مراجعة شاملة لفشل العهد السلماني

من يحكم المملكة: سلمان أم إبنه؟

إعداد: عبدالحميد قدس

منذ أن بدأ سلمان يراكم السلطات في يد نجله محمد بن سلمان قبل ثلاث سنوات ونصف، كان السؤال المطروح: من هو الحاكم الفعلي في المملكة السعودية؟ هل تنازل سلمان عن صلاحياته لصالح إبنه؟ وذهب آخرون الى حد السؤال عن توقيت تنحّي سلمان واستلام نجله مقاليد السلطة. يقول مسؤول خليجي: يجب على المحلّلين السياسيين الكف عن خرافتين:

تنازل سلمان عن العرش.

إصابة سلمان بمرض الزهايمر.

 

يزيد هذا المسؤول الخليجي، الذي ينتمي الى دولة حليفة للسعودية، بأن سلمان هو الملك الفعلي، وهو من يدير شؤون البلاد، وهو صانع القرار الأول والأخير، والمرجع في أمور الدولة. ويضيف: إن لدى سلمان القدرة على الحديث لمدّة أربع ساعات متواصلة دون انقطاع، وبتركيز شديد، ودقّة ووضوح، لا يمنعه شيء سوى الأمراض، التي تصيب عادة كبار السن.

لاريب أن سلمان أوحى للقريب والبعيد بأن الاوامر التي أصدرها منذ تولّيه العرش بأنه يقوم بعملية نقل للسلطة بصورة تدريجية لإبنه، وقد وهبه من السلطات ما لم تحصل لجده عبد العزيز. ولا ريب أيضاً أنه اكتشف فداحة فعلته، في ضوء النتائج الكارثية التي جاء بها ابن سلمان في كل الملفات التي تولاها: حرب اليمن، أزمة قطر، أزمة الحريري، أزمة الريتز، أرامكو ورؤية السعودية 2030، الضرائب، والاعتقالات الواسعة والشاملة، الانقسام العميق في العائلة المالكة، وتهديد التحالف التاريخي بين آل سعود والمؤسسة الدينية، وأزمات السياسة الخارجية (ألمانيا، كندا..)، صفقة القرن.. وغيرها من القضايا التي يصعب حصرها، وهي كلها تكشف الأداء المأزوم لابن سلمان.

نعود للسؤال: ألا يدل اضطلاع ابن سلمان بتلك الملفات، برغم النتائج الوخيمة على أنه هو الحاكم الفعلي؟

في حقيقة الأمر، إن الجواب لا يكون بهذه الطريقة المباشرة، لأننا أمام (وكيل وأصيل)، وإن مجرد تفويض الملك لنجله، لا يعني استقالة الأب لصالح الإبن، خصوصاً وأننا أمام شخصية عنيدة وقوية مثل سلمان، الذي يعارض من حيث المبدأ فكرة التنازل، وله مقولة مشهورة: «ليس لدينا ملك يتنازل بعد سعود»، وقد عارض مقترحات طرحت وسط العائلة في سنوات سابقة، مثل تنحي فهد بعد إصابته بجلطة دماغية وفقدانه الذاكرة عام ١٩٩٦، ورفض تنحّي الأمير سلطان، ولي العهد الأسبق، بعد أن أفقده مرض السرطان القدرة على القيام بمهامه.

ما قيل عن سحب سلمان ملف فلسطين من يد إبنه، أو سحب ملف أرامكو، في قضية طرح 5 في المائة من أسهمها للاكتتاب العام في الأسواق العالمية، في سياق دعوى استعادة الملك لصلاحياته من إبنه.. هي مجرد قراءة خارجية وبعيدة عن الواقع.

الملك يحكم فعلاً، والواجهة لإبنه!

صحيفة (فايننشال تايمز) نشرت مقالاً في 28 أغسطس الماضي قالت فيه أن الملك سلمان وجّه ضربة الى ولي العهد بعد الغاء طرح أسهم أرامكو في الاسواق.

وكتبت الصحيفة بان «قرار السعودية التخلي عن خطط إدراج شركة النفط الوطنية أرامكو السعودية هو أكثر من صدمة مفاجئة». وخلصت الى «أن الملك سلمان قد تغلّب على محمد بن سلمان، وريثه الشاب».

تنطلق الصحيفة من رواية أن ابن سلمان هو الذي قدّم هذا العرض في سياق طرحه لرؤية السعودية 2030 في إبريل 2016، وأنه يريد التخلي تدريجاً عن الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل، وقد أثار تقييمه الاجمالي لشركة أرامكو، أي تريليوني دولار، أسئلة كبيرة، لعدم واقعيتها. وكان بحسب العديد من المحللين تقييماً يبعث على الغرابة. عوائق أخرى منعت أيضاً المضي في الطرح ونجاحه مثل: بيانات الشركة، والتدقيق الصارم في احتياطيات النفط والغاز التي تدعم قيمة الشركة، الى جانب خطر التقاضي في الولايات المتحدة ضد السعودية، بسبب التواطؤ في الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن.

من وجهة نظر الصحيفة، فإن الملك سلمان، البالغ من العمر الآن 82 عاماً، قد ينظر الى عملية بيع جزء من شركة أرامكو خطوة بعيدة جداً، وهي بمثابة رجل يبيع جواهر التاج للعائلة.

وتضيف في سياق تعزيز الرأي القائل بأن سلمان يسحب ملفات من يد إبنه، أنه اتخذ موقفاً قوياً في الجدل الدائر حول قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية هناك - مما أنهى فعليا آمال الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية العربية.

وتصدر الصحيفة في رأيها عن اعتقاد بأن ابن سلمان أعطى الأمريكيين والإسرائيليين فكرة أن السعوديين دعموا الخطوة كجزء من «صفقة القرن» التي لم يكشف عنها ترامب لحل هذا النزاع، والضغط على الفلسطينيين لقبول ذلك.

وتمضي الصحيفة في تحليلها أن ذلك يظهر فهماً ضئيلاً لمصادر شرعية آل سعود، الذين ـ وبصفتهم حرّاس مكة والمدينة ـ من البديهي أن ينظروا الى إعطاء إسرائيل سيطرة حصرية على القدس - المقدّسة للمسلمين وكذلك اليهود والمسيحيين – على أنه لعب بالنار.

 

ووقعت الصحيفة فيما وقع فيه كثيرون من أن الملك سلمان أطلق على القمة العربية المنعقدة في الظهران في أبريل الماضي «قمة القدس»، وأعلن عن تبرعه بمبلغ 200 مليون دولار لأوقاف المسلمين في المدينة المقدسة، ووصف فلسطين بأنها «محفورة في ضمير الشعب العربي».

في حقيقة الأمر أن هذه اللعبة التي انطلت على كثيرين لا بد من فضحها، لأن قادة الدول العربية المشاركين في القمة العربية في الظهران، وحدهم من لديهم معرفة متى أبلغوا بشعار القمة. وبالنظر الى تسلسل الوقائع التي سبقت القمة العربية في الظهران، سوف يظهر أن الملك سلمان، ونجله من قبله، كانا يتوقعان فعلاً أميركياً مزلزلاً في سوريا يكون قاصماً لظهر النظام وايران معاً، ويكون مفتاحاً لـ «صفقة القرن»، التي مهّد لها ابن سلمان بسلسلة من التصريحات في الولايات المتحدة، والذي أعطى فيها ما لم يعطه أحد من قبل سوى وزير الخارجية البريطاني بلفور في وعده المشؤوم سنة 1917.

وكانت صحيفة (الرياض) قد ذكرت بأن القمة سوف تخرج بمشروع سلام مع الدولة العبرية لمواجهة التهديدات الإيرانية. ولكن ما خيّب آمال سلمان ونجله ومن يلفّ لفّهم، ولاسيما الاماراتي والإسرائيلي، أن ترمب لم يختلف عن أوباما في التعاطي مع الشأن العسكري حين يتعلق الأمر بتورّط واسع النطاق للقوات الأميركية، فقد اكتفى بضربة متّفق عليها مع الروسي والإيراني والسوري. وهذا ما دفع سلمان للتنصّل من التزامات إبنه إزاء الإدارة الأميركية، والانقلاب على تعهّداته، ولأن ابنه من كان في الواجهة، فقد كان سلمان مرتاحاً وهو يعتنق موقفاً بدا كما لو أنه «مبدئيٌ»، فيما الحقيقة هي غير ذلك بتاتاً.

لاريب أن سلمان هو من راكم القوة في يد إبنه، ولا يزال يشكّل توازناً داخل العائلة المالكة في الوقت الراهن، وهذا ما سوف يجعل مهمة ابن سلمان بالغة الصعوبة في حال غاب والده عن المشهد.

وكالة «بلومبرغ» الخبرية كانت أكثر واقعية، حيث خاطبت ابن سلمان بعبارة تقترب من المثل الشعبي «مد رجلك على قد لحافك»، وأضاءت على مشاريع ابن سلمان الطموحة ولكن بنتائج وخيمة، إذ إن مشاريعه العملاقة قوّضت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

وكتب بوبي غوش، عضو هيئة التحرير في «بلومبرغ»، في 28 أغسطس الماضي بأن إبن سلمان خطى الخطوة الصحيحة من خلال تشخيصه لواقع السعودية الاقتصادي، حيث كان المطلوب إجراء إصلاح شامل لاقتصاد البلاد، فقد كانت هناك حاجة بالتأكيد للتغييرات: كان الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط، التي تمّ توزيعها بشكل غير فعّال من خلال شبكات المحسوبية. كان من الواضح أن البلاد بحاجة إلى قطاع خاص حيوي وتنافسي وتطوير صناعات غير نفطية أفضل للتحضير لمستقبل عندما لم يعد قادراً على الاعتماد على الثروة الموجودة تحت رمالها.

وأيضاً، أقر ابن سلمان بالحاجة إلى الإصلاحات الاجتماعية. فقد كان رجال الدين المحافظين يضطلعون بأدوار فاعلة ويدلون بآرائهم في الحياة العامة، في حين أن المرأة لديها القليل جداً من المشاركة والدور.

لكن ابن سلمان انطلق في الاتجاه الخاطئ عندما قرر القيام ببيع أسهم من أرامكو، أكبر شركة نفط في العالم. كانت هذه الخطة طموحة للغاية: فقد بلغت قيمة الشركة نحو 2 تريليون دولار، وكان من المقرر أن يتم الاكتتاب العام الأولي الهائل بحلول هذا العام. والآن تمّ تأجيل الصفقة إلى أجل غير مسمى، مما يمنح ولي العهد فرصة لإعادة تقييم استراتيجيته للإصلاح من خلال اتباع إجراءات أكثر عملية.

في هذه المرحلة، سيحتاج إلى التحرك بسرعة. قرار إيقاف طرح أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام سيعطي المستثمرين وقفة، كما أن هروب رؤوس الأموال، وهي مشكلة خطيرة بالفعل، يمكن أن تتسارع.

وعليه أيضاً أن يتصرف في ضوء مراقبة مكثفة من قبل السعوديين والمستثمرين الأجانب الذين يشعرون بالقلق من جهود الإصلاح التي تمت حتى الآن، والتي كانت لها نتائج متباينة. تستطيع النساء قيادة السيارة، لكن العديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة قد تمّ اعتقالهن. تم تخفيض الإعانات وفرض ضرائب جديدة، لكن ارتفاع الإنفاق الحكومي على الأجور والمزايا قضى على المكاسب. لقد حقق صندوق الثروة السيادي بعض الاستثمارات الناجحة في الخارج، لكن الرياض لم تحافظ على ميلها إلى مشاريع البنية التحتية العملاقة. لقد بدا ابن سلمان نفسه مشتّتاً من قبل مسائل بعيدة كل البعد عن الإصلاح، وتسبّب في الآونة الأخيرة بعداء لا طائل من ورائه مع كندا.

 

من أجل طمأنة المستثمرين الأجانب ومواطني بلده بأنه لم يغب عن رؤيته لخطة الإصلاح الخاصة به، فإن من الأفضل أن يعود ابن سلمان إلى الأهداف التي حدّدها في العام 2016: الحد من دور الدولة في الاقتصاد، وتعزيز تطوير القطاع الخاص، وإدخال بعض الشفافية في نظام مبهم معروف بتوزيع عائدات النفط بين النخبة.

وكان الهدف من الاكتتاب في طرح أسهم شركة أرامكو هو تحقيق جميع الأهداف الثلاثة. وسيتضمن مسار أكثر واقعية مشاريع أصغر مثل خصخصة مطار أو محطة تحلية أو حتى مطحن دقيق. إن أي مشروع من مشاريع الخصخصة غير النفطية الأربعة عشر التي أعلنت عنها الرياض في أبريل الماضي، يمكن أن يثبت أن الحكومة قادرة على نقل الأصول بشفافية إلى أعلى مزايد - أي إنجاز صغير في اقتصاد هيمنت عليه دولة توزع أصولاً بين قلة مفضلة.

سيكون من الضروري والذكاء، وقف العمل بمشروع مدينة نيوم بكلفة 500 مليار دولار في شمال غرب المملكة السعودية، والذي أطلق عليه إسم «مدينة المستقبل»، وأن يتم إنفاق أموال الصناديق السيادية بشكل أفضل على مبادرات القطاع الخاص، لا سيما في الصناعات التي من شأنها أن تسمح للاقتصاد بالتنويع بدلاً من الاعتماد غير الصحي على النفط.

إن الإغراء بإثبات مكانته الكبيرة في مشروع ضخم، سواء أكان عملاقاً أولياً أو مدينة صحراوية جديدة، أمر مفهوم، خصوصاً بالنسبة لشاب في عجلة من أمره لتأسيس أوراق اعتماده كحاكم.

ان النصائح التي تقدّمها «بلومبرغ» تبدو جميلة، ولكن ليس بهكذا نصائح يدير ابن سلمان مشروعه. في الوقت نفسه، لا شك أن ابن سلمان الذي تخبّط كثيراً في ملف طرح أرامكو للاكتتاب العام، كان بحاجة الى من ينقذه، ولم يكن والده سلمان سوى حبل النجاة الذي يمتد لإبنه حين يشعر بأنه يغرق. كان سلمان قد أخبر أخاه غير الشقيق مقرن بن عبد العزيز حين طلب منه تقديم استقالته من ولاية العهد، بأننا يجب ان ندع الشباب بتحمل المسؤولية وتولي الأمر. كلام سلمان ينطوي على إشارة تخصّه دون غيره، بأنه سوف يدع إبنه يتصدر المشهد، على أن يتولى هو التسديد والإنقاذ.

شخصية محمد بن سلمان هي الأخرى تستحق التوقّف، وهي على كل حال لا تختلف كثيراً عن شخصية والده، في شراستها، وصرامتها، وكيديتها. ينقل مسؤول عربي التقى سلمان أكثر من مرة، وسمع مرّات من مسؤولين خليجيين، واطلّع على تقارير سريّة حول تقييم ملوك وأمراء آل سعود، وخلص الى أن «سلمان مملوء بالشر لا يضاهيه أحد من آل سعود». ومن سوء حظ عائلته، والشعب بصورة عامة، أن يكون أشرّ آل سعود هو نهاية عنقودهم من الجيل الأول.

عود على شخصية إبن سلمان، والتي خصّها نيك روبرتسون، المحرر الدبلوماسي في موقع سي إن إن الإخباري بمقالة في 23 أغسطس الماضي، وتصلح مادة للمقارنة بين شخصية الإبن ووالده. يعقد روبرتسون مقارنة بين شخصيتي ترمب وابن سلمان، ويرى فيهما أوجه شبه. ويحاول أن يقرأ هذه الشخصية من خلال تناقضات مواقفها أولاً من خلال الإصلاحات الاجتماعية من جهة، واعتقال وقمع الناشطات في مجال حقوق الانسان من جهة ثانية، وفي ضوء الخطّة الطموحة بطرح جزء من أرامكو للاكتتاب العام، ثم في نهاية المطاف إلغاء الخطة والتي تثير أسئلة حول شخصية ابن سلمان نفسه، وأي نوع من القادة هو.

روبرتسون:

أي شيء يلمسه ابن سلمان ينتكس ويخسر!

يقول الكاتب روبرتسون: كان الاعتقاد السائد بأن محمد بن سلمان من نوع تيريزا ماي، وإيمانويل ماكرون، وأنجيلا ميركل، بحيث يمكن التعامل معهم، وإن كان ذلك في مواجهة قرع طبول الانتقاد من جانب ناخبيهم.

بالنسبة لإخفاقات ابن سلمان في الحرب الطاحنة على الحدود الجنوبية مع اليمن، مع حصيلة الموت والمأساة التي يمكن التنبؤ بها - ورغبته المعلنة في الانسحاب وتقديم مستقبل متنوع وخالي من النفط للسعوديين في الداخل، المتمثلة في رؤية 2030، كانت رواية مغرية بامتياز.

كانت الرؤية تلمع في العلاقات الدولية، وما لبثت أن انزلقت نحو مبيعات الأسلحة المثيرة للجدل، والتي يقتل بعضها المدنيين في اليمن. ولذلك، فإن الصورة الملتبسة حول ابن سلمان بدت كما لو أنها غزيرة بما يجعلها تعكس صورتين متقابلتين، أو في الحد الأدنى حركتين متباينتين.

ويضيف روبرتسون، بأن كل شيء بدأ يتحول إلى شكل كمثرى، عندما وجدت السعودية نفسها في حالة مزاجية مع كندا، بسبب الشكوك حول سجلها في مجال حقوق الإنسان. والكل يعرف ما حصل من إجراءات من الجانب السعودي. في غضون ساعات قليلة، طردت السعودية سفير كندا في الرياض، وحظرت صفقات تجارية جديدة، واستدعت العديد من الطلاب السعوديين الذين يدرسون في كندا.

فجر ابن سلمان العلاقات مع كندا،

وهدد بتفجيرها على غرار ١١ سبتمبر!

ويمضي الكاتب قائلاً: اعتقد العالم بأن الأزمة مع قطر هي كبوة وعثرة عابرة يمكن إصلاحها بسهولة، أو عزلها عن السياق العام، ولكن مع الاشتباك السياسي اللامتوازن مع كندا، أكّد ابن سلمان أنه شخصية لا يمكن الوثوق بتصرفاتها، ما ينعكس على كل شيء بما في ذلك الاستثمارات الأجنبية. لا يمكن النظر الى ذلك على أنه مجرد فعل مستقل من ابن سلمان، وأن والده قد استقال من مهامه، وأصبح حبيس قصره. الأمر ليس كذلك على الاطلاق، فهو يرقب ما يفعله إبنه.

أعيد إحضار الإسطورة الاغريقية حول الملك ميداس الذي يجعل من كل شيء تلمسه يده ذهباً. بالنسبة لابن سلمان كانت الأسطورة عكسية، فأي رهان يدخل فيه تكون النتيجة على الدوام سلبية. وبحسب روبرتسون، فإن ابن سلمان وبالنظر إلى سجل الإصلاح المتقلّب في المملكة السعودية كشف بأن القدرة على إصلاح مشاكل المملكة ينطوي على مخاطرة بفقدان جاذبيتها إذا تعذر التغاضي عن عيوب شخصيته.

 

في بؤرة الاهتمام الحاد، تأتي تقارير عن احتمال أن تقدّم شابة ناشطة في مجال حقوق الإنسان ـ أي إسراء الغمغام ـ للمحاكمة، حيث يمكن أن يؤدي الحكم بالإدانة إلى عقوبة الإعدام.

بالنسبة لحلفاء ابن سلمان، تصبح جميع نقاط ضعفه وتعقيداته متراكمة. ليس من الصعب تصور أطراف تتنازع حول مسألة ما هو الثمن السياسي في الداخل من أجل رؤية عمياء لابن سلمان؟

كان تعاطيه مع كندا قد أعاد فتح الأسئلة حول طموحه الشبابي، ومزاجه، وقدرته على تحقيق أهدافه، فربما كان آخر ما كشف عنه أن تمويل خطط الإصلاح الكبرى لديه هي عرضة للفشل ويمكن أن تزعزع سيطرته على السعودية.

لقد أفشل ابن سلمان ثقة المستثمرين العام الماضي حين قام باعتقال عدة مئات من كبار رجال الاعمال بتهمة الفساد. أحد المصرفيين السعوديين الذي التقى روبرتسون بهم في سويسرا في ذلك الوقت أخبره بأن قلة من السعوديين الذين عرفهم يستثمرون في بلدهم.

يقول المسؤولون السعوديون إنهم كانوا دائماً يخططون لتأخير طرح أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام الى حين تناسب احتياجاتهم على أفضل وجه، وهي دالة على العديد من العوامل بما في ذلك أسواق النفط.

على السمت نفسه، كتب مصطفى الفيتوري في موقع (ميدل إيست مونيتور) في 29 أغسطس الماضي، وكان عنوانه خلاصة قراءة لتجربة ابن سلمان في السنوات الثلاث الماضية، وأن كل ما فعله لبلاده، وهو كثير، مجموعة من الأخطاء الفادحة.

ابن سلمان.. كتلة من الأخطاء والخطايا!

يقول الفيتوري بأنه قد أصبحت دمغة واضحة في شخصية ابن سلمان أنه شاب «في عجلة من أمره»، ليس فقط لناحية تعزيز سلطته الداخلية، كملك ينتظر دوره، ولكن أيضاً لوضع بصمته على السياسة الخارجية المملّة.

جاء التغيير بسرعة عندما حصل على موقعه في يونيو 2017. إن إبن سلمان في عجلة من أمره لأسباب عديدة، ليس أقلّها أنّه يجب أن يترك بصمته على المملكة السعودية حتى يصبح ملكاً. ليس مختلفاً فحسب، بل أيضاً قائد رؤية قادر على البدء في إعادة تشكيل دولة ما، والتي لا تزال تعمل وفقاً لنظام قديم، مع قدر ضئيل من القدرة الإدارية والاعتماد الشديد على الثروة النفطية. ويبدو أنه يسعى إلى إعادة وضع المملكة كشريك استراتيجي موثوق به للولايات المتحدة ولاعب إقليمي مهم وقوي. ومع ذلك، لم يحقق نجاحاً كبيراً حتى الآن فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

ويمضي فيتوري: في هذا الصدد، لم يتغيّر الكثير باستثناء الصفقات التجارية التي تزيد قيمتها عن 500 مليار دولار في عقود قصيرة الأجل، ومعاهدات عسكرية طويلة الأمد موقعة مع الرئيس دونالد ترامب عندما زار الرياض في مايو من العام الماضي. حتى قبل تعيينه رسمياً ولياً للعهد، حاول إبن سلمان إبراز السياسة الخارجية للمملكة كعنصر أساسي لسياسة الولايات المتحدة الأوسع في الشرق الأوسط، مستفيداً من حقيقة أن زيارة الرئيس الأمريكي الجديد إلى الرياض كانت أول رحلة رسمية له خارج أمريكا الشمالية.

ونظراً لمباركة أمريكا لجهودها لتكون لاعباً إقليمياً، فقد رتّبت السعودية لدعوة رؤساء عشرات من الدول الإسلامية لسماع خطاب ترامب حول مكافحة الإرهاب ضمن السياق الأوسع تحديداً في قمة عالمية بين الولايات المتحدة والمسلمين. حقق إبن سلمان بعض النجاح في إبراز المملكة السعودية كشريك لمكافحة الإرهاب بعد أن واجه انتقادات شديدة من الولايات المتحدة بأنها لم تفعل ما يكفي لإضفاء طابع معتدل وتحديث رسالتها الإسلامية الرسمية.

ويخلص فيتوري: بخلاف ذلك، يبدو أن كل خطوة أخرى في السياسة الخارجية قد حققت نتائج عكسية، أو على الأقل فشلت في تحقيق النجاح الذي يبرر الاستثمار السياسي والمالي الهائل فيه. لا تزال المملكة السعودية بقيادة إبن سلمان تشارك في الحرب في اليمن مع احتمال ضئيل لتحقيق أي أهداف حقيقية. أخذت المملكة، بمساعدة الولايات المتحدة، شركاءها في الخليج للقتال في اليمن بهدف واحد، ألا وهو إعادة تشكيل حكومة عبد ربه منصور هادي في البلد الفقير بعد نفيها من قبل المتمردين الحوثيين الذين تتهمهم السعودية بأنهم عملاء إيرانيون.. وقد قدّم إبن سلمان القليل من الأدلة لدعم دعواه.

ويشرح الكاتب: عندما بدأ التحالف الذي تقوده السعودية غاراته الجوية قبل ثلاث سنوات، كان الهدف هو كسر الحوثيين بسرعة واستئناف هادي رئاسته في العاصمة صنعاء، وبالتالي إنهاء نفوذ إيران. بعد ثلاث سنوات، لم تعد الحرب تقتصر على الأراضي اليمنية، فهاهي مدن جنوب السعودية تتعرض للهجوم بشكل متزايد، ولن يعود هادي إلى اليمن في أي وقت قريب، ناهيك عن العاصمة. علاوة على ذلك، فإن الحرب، مع خسائرها المدنية الكبيرة، أصبحت كارثة هائلة للعلاقات العامة والإنسانية، في حين أن إيران لا تزال تعزّز موقعها في المنطقة.

لكن أكبر فوضى في السياسة الخارجية للمملكة هي الصراع في سوريا. لقد استثمرت المملكة السعودية بكثافة، سياسياً ومالياً، في دعم الجماعات المتمرّدة المختلفة، ولكن بعد ثماني سنوات وجدت نفسها تدعم الجماعات الإرهابية التي هزمها الجيش السوري وحلفاؤه، روسيا وحزب الله اللبناني. لإنقاذ الوجه، لم يكن أمام المملكة السعودية من خيار سوى الانضمام إلى طابور طويل من البلدان التي تدعو إلى تسوية سياسية في سوريا بعد فشلها في النجاح في الهدف الأول بإسقاط الرئيس بشار الأسد بالقوة.

ويرى مصطفى فيتوري ان خسائر السعودية ابعد من اليمن وسوريا، ففي لبنان، حدّد إبن سلمان حزب الله بأنه جماعة شيعية أخرى مدعومة من إيران، مستخدماً نفوذه على رئيس الوزراء الضعيف، سعد الحريري، الذي يحمل الجنسيتين السعودية - اللبنانية، في محاولة لإخراج حزب الله من الحكومة وإعلانه المجموعة بكونها منظمة إرهابية. إلا أن ذلك كان له نتائج عكسية عندما حقّق حزب الله المزيد من المكاسب السياسية في انتخابات مايو الماضي، والآن أصبح لديه مقاعد برلمانية أكثر من ذي قبل على حساب حزب المستقبل. حزب الله هو الآن صانع ملوك، يجب على الحريري أن يتواصل معه إذا ما أراد تشكيل حكومة في بيروت. كانت هذه هزيمة أخرى لهدف ابن سلمان المعلن في الحد من نفوذ إيران.

ويتوقع الكاتب فيتوري: إنها فقط مسألة وقت قبل أن يتم الإطاحة بابن سلمان: وأي خطأ آخر في السياسة الخارجية من قبل ولي العهد السعودي يبقى مقاطعة قطر، التي كانت ذات يوم حليفاً للرياض، التي ما زالت مستمرة منذ يونيو من العام الماضي، عندما اتهمت الرياض الدوحة لدعم الإرهاب في المنطقة. أجبر هذا حكومة قطر على التقارب مع كل من أنقرة وطهران، وكلاهما من المنافسين التقليديين للمملكة السعودية. قطر الآن شريك تجاري وعسكري نشط مع تركيا وإيران. هناك، على سبيل المثال، قوّات تركية متمركزة في الدوحة.

وبشأن نتائج مواجهة قطر، يقول فيتوري بأن الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وتركيا، والولايات المتحدة وإيران، دفعت العملاقين الإقليميين إلى التقارب أكثر من أي وقت مضى، ولم تستطع الدوحة إيجاد حلفاء أفضل من اثنين من أكثر المنافسين طموحاً للرياض. وهذا أمر صعب بالنسبة للمراقب الحصيف للسياسة الخارجية السعودية، لتحديد أي مبادرة ناجحة قامت بها المملكة والتي ساعدت في الواقع نفوذها الإقليمي الأوسع ناهيك عن كبح هيمنة إيران المتزايدة. حتى إن سعادة بن سلمان الواضحة بشأن الانسحاب الأمريكي من الصفقة النووية الإيرانية لا يبدو أنها جلبت أي فوائد ملموسة للرياض. قد يتسبب هذا في بعض الصعوبات الاقتصادية التي تواجه إيران، لكن علينا أن نتذكر أن الانسحاب الأمريكي لم يحدث بسبب الضغط السعودي، وإنما كوعود داخلية صادرة عن إدارة ترامب قبل انتقاله إلى البيت الأبيض بوقت طويل.

وعلاوة على ذلك، فإن الدول الأخرى الموقّعة على الاتفاق النووي الإيراني، بما في ذلك روسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، لا تزال تلتزم بشروطها اعتقاداً منها بأنها أفضل المتاح. على أي حال، فإن الاقتصاد الإيراني اعتاد على فرض عقوبات اقتصادية قاسية لعقود، وهذه المرة ليست استثناء. في الواقع، كان صانعو السياسة الإيرانيون جيدين في مواجهة التحرّكات الاقتصادية والسياسية الأمريكية العدوانية. لذا، فإن محمد بن سلمان حتى الآن فشل في كل جانب من جوانب أهداف سياسته الخارجية المعلنة. إن هوسه بإيران كعدو رئيسي في المنطقة يجعله أقرب إلى العدو الإقليمي الحقيقي، أي إسرائيل. هذه هي العلاقة التي ستثبت أنها أكبر خطأ في السياسة الخارجية يمكن أن يقوم بها الأمير الشاب.

لم تختلف مقاربة سيمون هندرسون في مقالته عن السياسات المحيّرة لابن سلمان والتي نشرها في موقع (معهد واشنطن) المقرّب من الكيان الإسرائيلي.

ما يمكن أن نخلص اليه من العرض السابق، أن سلمان لم يكن خارج صورة ما يجري في المملكة، وأن الفشل الذي طبع كل تحرّكات نجله، ولي العهد، ليس مقتصراً عليه بل يتحمّل الملك نفسه مسؤوليته أيضاً، حتى وإن أراد إيهام الرأي العام بأن الأمر ليس كذلك، خصوصاً بالنسبة لشخص اعتاد أن يدير الأمور بصورة صارمة ومباشرة وتفصيلية. في كل الأحوال، أن الفشل هو سمة هذا العهد منذ بدايته، وإن اللامألوف في العهد منذ بدايته لم يمنحه ميزة، ولم يضف له مكسباً، بل على العكس كان ذلك وبالاً على البلاد والعباد.

الصفحة السابقة