آفاق الحسم العسكري والحل السياسي

السعودية ومستنقع الحرب

خالد شبكشي

الحرب التي تشنها السعودية ضد اليمن، يمكن وصفها بأنها مستنقع يصعب ـ وليس يستحيل ـ الخروج منه.

وهي حرب رمال متحركة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

هي حرب لا يمكن حسمها عسكرياً. هكذا قال الخبراء، وهكذا قال المتحدث باسم الخارجية الأميركي، وهكذا يقول الحوثيون الأقوياء على الأرض. وما يعزز هذا الرأي، ضعف الجيش السعودي، مفتقر الإرادة والحماسة لحرب هي ليست حربه، وهو الضعيف في الخبرة والتجربة القتالية، بحيث يمكن القول بأن الجيش السعودي المدجج بأرقى أنواع تكنولوجيا السلاح، لن تصنع له انتصاراً، ولا يمكنه استخدامها كلّها، عدا سلاح الجو والمدفعية التي تضرب من بعيد.

الحرب تحسم في الميدان البرّي. والأمراء السعوديون مترددون في تبني الحرب البرية بعد تجاربهم الفاشلة في الإقتحام البري، ولذا تظهر تصريحات متناقضة بين الحين والاخر. فقد نقل قائد الجيش الفعلي، الأمير خالد بن سلطان أمراً من الملك بأن (لا تدخلوا شبراً في اليمن). ثم جاء من تحدث وقال بأن الحرب لن تتوقف حتى يبتعد الحوثيون (وبالضرورة أهلوهم) عشرات الكيلومترات داخل الحدود اليمنية، وهذا لا يتم إلا بمعركة بريّة، بعد أن رفض الحوثيون مجرد التفكير في الأمر. ثم ظهرت تصريحات تقول بأن السعودية تريد ان تقيم منطقة عازلة، مع انها غير القادرة على ضبط حدودها أمام المتسللين من اليمنيين المهربين أو الباحثين عن العمل، فكيف بها أن تدير منطقة تحتلها برياً على غرار احتلال الشريط الحدودي اللبناني من قبل الجيش الإسرائيلي؟ ثم جاء تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية منسوب لمصدر سعودي لم يكشف عن اسمه، بأن السعودية لن تدخل الأراضي اليمنية، منعاً لإثارة روح البغضاء مع اليمنيين (اي ما تثيره الحرب لدى اليمنيين ضد المعتدي وهو السعودية وتحولها الى حرب وطنية).

لم يحسم الأمراء أمرهم بعد، وهم اكتفوا بالأمور السهلة، التي لا تجلب نصراً ألبتة، ولا يبدو أنها ستؤثر كثيراً على الميزان العسكري على الأرض. ونقصد بالأمور السهلة: القصف بالطيران، إذ لا منافس في هذا الأمر ولا مقاومة كبيرة تذكر من قبل الحوثيين. وهناك المدفعية البعيدة التي تقصف المدن والقرى اليمنية، وأيضاً ما سمي بالحصار البحري على موانئ يمنية قال السعوديون أنها لمنع تهريب السلاح الى الحوثيين. لاحظ هنا أن السعودية تتصرف مع اليمن بتشابه غريب مع تصرف اسرائيل تجاه لبنان!

لو كان القصف الجوي يحل الأمر لحله سلاح جو شاويش صنعاء، الذي استقدم الطيارين البعثيين لقصف مواطنيه، بعد أن تأكد له من الحروب الخمس السابقة أن الطيارين اليمنيين كانوا يلقون بقنابلهم بعيداً عن المناطق المدنية، أما البعثيون فهم من قصف سوق صعدة في رمضان الماضي، وهم من قصف النازحين في إحدى مديريات الجنوب. هؤلاء لا دين لهم إلا جيوبهم، مجرد مرتزقة.

السعودية لا تستطيع ان تتوسع في قصف المدنيين بالطيران، وهي وإن فعلت ذلك، فإنها قامت به بشكل محدود وخسائره رغم ارتفاعها بين المدنيين، إلا أنها لا تستطيع أن تفعل ما فعلته اسرائيل في الضاحية الجنوبية مثلاً، وذلك لأسباب تتعلق بردة الفعل الشعبية اليمنية والعالمية، كما أن حرب الطيران غير فاعلة ضد المقاتلين الحوثيين، وبالتالي فإن سلاح الطيران لا يؤثر كثيراً على المعارك، وإن سبب مشاكل كبيرة للمدنيين.

ذات الكلام يقال بالنسبة لسلاح المدفعية ودقّة اهدافه (إن كان لدى السعوديين معلومات استخبارية وبنك من الأهداف، وهذا مشكوك فيه أصلاً). وأما السلاح البحري المطوق للموانئ اليمنية الشمالية، فهذا مجرد حرب دعائية، هدفها توجيه الرأي العام العربي الى أن هناك من يزود الحوثيين بالسلاح من الخارج، والإيحاء بأنهم مجرد زمرة عميلة مرتزقة.

لا تعرف السعودية وقد دخلت الحرب مديات أهدافها بالضبط، ولا استقرّت على رأي بشأن الدخول البرّي المكثّف في الأراضي اليمنية، ولا الأهداف التي أعلنت عنها (المنطقة العازلة، والتراجع عشرات الكيلومترات) يمكن تحقيقها على ارض الواقع. وبالتالي فإن السعودية أمام خيارين:

الخيار الأول، البقاء على وضعها العسكري الحالي عند حدودها مع تواصل قصف الطيران والمدفعية ومحاصرة من البحر. وهذا لا يحسم المعركة، ولكنه قد يجرّ الحوثيين الى الردّ على الهجوم السعودي المتواصل، ونقل المعركة الى حيث منطقة جازان السعودية. وإذا حدث هذا، لا بد أن تدخل السعودية الحرب البريّة. قد يتجاهل الحوثيون الضربات الجوية السعودية إن كانت الخسائر قليلة، أما في حال تصاعد تلك الخسائر بين المدنيين اليمنيين، فإن المرجح قيامهم بمهاجمة القوات السعودية الرابضة عند الحدود. وحينها من البديهي ان تدور المعارك البرية بصورة من الصور وتتوسع وقد تأخذ ابعاداً أكثر خطورة.

الخيار الثاني، أن تبادر السعودية الآن بالحرب البريّة، وهو ما يريده خالد بن سلطان، وقد جرب ابتداءً ذلك، فكان أسر بضعة جنود سعوديين وقتل آخرين في اختبار لما يمكن أن تكون عليه الحرب المقبلة. فإن لم تكتف السعودية بهذا الدرس، ولا دروس الجيوش من قبلها، وواصلت الحرب البرية، أو حتى لو توقفت ضمن الخيار الأول الذي يمكن أن يؤدي الى الخيار الثاني، فإن نتائج الحرب البريّة ستكون غير حاسمة لصالح السعودية وحكومة صنعاء في حال حققتا نتائج ايجابية. ولكن الواقع اليوم يقول أنه من شبه المؤكد أن السعودية ستخسر الحرب البرية، وستكون مكلفة للغاية من الناحية البشرية، كما أنها مكلفة سياسياً للسعودية على الصعيد المحلي: فماذا ستقول السعودية لشعبها إن هي هزمت أمام (فئة أو حثالة أو جماعة متمردة) كما يقول إعلامها؟!

حتى الآن، فإن السعودية صارت مكشوفة عسكرياً وإعلامياً وسياسياً، وكأنها تقاد الى حتفها، الى حيث خسارتها التي لا يمكن ترقيعها. وفعلاً كما قال عبدالباري عطوان، فإن الحرب السعودية الحالية هي أخطر حرب واجهتها في تاريخها. وحين تخسر السعودية المعركة على جبال اليمن، فإن لذلك ارتدادات على الوضع المحلي: سقوط لهيبة النظام بحيث سيتجرّأ المواطنون عليه، وسقوط لشرعيته، وسقوط لمكانة السعودية الإقليمية والدولية، وكذا الخليجية.

السعودية تدرك اليوم أن القلّة من المواطنين والعرب والمسلمين تفاعلوا مع مشروعها للحرب. وهي تدرك أن خسارتها أمام الحوثيين تعني انهيار السدود أمام القاعدة لتتوسع وتعمل في السعودية. وهذا ما يقلق الأمير نايف، وزير الداخلية، حسب بعض الأنباء. سيزداد الإضطراب الداخلي وعدم الإستقرار السياسي داخل السعودية إن طالت الحرب، أو إن خسرتها. ولذا أمام السعودية اليوم فرصة أن توقف آلتها العسكرية وطائراتها ومدفعيتها، حتى وإن عنى ذلك خسارة في بعض سمعتها ومكانتها وتراجعاً عن أهدافها، فهذا أفضل من المضي قدماً الى نتائج معروفة ومحسومة سلفاً.

وعلى الصعيد اليمني، فإنه لن تكون هناك حربا أخرى، حرب سابعة مثلاً. هذه الحرب شقّت المجتمع اليمني بين معارض لاعتداء السعودية ـ وهم الأكثرية ـ وبين مؤيد لها، وهم الأقلية وبينهم زمرة علي عبدالله صالح وضباطه المنتفعون من الحرب. لم تعد الحرب حوثية مع السلطة المركزية، لقد تحول اتجاهها، وبالتالي، فإن مكانة السعودية التي بنتها بشق الأنفس في اليمن، والنفوذ الذي حافظت عليه منذ اربعة عقود، قابل للتبدد في أية لحظة، في حال تغيّر مناخ السياسة اليمنية أو أُطيح بعلي عبدالله صالح.

التدخّل السعودي العسكري المباشر في الحرب اليمنية لا يقدّم ـ عكس ما يعتقده الكثيرون ـ خدمة لشاويش صنعاء، وإن حسب هذا الأخير أن ذلك يفيده، ويرفع عنه أعباءها. والسبب ليس في تحول وجهتها ضد السعودية وضدّه، وإنما لأن هذه الحرب هي آخر الحروب وآخر سهم في جعبة الرئيس اليمني. لماذا نقول أنها آخر الحروب؟ لأن نتائج هذه الحرب (السادسة) لن تكون في صالح علي عبدالله صالح، فهي من جهة قصّرت من عمرها، بسبب دخول السعودية طرفاً فيها، ولأنها حرب كبيرة فنتائجها ستكون حاسمة، في الميدانين العسكري والسياسي، أي أنها وصلت الى مرحلة كسر العظم، والأقرب هو أن عظم علي عبدالله صالح وحليفه السعودي سينكسران.

والحرب بقدر ما شقت المجتمع اليمني وغيرت توجهه، فإنها فضحت النظام اليمني وعجزه، ما دفعه بخبث الى توسعتها إقليمياً ودولياً، ولكن التوسعة قد ترتد عليه وبالاً، فيطالب بالتنحّي لفشله في إدارة المعركة. وبالقدر ذاته، فإن الجيش اليمني نفسه، الذي صار سخرية لشعبه، مرشح للإنشقاق بسبب التدخل السعودي نفسه، والإصطفافات المذهبية التي أفرزها. فالسعودية لم تخض حرباً عسكرية ضد الحوثيين فحسب، بل تخوض ايضاً حرباً مذهبياً مرافقة لها، وحرباً على الصعيد الإقليمي أيضاً، أو هذا ما تريد أن تبشر به. ولذا فالجيش اليمني المهان شعبياً بسبب حروبه الخمس الفاشلة، وفشله في السادسة قبل وبعد دخول السعودية فيها، قد يفرز انقلاباً عسكرياً كما علمتنا الحروب، فالجيوش الخاسرة هي التي تقود الإنقلابات، مثلما حدث في أول انقلاب عسكري عربي (انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949م بعد حرب النكبة في فلسطين، ومثلما حدث في انقلابي مصر والعراق 1952 و 1958). الجيوش المهزومة والمهانة من حكامها تمثل خطراً على أنظمة الحكم الفاشلة.

إذن ما هو المخرج الأقل كلفة للجميع؟

الحل في الحل السلمي بوساطة دولة غنية تموّل الإتفاق (قطر او من يناظرها غير السعودية). هذا الحل يحفظ ماء وجه النظامين في صنعاء والرياض، ويعيد ترتيب البيت اليمني ويحل واحدة من المشاكل وتبقى مشكلة الجنوب. لكن هذا الحل لا تريده السعودية ولا علي عبدالله صالح. على الأقل هذا الأخير صرّح بذلك علناً، في حين أن السعودية تلتقط كل دعوات الحوار والصلح الحوثية وتحولها الى قراءة عسكرية تفيد باقتراب انكسارهم، وفي هذه القراءة ضلال وتضليل. فضلاً عن أن السعودية لا تريد أن تمنح قطر أو حتى غيرها مكانة كبيرة.

نعم، ظهرت مقولات غير رسمية حتى الآن تكشف عن حقيقة أن الرياض وصنعاء مقتنعتان بعدم قدرة الحرب على حسم الأمور. ولكن العاصمتين تعتقدان بأن الحوثيين قد نجحوا حتى الآن في تمريغ سمعتهما العسكرية والسياسية والإعلامية في التراب، وبالتالي لا بدّ من انتصار يعيد هيبة الدولة اليمنية المترنّحة، وهيبة السعودية المتآكلة من أطرافها كافة (لبنان، العراق، أفغانستان، فلسطين والآن اليمن) قبل الشروع في التفاوض. بمعنى آخر، أن الحوثيين لم يطلبوا حتى الآن جزءً من كعكة السلطة، وكل أهدافهم متواضعة للغاية بالقياس الى حجمهم العسكري والشعبي، وهو ما يعلمه مسؤولو صنعاء والرياض، ولكن الأخيرتين تريدان لي ذراع الحوثيين وكسرهم قبل ان تستجيبا لهم بالفتات.

قد تؤدي هذه السياسة، والأكيد انها ستؤدي ان استمرت الحرب، الى عكس ذلك تماماً: مطالب سياسية ضخمة من الحوثيين، مبنية على أساس انكسار عسكري وسياسي للمعتدين.

الصفحة السابقة