دولة سعودائيل

مع أول طلعة جويّة للطائرات الحربية السعودية لقصف مواقع الحوثيين في اليمن، إنبعث مشهد العدوان الاسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وكأن معدّي السيناريو في الحربين يمثّلون فريقاً استراتيجياَ واحداً. ذات التكتيكات العسكرية، والبيانات، والأهداف، بل وحتى الخطاب الاعلامي كان متطابقاً إلى حد كبير بين الحادثين..

خلف الفيضان الإعلامي السعودي تكمن حقائق لافتة، فقرار آل سعود خوض الحرب ضد اليمن، لإنقاذ نظام صنعاء من السقوط، كان على خلفية ذريعة واهية: منع تسلل المقاتلين الحوثيين الى الأرا ضي السعودية، بما يشبه ذريعة الاسرائيليين في عدوانهم على لبنان في تموز 2006، أي وقف إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان. وتبيّن من الوثائق التي حصلت عليها الجماعة الحوثية من الجنود السعوديين الذين وقعوا في أسر الحوثيين بأن قرار الحرب معدّ قبل ذلك بشهور، أنبأت عنه عمليات الإخلاء واسعة النطاق لعشرات القرى الحدودية، والتجهيزات العسكرية الضخمة على تخوم مناطق التوتر في الجنوب.

ليس التطابق بين المقاربتين السعودية والإسرائيلية مقتصراً على عدم تكافؤ القوة بين طرفي المواجهة فحسب، بل ثمة مشتركات أخرى أشد ظهوراً من بينها:

ـ الغطرسة الخاوية: وكما هو حال تصريحات القيادات السياسية والعسكرية الاسرائيلية بحسم الحرب ضد المقاومة اللبنانية في غضون ساعات، واستبدّت الغطرسة برئيس الأركان في الجيش الاسرائيلي دان حالوتس للقول بأنه سيعيد لبنان عشرين سنة الى الوراء، فيما تحدّثت تقارير أخرى عن اقتياد قيادات المقاومة الى معسكرات اعتقال أعدّت خصيصاً في شمال فلسطين المحتلة، ولكن مالبث أن تراجع منسوب التوقّعات العسكرية، وتبخّرت تدريجاً آمال القادة السياسيين والعسكريين الاسرائيليين.. ونسجت الغطرسة السعودية على ذات المنوال، فأطلق مصدر مسؤول سعودي (شبيه بندر بن سلطان) تصريحاً في اليوم الأول لحربها الجوية على شمال صعدة بأن (من المحتمل أن تشن القوات السعودية هجوماً أرضياً "لتطهير" معاقل الحوثيين في شمال اليمن بالتنسيق مع السلطات اليمنية). وكان التصريح بمثابة فضيحة، ليس كونه يكشف عن غطرسة خاوية فحسب، وإنما يكشف عن إعلان صريح باختراق السيادة اليمنية، وإقرار لا لبس فيه بالتدخل العسكري المباشر في حرب اليمن، علاوة على تجاوز الهدف المعلن للحرب: وقف المتسللين الى الأراضي السعودية.

لم تطل نشوة الغطرسة السعودية، فقد خفّفت القيادة العسكرية من (بنك الأهداف) المرسومة للحرب، واكتفت بمنع المتسللين، بعد أن واجهت القوات القادمة من الشمال مقاومة شرسة، ذهلت الجنود السعوديين ودفعت بهم للهرب من ميدان القتال غير المبرر، فيما ترك آخرون عرباتهم وأسلحتهم في أرض المعركة، ووقع عدد آخر في الأسر..

ما لفت الانتباه أيضاً، تصريح الجنرال خالد بن سلطان، مساعد وزير الدفاع، والمرشّح في حال فوزه في جولات الحرب أن يرث وزارة الدفاع من أبيه، بما نصّه (لن نوقف ضرب الحوثيين حتى تراجعهم عشرات الكيلومترات داخل الأراضي اليمنية). وبعيداً عن معرفة الأمير الجنرال بالجغرافيا اليمنية، حيث أن التراجع عشرات الكيلومترات يعني التهجير القسري من صعدة وعمران وماحولهما لعشرات الآلاف من البشر، نقول بعيداً عن تلك المعرفة الضئيلة، إلا أنها تذكّرنا بتصريحات الإسرائيليين بتراجع مقاتلي حزب الله الى مابعد نهر الليطاني. ولكن ما جرى في الميدان جاء خلاف رغبة ليس الاسرائيليين فحسب، بل وحتى المجتمع الدولي برمّته بقيادة الولايات المتحدة، لأن تراجع المقاومة اللبنانية يعني تهجير جماعي للسكان في جنوب لبنان، والحال ذاته ينطبق على الحوثيين في شمال اليمن. الحقيقة المجهولة لدى أولئك وهؤلاء أن المقاومة في اليمن، كما في لبنان، متجذّرة في مجتمعاتها، وليس تنظيماً عسكرياً معزولاً، فكل فرد في هذه المجتمعات مقاوم بالقوة.

ـ الدعاية الخاوية: رغم أن العدوان على لبنان في صيف 2006 كان بين طرف عربي وآخر إسرائيلي معتدي، إلا أن السعودية، ولسبب ما معروف، وجدت نفسها معنيّة بصورة مباشرة لتبرير العدوان الاسرائيلي على لبنان. ومن اللافت، أن الإعلام السعودي وحده كان مشغولاً ببعث رميم الطائفية لتظهير موقفه من المقاومة في لبنان، ممثلة في حزب الله، في غياب أسباب وجيهة لكل ذلك، اللّهم إلا أن يكون الرأسمال المودع في (بنك الأهداف) الإسرائيلية بمساهمة مشتركة سعودية ـ اسرائيلية. واللافت أيضاً في الاعلام السعودي في حرب تموز، أنه جرى استحضار العنصر الإيراني بهدف خلط الأوراق، بغرض (التجهيل) بأهداف العدوان الاسرائيلي. وقالوا حينذاك بأن عناصر من الحرس الثوري الايراني تقاتل الى جانب حزب الله، وبلغ الجنوح الدعائي الى حد الإعلان عن وقوع عناصر قتالية إيرانية في الأسر من قبل القوات الاسرائيلية.

ولعب الإعلام السعودي الدور ذاته في حرب اليمن، فقد تم تحضير إيران على الفور ورُكّبت مشاهد الضلوع الإيراني في دعم الحوثيين، تمويلاً تارة، وتدريباً أخرى، وإدارة ثالثة، والحبل على الجرار..ومن فكاهة هذه الحرب، كأختها على لبنان، حين ينكسر الهدف الكبير تحمّل جهات خارجية السبب، على غرار زعم مشاركة أفراد من جنسيات غير يمنية مع الحوثيين في الحرب، وحين يقال غير يمنية، يعني شيعية إيرانية ولبنانية وربما خليجية، بعد أن تم استبعاد القاعدة (خصوصاً بعد بيانها الأمين طائفياً وسعودياً في 10 نوفمبر).

لم تحد السعودية عن الرؤية العسكرية الاسرائيلية لا في طريقة حسم المعارك (القصف الجوي التدميري الكثيف)، ولا في استدراج غطاء دولي للعدوان، ولا في حشد الضغوطات، ولا في الإعلام الحربي..ولا ريب أن النتيجة ستكون واحدة، مهما تفعل آلة الدمار الحربية، وطالما اختارت الرياض (عش الدبابير) لتجريب عتادها العسكري المكدّس فلتنتظر لسعاته المؤلمة.

الصفحة السابقة