ما بعد صعود عبدالله لسدة الملك

صراع الأمراء.. مشكلة تم تجاوزها أم معركة بانتظار الحسم

ركّزت وسائل الإعلام المحلية على أن الحكم انتقل بسهولة وسلاسة وهدوء الى الملك عبد الله، وكأن انتقال السلطة الهادئ ـ كما عبّر عنه ـ يضيف حسب وجهة نظرهم شرعية لنظام الحكم نفسه، ويمنحه الثقة من قبل الجمهور، دونما نظر او اعتبار لطبيعة الحكم الملكي الوراثي المخالف لشرع الله والمتعارض مع أبسط مفاهيم السياسة الحديثة. إن انتقال السلطة، سواء كان بهدوء أو بغيره، لا يغير الموقف من أصل النظام نفسه، ولا من تركيبته. وهناك أنظمة عديدة انتقلت فيها السلطة بهدوء أيضاً، وبينها أنظمة ملكية (المغرب والأردن والبحرين) ولكن هذه الأنظمة رغم اتفاقها مع النظام السعودي في طبيعته الأبوية الوراثية، إلا أنها تختلف عنه في حقيقة ان مصادر شرعيتها متعددة، وإن كانت غير مكتملة الشرعية.

كأن الأمراء يقولون لنا بأن الحكم انتقل بهدوء وبدون دم! ولكن من هو الذي يعكّر انتقال السلطة بهدوء وسلاسة؟ هل هو الجمهور، الشعب، المعارضون، الأميركيون؟!

كلا..

فمن يهدّد بانتقال عنيف للسلطة هم الأمراء أنفسهم، وليس من قبل أحد من خارج محيطهم وأسوارهم.

ولقد شهد تاريخ آل سعود بأن انتقال السلطة لم يكن هادئاً في أكثر الأحوال. والسبب يعود الى عدم وجود قانون واضح ومفصّل للتوارث، الأمر الذي يدفع بكل واحد من الأمراء للإدعاء بأن من حقه الوصول الى الحكم ولو بالقوة ـ إن امتلكها بالطبع!

قبل ان يموت الملك عبد العزيز كان مدركاً للصراع بين إبنائه على الحكم، خاصة بين سعود وفيصل. وفي الطائف، وحسب ما ينقل الزركلي، فإنه قال لهما: سعود.. أخوك فيصل! فيصل.. أخوك سعود!

بعد خمس سنوات فقط اشتعل الخلاف، ثم تكرر عام 1960 ثم عام 1962، الى أن أقيل سعود وطرد من المملكة هو وعدد من أبنائه عام 1964م، وبقي في المنفى (اليونان) حتى وفاته عام 1968، وطيلة هذه الفترة كان دائب العمل للعودة الى الحكم ولو بالقوة.

أما فيصل فمعلوم أنه قتل هو الآخر في عملية انتقال (هادئ جداً!) للسلطة. قيل أن الملك فهد تواطأ مع الأميركيين على مقتله، وأن الأمير سلمان ـ أمير الرياض ـ كان هو الآخر متواطئاً في الأمر، وظهر كأنه هو المستجوب الوحيد لقاتل الملك.

بالنسبة للملك خالد، كان هناك حديث عن (احتمال) تسممه، وقيل أن ابنه الأكبر طلب التحقيق وتشريح الجثة، وأن سعود الفيصل حينها شتمه وهدده.

الآن مات الملك فهد، في حين وقف الوارثون شاهرين أسلحتهم لتأمين كراسيهم ومواقعهم.

الأمر الوحيد الذي اتفقوا عليه هو ما أُعلن عنه: أن يكون عبدالله ملكا، وسلطان ولياً لعهده.

عدا عن ذاك لا شيء حُسم، لا من جهة النائب الثاني ولا الوزراء، ولا إمارات المناطق، ولا حتى المحافظات التي يصرّ الجناح السديري على التدخل فيها. فضلاً عن قسمة الأموال وحصص النفط لكل أمير وأميره!

المشكلة ليست في وصول ملك (على الأرجح ضعيف) بل في وصول طبقة حاكمة جديدة، تعوّض ضعف الملك عبدالله. فالأخير لا يسعى الى كرسي الملك فقط، وانما يريد محازيبه ان يصلوا الى هرم السلطة.. ان يكافأهم على دعمهم ومساندتهم، وأن يزيح آخرين محسوبين على السديريين السبعة، فالخلاف حول مراكز الدرجة الثانية، والمراتب التي ستعطى لطبقة جديدة من الأمراء حرمت من السلطة مع وصول الملك فيصل الى السلطة في الثمانينات الهجرية.

أما السيديريون فيريدون ملكاً فقط، ملكاً بالضرورة ضعيفاً أمام عصبتهم، وليس طبقة حاكمة جديدة تحل محلّهم أو تضعف مركزهم، بحيث يتمكنون من ممارسة نفس السياسات بنفس الوجوه، عدا تغيير شكل الملك، الذي هو في مثل هذه الظروف سيكون ضعيفاً وحيداً بين مجموعة متراصة ذات خبرة متراكمة.

أما وجهة النظر المقابلة، فهي تقول أن ولي العهد إنما حافظ على مركزه في ولاية العهد الى أن وصل بعد لأي الى كرسي الحكم، إنما جاء بدعم من الأمراء المبعدين من أبناء الملك عبد العزيز وحفدته، والذين يعتقدون بأنهم حرموا من حقهم في السلطة ردحاً من الزمن، بسبب استئثار السديريين بالحكم. ولذا فإن عبد الله يخشى بأن يهمّش حتى مع الإقرار بأنه الملك، ما لم يكن مدعوماً من طبقة الأمراء من اخوته غير الأشقاء وغيرهم، كما أنه يشعر بالدين المستحق عليه لإولئك الأمراء الذين وقفوا معه أثناء المحنة حتى مرت الفترة الماضية بسلام.

ويبدو أن عبدالله ـ الملك الآن ـ كان قد سعى في الفترة الماضي لتشكيل طبقة من الأمراء متبلورة تسنده ومن ثمّ تستلم السلطة أو على الأقل بإمكانها أن تتفاوض مع الجناح السديري من موقع قوة. ولكن لا يبدو من الواضح أنه نجح في ذلك، إذ لم يتبيّن أنه كسب شخصيات قوية الى صفّه. وهناك من يعتقد بأن مرحلة الصراع قد بدأت بموت الملك فهد وليس قبله، وأننا في قادم الأسابيع سنرى تمايزاً واضحاً بين المعسكرين: معسكر الأمير عبد الله ومعسكر خصومه السديريين. الآن، وبعد أن صار ملكاً، بإمكانه العمل بحريّة في جلب من يريد الى صفّه، وفي هذه الفترة بالذات وبعد أن صار ملكاً، لم يعد الأمراء الضعاف يخافون على مكانتهم وإمكانتهم من الإنضمام الى الشخصية الأولى في الدولة والعائلة المالكة (رسمياً على الأقل)!

وهكذا فإن المعركة بالكاد قد بدأت، ولم تنته بانتقال السلطة (الهادئ!) الى عبد الله، فقد يتحوّل الى عاصف بل شديد العصف!

الرأي القائل بأن الإنتقال الهادئ للسلطة يعكس إجماعاً داخل العائلة المالكة لن يؤدي ـ بسببه ـ الى تغييرات هيكلية في سياسات الدولة ورموزها، وبالتالي لن يحدث التغيير الإصلاحي المنشود في مجاليه السياسي والإقتصادي.. هذا الرأي يقابله رأي آخر، يفترض أن معركة الخلافة والصراع على السلطة لم تحسم بعد، وبالتالي فإن آفاق الصراع مفتوحة حتى مع رضوخ الجناح السديري، وقد تستمر الى آخر ولاية عبدالله، أي الى أن يموت.. وبناء على ذلك، فإن الصراع غير المحسوم والذي قد يكون ناتجاً عن تكافؤ القوى، إما أن يولّد تجميداً للإصلاحات السياسية، وإمّا أن يؤدي الى إشراك الجمهور فيه، رغم أن ذلك غير محبّذ لدى الأمراء، بما يفسح المجال لتغيير سياسي من نوع ما.

الصفحة السابقة