثمن التباطؤ بالتغيير والإصلاح والاستجابة لدعوات المطالبين بالإصلاح في الداخل والخارج؟
  • آل سعود يعرفون ذلك. لذلك شهدت بلادنا لأول مرة ما يعرف بالحوار الوطني. لأول مرة آل سعود يتحدثون عن حوار وطني كان لازم يكون عندنا من خمسين سنة. لأول مرة جابوا شيعة وجلسوهم مع الصوفي والسلفي والاسماعيلي. اجلسوا الجميع في غرفة واحدة. وقالوا لهم انتم جميعا سعوديون وعليكم اجراء حوار.


  • لكنها بداية مشجعة أليس كذلك؟
  • القليل جدا من الصحيح وفي وقت متأخر جدا. الحالة الاقتصادية متدهورة. واعداد العاطلين عن العمل عالية. والوظائف الوهمية او البطالة المقنعة في اجهزة الدولة تخطت الحدود. والأدهى من ذلك. ليس هناك اي نوع من الاصلاح الحقيقي او الجدي. فكيف يمكن تهدئة الامور واقناع السعوديين ان الدولة جادة في الاستجابة لمطالب الاصلاح وتصحيح الاخطاء والغاء التفرقة وانصاف من وقع عليهم الظلم والاذى ولم يتمتعوا بحقوق المواطنة الحقيقية طوال الفترة السابقة! الى متى يمكن ان تستمر الامور على هذا النحو؟ الى متى سيحافظ آل سعود على الحكم؟


  • أيضا هناك مخاوف من احتمال حدوث انقلاب عسكري، هل هذا ممكن بينما الحكم يتقاسم طرفي المؤسسة العسكرية (الجيش والحرس الوطني)؟
  • الانقلاب العسكري مستبعد تماما وغير ممكن. انهم اذكياء جدا. ومن يطلع على خارطة المواقع العسكرية في المملكة ويرى مسافات التباعد بين اطراف المؤسسة العسكرية، سيشهد لهم بالذكاء او لمن خطط لهم او اشار عليهم بذلك. فهي متباعدة يجعل من التعاون العسكري بتحريك قطعات الجيش او الحرس الوطني لإحداث تمرد او انقلاب، أمر غير ممكن.


  • يقال أن الأخطر من الانقلاب العسكري أو تغيير السلطة بالقوة هو الحرب الأهلية، فهل هذا محتمل؟
  • نعم هذا هو الاقرب الى الاحتمال. الحرب الاهلية امر وارد تماما ما لم تتغير الامور في البلاد قبل فوات الاوان. في ظل الاوضاع الحالية هي الاقرب. الجهاديون خطرون جدا. واذا لم يستطع هؤلاء مواجهة الاميركان الذين يعتبرونهم كفارا فان الخطورة تكمن في ان الجهادين سيتوجهون نحو العائلة المالكة. وفي كل الاحوال فان ظاهرة العنف في المملكة مرشحة الى التعاظم لانه لا حل لها. الوقت يمضي والمتبقي امام فرص الاصلاح قصير وقليل. وأنا الآن أعد مقالة عنوانها السعودية بعد العراق. وسأنشرها قريبا. والحقيقة ان عددا من زملائي الباحثين في المعهد يعدون مقالات وابحاثاً مماثلة عن دول اخرى في المنطقة في مرحلة ما بعد العراق فهناك من يعد عن سورية وآخر عن إيران وهكذا. ونحن في كل ذلك نستقرئ التطورات المستقبلية المحتملة بعد الذي حصل في العراق.


  • في ورقة أخرى أعددتها وأسميتها بترولستان (أرض البترول) أشرت الى احتمالات التقسيم أو التجزئة في المملكة.. هل هذا أمر وارد أم مجرد توقع في ظل معطيات داخلية موجودة وأخرى خارجية مشابهة؟
  • الناس كلهم يتكلمون عن هذا الموضوع وهم خائفون ان اميركا هي في نظرهم ترى الامور على اساس أن الاسلام هو مكة والمدينة والنفط هو الشرق. فضلا عن رغبتها في الفصل بين الاسلام والنفط. وقد تحدثت الادارة الاميركية عن ذلك في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).


  • ما صحة ما يقال من أن واشنطن لم تعد تتخوف من تقسيم المملكة أو العراق طالما أن النفط سيصبح بيد الشيعة والشيعة في البلدين مثقفون ومؤهلون وأكثر قدرة على الانفتاح على الغرب ولا خطط لهم لمشاريع انتحارية ضد أميركا او الغرب، واذا ما اصبحت مملكة النفط في السعودية بيد الشيعة فان بالامكان التفاهم معهم، هل هذا صحيح؟
  • في مقالتي US Invasion وقد نشرت في الهيرالد تربيون في التاسع من كانون الثاني (يناير) الماضي، قلت ان النفط في مجمله يقع في القسم الذي أكثريته من الشيعة في المملكة. وصحيح ان الشيعة في المملكة يشكلون خمسة عشر في المائة وهم يقولون انهم عشرون في المائة من سكان المملكة لكن وان كانت النسبة صغيرة على مستوى السعودية ككل لكنها كبيرة في المنطقة. ثم من ايران الى البحرين الى الجنوب العراقي. لذلك فاني أقول لكن من غير الممكن تناسي الاقرار بان الشيعة تعرضوا للاضطهاد والتفرقة ويقولون عني اني متحيزة والحقيقة غير ذلك على الاطلاق. انا لست متحيزة ولا اؤمن بالخلاف بين الشيعة والسنة. لكن الوهابي يعتبر الشيعة كفاراً والشيعة يعتبرون الوقت الحالي هو الانسب والامثل لاستعادة مكانتهم وحقوقهم كاملة ورد الاعتبار اليهم. ووجدوا مرحلة ما بعد سقوط صدام مناسبة لدفع العرب وغيرهم للاعتراف بهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات مع سواهم.


  • هل التفرقة دافع كاف لقيام دولة نفطية شيعية في السعودية، هل التفرقة ثمن أو باعث للانفصال؟
  • التفرقة في السعودية موجودة وهذا ما نعترف به لكنها لم تقتصر على الشيعة فقط. لكن الشيعة منظمون جدا لذلك تحركوا بسرعة وكفاءة وذهب مجموعة منهم الى الامير عبد الله وقابلوه وطرحوا امامه مطالبهم بكل عقلانية دون ان يعطوا مبررا لأحد للإمساك بأي مأخذ عليهم. أكدوا انهم على ولائهم للمملكة ولا يفكرون بالانفصال ولا ببديل عن الحكم. وانهم سعوديون. بينما الشيعة السعوديون ظلوا يتمسكون على الدوام بان مرجعهم هو السيستاني. الاميركان الآن لا يترددون في اظهار كل الاحترام للمرجع الشيعي الاعلى. والحاكم المدني في العراق السفير بول بريمر قال ذلك علانية. وايام زمان كان آية الله مثل الشيطان او الوحش بالنسبة إلى الاميركان. لأن آية الله الخميني قال قبل ذلك ان أميركا الشيطان الأكبر. ثم فجأة تحول العدو بالنسبة إلى أميركا في العالم العربي لم يعد الشيعة وانما صار الجهادين والوهابيين. هؤلاء الذين بدا انهم لم يسمعوا عنهم من قبل. فاجأتهم هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). وقد انهالت علي التلفونات بشكل لا يصدق من كثرتها. كل هذه الاتصالات من وسائل اعلام وباحثين وسياسيين يسألون عن الوهابية واصولها واهدافها. وتحدثنا عنها تلفزيونيا لعدة قنوات. الان يتحدثون عن الجهاد. لذلك فانهم يتحدثون بكل احترام الان عن آية الله. ويتحدثون معه عن الديمقراطية لانه قوة تؤمن ولا ترفض هذا النظام المتحضر. لذلك فان الشيعة سيتزايد نفوذهم ودورهم في كل المنطقة وفي الشأن العربي طالما انهم يؤمنون بالتطور والتقدم ويتماشون معه. وميزان القوة قد تغير تبعا لذلك.


  • هذه المتغيرات هل أحدثت رد فعل أو مراجعة سعودية حكومية لملفات تعاملها مع الشيعة؟
  • لهذا السبب فان الحكومة السعودية ولأول مرة هذه السنة لم تتصد للشيعة وهم يمارسون مناسك عاشوراء التي كانت محرمة عليهم ويعاقبون عليها، ولم تتعرض لهم الحكومة بل وفرت لهم قوى الامن والشرطة لحمايتهم من أي اعتداء من قبل من يرفضون مثل هذه المظاهر. نعم قامت بحمايتهم من الجهاديين الذين لا يشعرون بالرضا على مثل هذا التحول. المنطقة كلها يمكن ان تنقلب رأسا على عقب. ومن هنا فاني اعود الى الاشارة الى القلق والخوف الذي يساور العائلة المالكة من المستقبل في ظل هذه المتغيرات.


  • فكيف سيتصرفون لتفادي الأزمة وهل سيكون بإمكانهم النجاة منها بأقل قدر ممكن من الخسائر وهم يخوضون الآن حربا من أجل البقاء؟
  • عليهم ان يتراجعوا وان ينحنوا امام المد الحضاري الزاحف على المنطقة. وعليهم ألا يغفلوا قيمة ومغزى القدر الكبير من الطاعة والاحترام الذي أظهره الشيعة وغيرهم عند تقديمهم عريضة طلب الاصلاح لولي العهد. انا اعتبر انه ليس فقط لأنهم قالوا ملكية دستورية وليس لانهم طالبوا بجمعية أهلية للدفاع عن حقوق الانسان والتمتع بقدر كاف من الحريات في الاعتقاد وانما لانهم قبلوا ان يكونوا جزءا مهما من الحوار الوطني. وهذه هي المرة الاولى التي تظهر فيها مجموعة منظمة من الرجال والنساء الليبراليين والاسلاميين، لاول مرة اجتمعوا وبشكل واضح وفاعل. انها حركة معارضة منظمة.


  • خلاصة هذا الحوار، هل يمكن أن يؤدي هذا الى التغيير؟
  • أي تغيير تتحدث عنه!! سجنوهم وقالوا لهم نفرج عنكم فقط ان تعهدتم بانكم لن تعودوا لطلب الاصلاح او ان تنادوا به. وبعدين عندما جاء الى هنا اعضاء مجلس الشورى الاربعة، سألتهم سؤالاً بسيطاً: طالما انكم لستم منتخبين، تعتبرون انفسكم سلطة تشريعية شرعية؟ فردوا علي بانهم من حملة الدكتوراه ووان الملك قد اختارهم وهذا يكفي. الامير سلطان (الشخص الثالث في السلطة السعودية) قال ان لا انتخابات لمجلس الشورى لأن الشعب السعودي قد ينتخبون أميين لعضوية المجلس بينما نريد نحن (الكلام على لسان الامير سلطان) نريد حملة دكتوراه فقط. وهذا الكلام لا يتفق وحقيقة عموم الشعب السعودي الذي يستخدم المواقع الالكترونية السعودية في الكتابة والنشر والتعبير وما يتبادله السعوديون من خلال هذه المساحات التي جعلت بمقدورهم ان يطلعوا على الكثير الذي كان محرما عليهم وان يجاهروا بوجهات نظر كانت عواقبها وخيمة من قبل.


  • في ظل كل ذلك ما هي الخيارات المتاحة أمام دعاة الإصلاح، هل عليهم أن يتخلوا عن دعواتهم وأن يخافوا من السجن أو القمع؟
  • لا مساحة لحرية الرأي او الداعين للتحرر في المملكة. ولا للتحديثيين. انهم يخيفوننا. لكن معنى ذلك ان الطبقة او الفئة الوحيدة التي يمكن ان يسمع كلامها وان يكون لها دور في المجتمع السعودي والسلطة هم المتطرفون Hard Liners والمحافظون جدا. اما الذين يسعون الى الانفتاح والتطوير والاصلاح فلا وجود لهم ولن يسمح لهم بالعمل ما لم تتغير الامور. ويستفيد الامراء الحكام من الجوانب الايجابية الكثيرة التي يمكن ان تتحقق إذا ما استجابوا لمطالب الاصلاح. وهكذا فليس امام الحكم سوى الاستجابة لمطالب الاصلاح او تحمل عواقب التغيير والزوال والتعرض لتكرار تجربة العراق. عليهم ان يصبحوا جديين في تعاملهم مع قضية الاصلاح.


  • هل هذا ممكن؟
  • حتى الآن الاجابة هي لا. فقد جعلوا من البلاد دولة وهابية متطرفة. والمتطرفون يمسكون بخناقهم. ورقاب الحكم بيد المتطرفين وليس العكس. وعندما طالبهم الاميركان بالاعتدال والانفتاح والاصلاح والتصدي للارهاب والعنف والتخلي عن مسببات تعاظم هذه الظاهرة. لم يستطع آل سعود الاستجابة لذلك. هذا هو اساس الازمة السعودية. فقد تعاظم دور وتأثير المتشددين في المجتمع من خلال المؤسسة الدينية. كيف سيمكن الخلاص منهم! والحقيقة ان ادعاء الامراء بتقبل مطالب الاصلاح والانفتاح لا يكفي ما لم يوضع مثل هذا الموقف موضع التنفيذ الفعلي.


  • بصراحة أيضا، المشكلة في الحكم أم في المتشددين دينيا؟
  • الحقيقة ان العائلة السعودية المالكة لا تريد ولا تقبل باصلاحات حقيقية. واذا كان هناك من يقبل بمطالب الاصلاح فان عليه ان يجلس ويخالط المثقفين والمفكرين الواعين لأهمية التغير قبل فوات الاوان. لكنهم لا يظهرون ما يفيد بانهم اختاروا مثل هذا التوجه. والحقيقة الاخرى هي ان الدولة لا تحمي وتدعم المتطرفين وانما المتطرفون باتوا هم الدولة وهم موجودون في كل مكان في السلطة. يتحكمون بشرايين الحياة. وهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تتحكم بالشعب. والحديث عن ازاحة بعض الأئمة وخطباء المساجد عن وظائفهم يحمل غايات واهدافاً مغايرة ومجانبة للحقيقة. فهم في حقيقة الامر ينقلونهم ولا يبعدونهم عن وظائفهم وانما يداورونهم مع آخرين مثلهم. يرسلونهم حتى يبشروا في عسير وهو امر يخيف ويرعب السياح الاجانب وهو أمر يتناقض مع خطط ومشاريع فتح بعض مناطق المملكة الاثرية امام الاجانب للسياحة. ثم يأتي النظام التعليمي الذي قالوا انهم بصدد تطويره. وهذه خطوة مهمة للغاية ولابد منها. لكن المشكلة ان رجال الدين الناشطين يعارضون ويرفضون ذلك خاصة موضوع الولاء والبراء. اي ان لا تغيير حقيقيا في النظام التعليمي يمكن ان يحدث. وقد استخدموا الاميركان عذرا على اساس ان أي شيء تطلبه أميركا يعتبر تدخلاً في الشأن الداخلي ولا يجب ان يتجاوبوا معه. وقالوا تبعا لذلك: لن نغير المناهج لأن الاميركان قالوا انهم لن يسمعوا الكلام. ومعنى ذلك ان الانسان السعودي سيظل ضحية عدم الانفتاح على العالم والاستفادة من التقدم والتغير في ادوات السوق والاقتصاد الدولي.


  • كيف نلخص الوضع في المملكة وماذا يمكن أن يحدث بشأن دعوات الإصلاح وتغيير المناهج؟
  • هنا اود ان اقول انه وعلى الرغم من مظاهر التقدم والتطور والرفاهية في الحياة السعودية إلا ان الوهابيين وهم أقلية استطاعوا اضطهاد الشيعة في المنطقة الشرقية وتهميشهم. وقللوا من شأن وحقوق الحجازيين في مكة والمدينة والاسماعيليين في عسير. واستغلوا العامل الديني في ادارة امور الدولة والاستحواذ على المناصب الحساسة واحتكارها لانفسهم. ومع ذلك بامكان الحكم اعادة تصحيح الاوضاع وتوفير العدالة المطلوبة عندما يتم ابعاد الوهابيين المتنفذين والقبول بمطالب الاصلاحيين والشروع في تنفيذها. وهذا يعني ان على الاسرة المالكة ان تتقاسم السلطة مع المواطنين. وان تنهي عصر التفرقة في حقلي الوظائف المدنية والقضاء وان توقف وتلغي العمل بالقوانين التي تضطهد المرأة وان تسمح بحرية التعبير. ونحن نقر بان هذه الخطوات كبيرة وخطيرة بالنسبة إلى العائلة المالكة. غير انه في المقابل لم يعد منطق دفن الرأس في الرمال ممكنا.


  • أخيرا: هل يمكن إصلاح النظام في السعودية؟
  • آل سعود صمموا النظام السياسي على نحو يجعل منه غير قابل للتغيير. فقد بني على الكبت وعلى إلزام الناس بالطاعة تحت غطاء الدين، بينما الوقت المتبقي قصير لتغيير هذا النمط وتعديل النظام.


    (المشاهد السياسي ـ العدد 422 ـ 10 ابريل 2004)

الصفحة السابقة