ورقة دفاع الدكتور عبد الله الحامد: صرخة أمام القضاء السعودي

مرافعة سياسية وقانونية ودينية

(2-2)

لماذا جرمت الحكومة دعاة الدستور وأدخلتهم غياهب السجون؟ وأخرتهم هيئة التحقيق والادعاء العام خمسة شهور عن المثول أمام المحكمة، ولماذا أصرت على أن يحاكموا سراً؟ وكيف لازال لم يكتشف القضاء الجهة المختصة بالنظر في القضية حتى مرور حوالي عام من سجننا؟ ولماذا توقفنا الحكومة في السجون، في قضية نصت الأنظمة على أنه لا توقيف فيها إلا بحكم قضائي؟ لماذا لم تدع علينا أمام القضاء ونحن طلقاء وتترك للقضاء تقدير التجريم والتأثيم والتحريم، فإن قرر القضاء سجننا سَجَنت، وإن برأَنا قبِلت؟

د. عبد الله الحامد


(10)

إلى متى تضرب السلطة دعوات الإصلاح السياسي ولاسيما دعوة الدستور الإسلامي، بسلاح يلبس لباس الدين؟


الدعوى

امتلأت مذكرة المدعي العام، بعبارات مضمونها أن دعاة الدستور والمجتمع المدني الإسلامي، قاموا بما يسئ إلى الدولة أو إلى الوحدة الوطنية القائمة على الشريعة.

1- فقال في (ص 7 س 8): ''التشكيك في نهج ولي الأمر وكيان الدولة، القائم على تطبيق الكتاب والسنة''.

2- وقال في (ص 7 س 3، و 5): ''تأليب الرأي العام المحلي والدولي لمصادمة السياسة الشرعية لولي الأمر''، ''والتشكيك في المبادئ الشرعية التي تقوم عليها بلادنا''.

3- وقال في (ص 7 س 7 و 8): ''وكل هذه الأمور تؤدي إلى الإساءة إلى سمعة الدولة وعصيان ولي الأمر والخروج عليه''.

4- وقال المدعي العام في (ص 8 س 10 و 11): ''ما قام به المذكورون مخالف لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من وجوب طاعة ولي الأمر''.

5- وقال أيضا في (ص 8 س 15 و 16): ''ما أقدم عليه المذكورون محرم ومعاقب عليه شرعاً ونظاماً''.

الدفاع:

يا فقهاء الشريعة:

1- خطابات الإصلاح عامة - ودعوة الدستور والمجتمع المدني الاسلامي - إنما هي خطاب إسلامي على العموم، بل سلفي على الخصوص في المنهج كسائر الدعوات والحركات السلفية، التي تقدم من صيدلية القرآن والسنة ما يعالج التحديات ويحل المشكلات ويراعى المتغيرات والمعطيات في كل عصر ومصر، وهو لمصلحة الأسرة الحاكمة خاصة، ولمصلحة الشعب عامة، فكيف يكون إخلالاً بطاعة الحاكم؟ إنه دعوة إلى المرحلة الوسطى، بين النموذج الأعلى للحكم الشوري العادل الراشد الذي جسده الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو معيار الحكم في الإسلام، والنموذج الأدنى للحكم الجبري الجائر الذي جسده الحكم الجبري الجائر أموياً وعباسياً وعثمانياً وطوائفياً. دعاة الدستور والمجتمع المدني الإسلامي، لا يرغبون في القفز فوق الواقع، ولكن لا يريدون الاستمرار في الوقوع في مستنقع الواقع، عبر التقنع بقميص فقه الضرورة وسدّ الذرائع، الذي فوت على الأمة كبريات المنافع.

2- صيغة ارتباط الحكم بالعدالة، هي الصيغة التي تبناها الشيخان محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود، فوجه الوهابية السياسي هو أنها مقاربة لإقامة الحكم الوسط، بين الخلافة الراشدة وخلافة الجبر الجائرة، ولذلك رفض الشيخ محمد بن عبد الوهاب، استئثار آل سعود بالمال، ورفض هدر المال العام، ورفض أن يأخذ الأمير محمد بن سعود عشر ثمار أهل الدرعية، وقال: سيعوضك الله خيراً. ولكن مسألة الشورى، لم تكن ركناً أساسياً في الحكم، جرياً على نهج المصلحين الذين تبينوا نظرية ''المستبد العادل'' لكن التاريخ أثبت أن الشورى هي أساس العدالة، وعلى هذا ظهرت الدولة الحديثة. بحيث أصبح من الضرورة العودة إلى الفقهاء الذين نصوا على اشتراط العدالة والشورى في البيعة؛ فهما مقتضى البيعة على الكتاب والسنة.

3ـ آل سعود اليوم مطالبون بتعميق شرط البيعة على الكتاب والسنة، وتجديد آلياته، فالولاء لهم ولاء مؤسسي، الولاء المؤسسي لإقامة الشريعة في شقيها الروحي والمدني، وأبرز ما في الشق المدني، هو العدالة والشورى، وهما شرط في البيعة عند فقهاء السياسة الشرعية. أما الولاء الشخصي فسيكون عبادة لأرباب وأسياد، وتضييعاً للعباد والبلاد، وترسيخا للاستبداد، وفتحا لأبواب البلاد للاستغراب والانسلاب؛ ليس ولائي شخصياً ولا أظن ذلك ولاء أحد من الألف الذين وقعوا مطالب الإصلاح، ولاؤنا وطاعتنا، وفق مبادئ الإسلام، التي قررت أن العدالة والشورى هما مقتضى البيعة على الكتاب والسنة.

وأهم مبادئ الإسلام في شقه المدني هي العدالة والشورى، وقد أدرك الإصلاحيون أهمية هذا المعنى: الصيغة الوسطى، من دون قفز في الولاء، وأهمية دعوة الدستور والمجتمع المدني، من أجل ذلك تكاثرت توقيعاتهم على الخطابات من كافة الأطياف، توقيعاتهم تعلن مقولة إصلاحية: ''لنتفق على الأساسيات، وليعذر بعضنا بعضاً في الثانويات''، الأساسيات هي: الدستور والمجتمع المدني في بوتقة إسلامية.

ما قاله دعاة الاصلاح ليس قفزاً في الظلام، ولا إفتئاتاً على الإسلام، بل هو المحجة البيضاء التي عرفتها الأمم في جميع البلدان اليوم، وليس ذلك مفضياً إلى الخروج على الإمام، إن دعاة الإصلاح من خلال دعوتهم أحرص على استقرار الحكم، من بعض أفراد العائلة الحاكمة، الذين يسيئون الإدارة ويستبدون بالقرار، ويضيعون أموال الشعب.

4- تيار المطالبة بالدستور الإسلامي ضامناً لحقوق الناس وحرياتهم المشروعة أزعج بعض الأمراء: لماذا؟ لأنه حدد مشكلة الدولة العربية، منذ عهد بني أمية حتى الآن، بأنها الاستبداد الناتج عن تمازج الذهنية الصحراوية بالكسروية، وحدد الحل بأنه الحكم العادل الشوري، الذي لا يقفز على وقائع التضاريس، الهدف والوسيلة واضحان في خطاب الرؤية، ولعل لدى المدعي العام غموض ناتج عن الإيحاء، بسبب كوني مشاركاً ثانوياً محاصراً في القناة، إذ لم تسمح محطة الرياض أن أظهر في الشاشة، كما ظهر المحاور الثاني في استديو الرياض، بل انحصرت مشاركتي بالتعليق عبر الهاتف. فلم تتضح له المصطلحات والمفاهيم، ويمكن معرفة رأيي بوضوح في محاضرتي التي ألقيتها في جامع بريدة الكبير قبل بضع عشرة سنة في رجب 1413هـ (1993م) بعنوان (المشكلة والحل) والتي طرحت فيها الحل الأوسط للدولة العربية، والمحاضرة قد نشرت بهذا العنوان في بيروت، الدار العربية للعلوم 1424هـ (2004م). موجز الكلام أن العدل والشورى أساس الحكم، فهما إذن من أصول الدين، لأن ما يترتب عليه مصالح كبرى للأمة، معدود في أصول الدين، كما قرر فقهاء المقاصد الشرعية كالشاطبي، ومن أنكر ذلك فعليه البرهان: والدعاوى إن لم يقيموا عليها بياناتٍ أصحابُها أدعياءُ.

نحن نطالب بتعزيز الحقوق واستقلال القضاء، واتخاذ خطوات جدية في سبيل الحكم العادل الشوري، والحكم الشوري له مبادئ وله هياكل، عندما نقول الإسلام هو الحل، أو تطبيق الشريعة هو الحل، ألا ينبغي أن نعيِّن التفريعات والآليات، وأن نحدد المبادئ؟

5- وأهم المبادئ هي: أن المخاطب بتنفيذ أحكام الشريعة هي الأمة، فالقرآن لم يقل: يا أيها الفقهاء ولا يا أيها الأمراء، حتى في مسألة البغي على السلطة خاطب الأمة، فالأمة أدرى بمصالحها العامة، في سياستها مع الأمم الصديقة والشقيقة والعالمية، وفي شئون اقتصادها، زراعة وصناعة وتجارة، وفي أمور التربية المدرسية، والتربية الاجتماعية وفي التقنية والتصنيع وفي الإدارة العليا والوسطى والدنيا، فالأمة هي المكلفة بحفظ الشريعة، كما صرح ابن تيمية في الفتاوى، ولم يأت نص واحد يصرح أو يلمح أن الفقهاء أو الأمراء وحدهم، أدرى بمصلحة الأمة، بل جاءت النصوص تقول للناس كافة ليس للمسلمين وحدهم، أنتم أدرى بشئونكم، بل أن القرآن طالب العامة بمراقبة الخاصة، وحذر من الانقياد للفقهاء والأمراء دون دليل، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)، ولذلك عقد الشيخ محمد بن عبدالوهاب لذلك فصلا في كتاب التوحيد فقال: ''باب من أطاع الرؤساء والعلماء في غير طاعة الله فقد اتخذهم أربابا''، وساق حديث عدي بن حاتم الشهير في تفسير الآية، ووضّح هذا المفهوم عديد من المفسرين والفقهاء كابن تيمية والرازي.

6- دور الحاكم العادل في الأمة أنه وكيل لها، وليس وكيلا عليها، فليست الأمة قاصرة أو سفيهة، ليتوكل عليها، وليمسك بيديه أزمة السلطات الثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية، والأمة هي ولية أمر نفسها فيمن تختاره، ومن أجل ذلك تأتي فكرة توزيع السلطات إلى ثلاث. ومن أجل ذلك فإن الإسلام من خلال تركيز مرجعية الأمة لا الحاكم قرر أن الحاكم إنما هو ''سلطة تنفيذية'' للشريعة وللأمة، ليس مرجعية لا للتشريع ولا للقضاء، ولا للأمة. كما نص الفقهاء كابن تيمية والرازي والنيسابوري ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار. ونظام الحكم السعودي لم يعبر عن هذا الأمر بصورة كافية، بل عبر بما يدل على خلافها تارة، وما يوحي بخلافها تارة أخرى. وفي الأنظمة التي أصدرتها الدولة أدلة وافية فضلاً عن التطبيقات، وقد شرحت ذلك في كُتيب: (استقلال القضاء السعودي: عوائقه وكيفية تعزيزه).

7- كيف تستطيع الأمة أن تضمن أن يكون دور الحاكم تنفيذا لإرادتها ومرجعيتها، ما لم تكن وسيلة ذلك هي الشورى الجماعية الملزمة، التي تنازل لها الرسول صلى الله عليه وسلم عن رأيه، في مواقع كثيرة أصرحها في غزوة بدر وأحد والخندق، فإذا كان إجراء الشورى ابتدءاً ونتيجة، واجباً على نبي معصوم، فكيف لا يجب على خليفة أو ملك.

والشورى الجماعية مقصد من مقاصد الإسلام القطعية الكبرى، ولا يسهل في الدولة الإسلامية الحديثة أن تتجسد الشورى الجماعية الملزمة، في الأمور الثانوية بصورة مباشرة إلا عبر الاستفتاء العام وعبر الجماعات الأهلية ولاسيما المدنية. ومن أجل ذلك تلجأ الدول العادلة إلى الأساليب غير المباشرة في الأمور الثانوية عبر المجالس البلدية والمناطقية، أما في الأمور الأساسية فلا تتجسد الشورى الشعبية إلا بقيام مجلس لنواب الأمة، يمثل إرادة الأمة وسلطتها في تنفيذ أحكام الشريعة. هذا المجلس هو التطبيق المناسب اليوم لمفهوم ''أولي الأمر'' الوارد في موضعين من سورة النساء، فأولوا الأمر هم الذين يجمعون مثلث القوة النيابية: معرفية وأخلاقية واجتماعية، وبذلك يصبحون متبوعين، في الرأي والدهاء والفضل والخبرة والعلم، وأهل الرأي والدهاء والخبرة والعلم والفضل.

أولو الأمر (في القرآن) (وفي التراث) هم أهل الحل والعقد، فهم وحدهم إذن الذين يجسدون إجماع الأمة، إنهم أهل العقل والرأي الذين يهتمون بأمر الناس، ويعملون بإخلاص لمصلحتهما، هذا ما صرح به ابن كيسان وقرره النيسابوري والفخر الرازي والتبريزي وغيرهم، وقال بمقتضاه ابن تيمية وابن عاشور، وعدد من التابعين كعكرمة ومجاهد. وهو مقصود من فسّر (أولوا الأمر) بالفقهاء والعلماء كأبي العالية وابن عباس وجابر بن عبدالله ومالك بن أنس وأبي بكر المزني وابن نجيع والضحاك والحسن البصري وعطاء، والنسفي والسيوطي والبغوي، وجسده الرسول صلى الله عليه وسلم في تصرفاته.

الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكوّن هيئة من حفاظ القرآن، للبت في قرارات الحرب والسلم الكبرى، بل شاور الأمة، وصدر عن الأمة في كل تصرفاته الكبرى، وقبِلَ معارضة الأفراد والجماعات، واخذ برأي الأغلبية يوم أحد، رغم أن نتيجة الحرب كانت هزيمة، فالمشاورة واجبة، والالتزام برأي الناس - فيما يخص شئونهم - واجب.

وأولو الأمر - على كل حال - ليسوا الحكام وليسوا الفقهاء وحدهم، بل هم أصحاب البصيرة والرأي الثاقب والتجربة والخبرة ومنهم الفقهاء، وهذا معنى آية الطاعة في سورة النساء، لأن الآية الأخرى (آية الاستنباط) ركزت على وصف أولي الأمر بالاستنباط، والاستنباط عقل وذكاء ودهاء وعلم، فالقرآن يفسر بعضه بعضاً، وأشارت آية الطاعة إلى أناس بجانب الرسول وهم موجودون والرسول موجود، ومن نماذج ذلك السعدان: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وسلمان الفارسي والحباب بن المنذر وأبو بكر وعمر.

واختيار أهل الحل والعقد، يمكن أن يكون بالتعيين، لو كان الذي يقوم بالتعيين نبي معصوم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يعين فلم يقل للأنصار غيروا السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وضعوا بدلاً منها أبا بكر وعمر، بل اتبع رأي المتبوعين، وهذا ما اشترطه ابن تيمية في مفهوم أولي الأمر أن يكونوا متبوعين، بيد أن الرازي والنيسابوري بينا أن مناسبتي الآيتين تحددان المفهوم بإجماع الأمة، وتبنّى رأيهما الشيخان محمد عبده ومحمد رشيد رضا، وفقهاء السياسة الشرعية، في العصر الحديث. إذن لمجلس النواب حق المحاسبة والمراقبة، باعتبار النواب تجسيداً لسلطة الأمة ومرجعيتها، وقد شرحت ذلك في كتابي (نحو دستور ومجتمع مدني إسلامي) بديلاً عن الحكم العربي المفرّط بالعدالة، والدستور العلماني المفرط بالهوية، وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب ذاك القبر، وكما قال ابن القيم: العلمُ قال اللهُ قال رسولهُ قال الصحابةُ هم أولو العرفانِ.

9- هل الوحدة الوطنية التي يقولون إنها قائمة على الشريعة (ظاهراً)، لا تحتاج إلى تعزيز؟، هذا العنف الذي دخل فيه الآلاف، وهذه المعارضة في الخارج التي تشد إليها الملايين وينضم إليها عشرات الألوف ماذا تدل عليه؟، وكل ما ذكره الإصلاحيون الألف في خطاباتهم، إنما ينصب على دعم الوطنية القائمة على الشريعة.

ليت المدعي العام يتفضل ببيان المخالفات الشرعية، التي جاءت في خطابات الإصلاح السياسي، إذا كانت المخالفة لنصوص الشريعة، أما إذا كانت مخالفة لأقوال بعض الفقهاء، ولم يدعمها المدعي بنصوص قطعية فلا عبرة بها، لأنها مخالفة للآية (58) من سورة النساء وغيرها من الآيات والأحاديث، أفلا يسعنا أن نجتهد كما اجتهدوا، وخلافنا لبعض الفقهاء في هذه المسائل، لم نقل به وحدنا، فهو من الخلاف المعتبر، ومن المعروف كما قرر ابن تيمية وغيره أنه ليس للحكومة أن تجبر الناس على الالتزام باجتهادها، والحكومة تملك من الوسائل ما ترد به على دعاة الدستور والمجتمع الاسلامي، وتكويناته الأهلية، فلماذا جرمت الحكومة دعاة الدستور وأدخلتهم غياهب السجون؟ وأخرتهم هيئة التحقيق والادعاء العام خمسة شهور عن المثول أمام المحكمة، ولماذا أصرت على أن يحاكموا سراً؟ وكيف لازال لم يكتشف القضاء الجهة المختصة بالنظر في القضية حتى مرور حوالي عام من سجننا؟ ولماذا توقفنا الحكومة في السجون، في قضية نصت الأنظمة على أنه لا توقيف فيها إلا بحكم قضائي؟ لماذا لم تدع علينا أمام القضاء ونحن طلقاء وتترك للقضاء تقدير التجريم والتأثيم والتحريم، فإن قرر القضاء سجننا سَجَنت، وإن برأَنا قبِلت؟


(11)

الحصانان المتباريان أيهما يسبق الدستور الإسلامي الذي يضمن حقوق الشعب والعدالة والشورى، أم تفاقم المشكلات وانفلات الأمور؟

الدعوى:

1- قال المدعى العام عني (ص 4 سطور 1 ـ 3): ''كما زعم بأن غياب المجتمع المدني أدى إلى الصراعات الدموية، وأن عدم الأخذ بما طالب به ورفاقه من إصلاح مزعوم، قد يؤدي إلى الفتن أو الفوضى أو الحروب الأهلية''.

2- وقال المدعي العام (ص 5 س 4 و 5) أيضاً: ''محاولة السعي إلى إثارة الرأي العام، بتأييد العمليات الإرهابية، كخطوة تمهيدية للإصلاح حسب زعمه''.

3- وقال المدعي العام أيضاً: (ص 15 س 13 و 14): ''حاملاً عبر حديثه مضامين باطلة، في دعوة الناس لتأييد الأحداث الإرهابية، كأداة من أدوات الإصلاح''.

4- وقال أيضا عنا جميعاً (ص 7 س 2): ''إثارة الفتن، وتبرير العنف والإرهاب''.

الدفاع:

يا حضرات القضاة: اتقوا الله وانصفوا القائمين بالاحتساب السياسي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:

1- هناك فرق بين تبرير العنف وتفسيره لم يحط به المدعي العام علما، فالذي يبرر العنف يؤيده، هو الذي يقول بعبارة محددة قاطعة صريحة: إن العنف هو الحل أمام انسداد الأفق، فما دامت الدولة العربية تستخدم العنف، فإنه لا سبيل إلى إصلاحها إلا بالعنف نفسه، بنفس الأدوات التي بها تجبر الناس، إذا كان الحاكم يستخدم العنف من أجل السيطرة على مصير الشعب والتفريط بمصالح الأمة، وهدر أموالها، فإن سبيل إصلاحه الوحيد هو العنف. أي كما جوز للحاكم لنفسه استخدام العنف من أجل الاحتفاظ بالسلطة، يجوز للشعب استخدام العنف من أجل الوصول إليها، مثل هذه المقولة تعتبر تبريراً للعنف. فليثبت عليَّ المدعي العام مثلها.

وأنى له ذلك، لأنني صريح في رفض العنف: خلاصة كلامي: حتى إذا استخدم الحاكم العنف من أجل الاحتفاظ بالسلطة، لا ينبغي استخدام العنف من أجل إصلاح السلطة لأسباب جوهرية، أهمها أن التغيير الذي يقع بالعنف يمكن الانقلاب عليه بالعنف، وأن الأسلوب المضمون للإصلاح هو العمل السلمي الذي يرسخ مبدأ الصراع الرمزي المأمون العواقب، بدلاً من الصراع الدموي الذي يعرض البلاد والعباد للمخاطر. هذه الفكرة التي شرحتها ودللت على فوائدها ومشروعيتها في عديد من كتبي، منذ سنة 1412هـ (1993م) أكتب ضد العنف، ورأيي واضح صريح مشروح في كتاب (البحث عن عيني الزرقاء) طبع الدار العربية للعلوم، بيروت، 1424هـ (2003م)، ولاسيما في الكُتيّب المنتشر مخطوطاً منذ عام 1413هـ (1993م): (الكلمة لا الرصاصة) الذي طبعته الدار العربية للعلوم، بيروت 1424هـ (2003م)، وكتيب (للإصلاح هدف ومنهاج) الدار العربية للعلوم، بيروت 1425هـ (2004م). وأنا عند المثقفين والناس العاديين، في داخل البلاد وخارجها، مِمَنْ قرأوا بعض كتبي أو مقالاتي في جريدة (الحياة) من دعاة المجتمع المدني الإسلامي منذ حرب الخليج سنة 1411هـ، فكيف يفهم المدعى العام النصوص على مزاجه وهواه، ولو افترضنا أنه فهمه ممكن لكان غير محتمل، لأن لازم القول ليس بقول، على ما قرر الأصوليون.

2- أما تفسير العنف والغلو، مسألة في علم الاجتماع السياسي، فإن علم الاجتماع السياسي يقول - وليس أنا: إن أي بلد يفتقد فيه الناس الحد الأدنى من الكرامة والعدالة، لابد أن يعاني من أزمة ثنائية الفقر والقهر التي هي سبب الاختلال في أي بلد. والاختلال يصيب غالب الناس باللامبالاة والتسيب والإهمال، فتفسد الإدارة وتكثر الرشوة، ويتهاون الناس بالنظام العام، ويصبح الناس كالرعية المنساقة من دون إدراك، وعند اشتداد الأزمة تظهر حركات التمرد الإيجابي والسلبي. والتمرد نوعان: ارتدادي على الذات يفجر فيه الناس مشكلاتهم على ذواتهم، وهذا يفسر كثرة الأمراض البدنية والنفسية، كالسكري والضغط والسرطان، والكآبة ونحوها، والانتحار، وحوادث السيارات والتفحيط واللجوء إلى الخمور والمخدرات.

ونوع هجومي وهو نوعان: عسكري يفجر فيه المتمردون تمردهم على المجتمع عن طريق مواجهة السلطة بنفس أدواتها المادية والعسكرية، وهذا يسمى الخروج على الدولة وهناك تمرد سلمي مشروع، في المجتمعات الواعية، وهو أن ينشط دعاة الإصلاح السلمي، لتحديد المشكلات، وتحديد الحلول، ويقوم الناس بالتعاون على البر والتقوى حتى يتعزز صلاح الدولة.

3- وعبدالله الحامد من دعاة الدستور والمجتمع الإسلامي الذين كرروا في خطاباتهم: إذا أرادت الدولة أن تسحب البساط من تحت أقدام أهل الغلو والعنف، فآلة ذلك هي السماح للناس بالكلام والتعبير والتجمع السلمي، لكي لا يكون الكلام والتجمع في السراديب وراء الكواليس فينتج الغلو والعنف، وبعبارة لافتة إذا أردنا أن نقول: لا للعنف والغلو، فلنقل: نعم للإصلاح الدستوري، ولنقل لنشوء جمعيات المجتمع المدني: نعم.

الحل البوليسي لا يكفي فهو (فالانومبا) أو حالة انسداد الأفق، هي ناتج طبيعي في مزارع الفقر والقهر ظهور العنف طبيعي كـ(الثيِّل) الذي ينمو في أحواض النخيل والأشجار، يمكن أن يحصد اليوم بالسلاح، لكنه ينبت غدا بصورة أكبر وأكثر، ما دامت الجذور حية و الماء ساريا، ما سبب العنف والغلو؟ السبب الأساسي المكون سياسي، إنه الفقر والقهر، اختلال العدالة والإدارة وتفاقم الفساد، والسبب الملون أو الثانوي يتوسل بخطاب ديني. هذا ما قلناه عموماً، وقلته خصوصا، وشرحته أيضا في كتيب (ثلاثية المجتمع المدني) بيروت، الدار العربية للعلوم، 1425هـ (2004م).

4- وعلم الاجتماع السياسي أيضا يقول: إن بلدنا إذا تأخر في الإصلاح السياسي، و لم تأذن الدولة بظهور التجمعات الأهلية ولاسيما المدنية، معرض إلى الفتن الداخلية، واضطراب حبل الأمن، والتدخلات الأجنبية. علم الاجتماع السياسي التطبيقي يقول: إن غياب تجمعات المجتمع المدني الأهلية، وفقدان حرية التعبير المشروعة هو الذي أدى إلى الصراعات الدموية وليس أنا.

5- في مذكره (دعوة الدستور الإسلامي''سداد'') قلنا: إن الناس لن تستجيب لأفكار الإصلاح السياسي، ما لم تحدث أزمة حادة، هذا ما يقوله علم الاجتماع السياسي وليس أنا. السؤال: أما ترون الأزمة الحادة؟ حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، والتدخلات الأمريكية في أفغانستان والعراق، والعنف الذي ضرب بلادنا، والضغوط الأجنبية على بلادنا، كل هذه الأمور أليست تعبيراً عن أزمة حادة؟ فإذا كانت هذه الحقائق لا تروق لبعض الناس، فليمنعوا تدريس علم المجتمع السياسي، وعلم التغيير الاجتماعي في الجامعات، وليفقئوا عيون زرقاء اليمامة، هل يريد المدعي العام أن نغمض عيوننا ونقول عن الكوارث التي تطل بقرونها، وتهددنا بالحرب الأهلية أو التقسيم أو العلمنة والإمبريالية: ''هذا عارض ممطرنا''.


(12)

المدعي العام يهاجم المجتمع المدني والدستور الإسلامي، فهل أحاط بهما علماً؟

إن من الواضح أن المدعي العام، ليست له ثقافة كافية في الفقه السياسي والدستوري، فهو ينطق المِلكية الدستورية (بكسر الميم) فالمَلكية الدستورية تحولت إلى (مِلكية) بكسر الميم، لعل سبب ذلك أن مصطلح (المِلكية) يكثر تداوله في كتب الفقه العباسية، إذن لماذا يدين نقدنا التراث العباسي؟ وهو ثانياً يقول: المجمَّع المدني (بتشديد الميم)، وكأننا أمام مجمّع تجاري، فهو معذور إذا لم يعرف مضمون المصطلح؟ وهو ثالثاً: يخلط بين مصطلح (ولي) الأمر و (أولي) الأمر، يظُنهما من أصل واحد، وأنهما بمعنى واحد، فهو إذاً يجرّم مفاهيم لم يحط بها علماً: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة/ وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. وقد سبق أن شرحنا مفهوم (استقلال القضاء) والآن نشرح مصطلح الدستور الإسلامي. من خلال عناصره ووظيفته، ولكي لا يحكم القضاة على الدستور والمجتمع المدني ونحوها من المفاهيم، من دون سبر غورها في وظائفها وطبيعتها: نقول باختصار إن إدارة الدولة تشبه نظام الري بالمزرعة، ففي بعض المزارع تكون السقاية غير منضبطة، فيذهب الماء من دون رياسة وبصرٍ بتوزيعه، فكثير منه يضيع عبر الجداول، ولاسيما في التربة الرملية، وكثير يضيع في الأحواض، بسبب كثرة الرمال، أو عدم استواء أحواض البرسيم أو القمح، وتجد توزيع الماء على الشجر مختلاً، فكثر من الشجر تعاني من العطش، وبعضها يموت عطشا، قلة منها قد تغرق بسبب كثرة الماء، النتيجة هدر المياه، واختلال السقاية،،والحاصل في ختام الموسم هو عدم تناسب المحصول مع مستوى الجهد المبذول. الدستور كنظام الري بالتنقيط تتوزع فيه المسئولية والمهام، لكي يصبح كل شيء على ما يرام.

ماذا يعني الدستور الإسلامي؟

1ـ أن تكفل الدولة لكل عاطل دخلاً يقوم بحوائجه، لكي تحصنه من الانحراف والسرقة والأمراض النفسية حتى يتوافر له عمل مناسب.

2ـ أن تكفل الدولة لكل مريض علاجاً، فلا يحظى الكُبراء بالمستشفيات الفخمة، ويرمى الفقراء والضعفاء في المستشفيات المتواضعة.

3ـ أن تستوعب الجامعات الطلاب، في خطة تراعي أن التعليم المجاني حق لكل مواطن.

4ـ أن تعتني الدولة بالتعليم الفني والحرفي، حتى يتعود الشباب على العمل الحرفي، فتتقوى أجسادهم وعقولهم ونفوسهم، ويستغني الوطن بهم عن ملايين العمالة الوافدة

5ـ أن يتساوى القوي والضعيف في الحقوق والواجبات أمام القضاء.

6ـ أن توزع الثروة والمال، بالتساوي بين الأفراد والطبقات الاجتماعية، وبين المناطق.

7ـ أن توجد إجراءات فعّالة تضمن القضاء على الواسطة والمحسوبية والرشوة التي فتكت بالإدارة.

8ـ أن تتكافأ فرص الوظائف كلها، أمام الناس، بصرف النظر عن طبقاتهم الاجتماعية والمذهبية والإقليمية، وأن يكون أساس الوظيفة العامة هو (الجدارة).

9ـ أن توضع ضوابط صارمة لحفظ المال العام، وأن تتم مراقبة المال العام، ومحاسبة أي مسئول يثبت عليه التفريط، مهما كان مركزه، وان يحال إلى القضاء كل وزير أو أمير متهم بالتفريط أو استغلال النفوذ أو السرقة أو الرشوة.

10ـ أن تخضع أعمال كل مسئولي الدولة -مهما علت مراكزهم - للمسائلة عن حسن التصرف، مراقبة ومحاسبة.

11- أن يعنى بالطبقات الفقيرة والمهمشة، بحيث تضمن الحاجات الأساسية لكل مواطن، من سكن وطعام وكساء وتعليم.

12- أن يكون الفقراء هم الأولى بالأراضي السكنية، وصغار المزارعين هم الأولى بالأراضي الزراعية.

13- أن تسود الشفافية والوضوح، في كل التصرفات الحكومية.

14- أن لا تتخذ الحكومة قرارات كبرى، في الحرب والسلم والعلاقات الخارجية وأمور التربية والتعليم والمال العام، إلا بتفويض من الشعب.

15- أن يتساوى الناس في الخدمات التي تقدمها الدولة.

16- يتسع مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليضم كافة المنكرات الروحية والمدنية، ويتسع للأمر بمعروف العدالة، والنهي عن منكرات إهدار المال العام، والمحسوبية والرشوة، وكافة المنكرات التي يسميها الفقهاء (المنكرات السلطانية)، وأن يكون أهليا للأفراد والجماعات أيضا.

17- أن يكون كل من يتولى وظيفة قيادية كفياً عدلاً معروفاً بالنزاهة.

18- أن لا يتعرض أي مواطن لأي إجراء يحط من كرامته، أو ينتهك حريته وحقوقه التي قررها الإسلام قبل أربعة عشر قرناً من تنادي الأمم الحديثة إليها، وعدم تجريم أي عمل أو اتخاذ عقوبة عليه إلا بنص قانوني، يجرم الفعل ويحدد العقوبة.

19- أن يعبر الشعب عن إرادته، التي خوله الله بها، في تلمس مصالحه، وفق مقاصد الشريعة إما بإسلوب مباشر، عبر جمعيات المجتمع الأهلي المدنية، وإما بإسلوب غير مباشر، عبر ممثليه من أهل الرأي والخبرة، الذين هم أهل الحل والعقد.

20- أن يكون دور الحكومة تنفيذياً فحسب، بتوزيع مسئوليات الدولة ثلاثة فروع: فرع التشريع، وهو مجلس النواب، وفرع القضاء، وهو للقضاء ومراقبة شرعية الأنظمة والقرارات التي تصدرها الحكومة أو مجلس النواب عبر (محكمة العدل العليا)، وتختص الحكومة بتنفيذ الإدارة السياسية.


(13)

مفهوم ولي الأمر السعودي:هل أنزل الله به من سلطان؟

(أ) يقولون إنه: أدرى بالمصلحة.

(ب) يقولون إنه: هو القاضي الأصيل وما القاضي في المحكمة إلا وكيل.

(ج) الواقع أنه: يحتكر مرجعية جميع السلطات غير المباشرة الثلاث (تنفيذية وتشريعية وقضائية) فضلاً عن سلطة المجتمع الأهلي وهي السلطة الرابعة، أليس ذلك – بالمصطلح السياسي والقرآني - هو (الطغيان) فهل أنزل الله بهذا المفهوم من سلطان؟

(د) إذن فهو يختزل رأي الأمة في شخص.

الدعوى:

1- قال المدعى العام (ص 3 الأسطر 16 ـ 22): ''كما تضمنت أقواله ما يفيد اعتراضه على ما تضمنه النظام الأساسي في الحكم المادة (44) بأن الملك هو مرجع القضاء''، وقوله إن هذه الفقرة تجسيد لاتجاه فكري قديم، يرى أن إلى الحاكم )هو) القاضي الأصيل، وأن القضاة ليسوا إلا وكلاء، وأنه أدرى بالمصلحة، وأنه الحكم عند التنازع، ومطالبته بفصل القضاء عن سلطة ولي الأمر، وادعائه بأن الفقهاء القدماء في ظل الاستبداد القديم، لم يتمكنوا من بناء منظومة دستورية متكاملة، تحدد مركز ولي الأمر''.

2- قال المدعى العام أيضا (ص 3 س 1) عنا جميعاً ''التشكيك في نهج ولي الأمر وكيان الدولة القائم على تطبيق الكتاب والسنة... والتدليس على الناس... وتأليبهم على ولي الأمر''.

الدفاع:

يا حضرات القضاة:

أولاً:

1ـ أجل أقول بملء فمي إن لمصطلح ولي الأمر، مضموناً سعوديا يجسد الطغيان، ما أنزل الله به من سلطان، وهذا القول دللت عليه في كتابي (معايير استقلال القضاء الدولية، في بوتقة الشريعة الإسلامية. دار العلوم العربية. بيروت 1425هـ - 2004م). وقد فصلت ذلك ودللت عليه في بحث ألقيته في مؤتمر العدالة العربي الثاني الذي عقد في القاهرة سنة 1423هـ وعنوان البحث (استقلال القضاء السعودي عوائقه وسبل تعزيزه)... وفي هذا المفهوم حتى في صيغته العباسية، فضلاً عن مفهومه السعودي مخالفة للمفهوم الشرعي لإمام الدولة وصلاحياته. والفقهاء الذين رددوه، من العباسيين ومن بعدهم ليس لديهم دليل من الكتاب والسنة، ولا من نهج الخلفاء الراشدين. وعلى كل حال لم يكن الفقهاء العباسيون الذين ذكروه يخصون به الخليفة، بل كان أمير الإقليم والبلدة والقرية والقاضي وصاحبي المظالم والحسبة داخلين في مفهومه.

2- لقد قدم المدعي العام – من خلال دعوانا - لنا برهاناً على أن النظام السعودي يطبق هذه القاعدة فلا نحتاج إلى إثبات ذلك، ودلائل ذلك واضحة، حتى في الأنظمة العدلية (الأربعة) التي أصدرتها الدولة، بعد عام 1422هـ، وهي النظام الأساسي للحكم، ونظام المرافعات الشرعية، ونظام المحاماة، ونظام الإجراءات الجزائية، ولقب (ولي الأمر) في الإدارة السعودية في البداية يطلق على إمام الدولة، ثم توسع فيه، حتى صار يطلق على كل أمير من الأسرة الحاكمة، إذا كان يشغل منصباً حكوميا، وصار هذا المفهوم راسخا، فصار لكل وزير من الأسرة المالكة مهام فوق مهام وزارته، تدل على أنه يتمتع بسلطة (ولي الأمر)، بحيث يصبح له سلطة تتجاوز مهام وزارته، ونضرب لذلك مثلا: وزير الدفاع، يرأس أعمالاً خارج وزارة الدفاع، وبعيدة عن طبيعة اختصاصها: فهو رئيس الدعوة في الخارج، رئيس المجلس الأعلى للتعليم، ففي أي بلد تكون رئاسة الثقافة والتعليم ولاسيما العالي، لوزير الدفاع؟ ثم هو أيضاً وزير الطيران، ثم المفتش العام؟.

نموذج آخر، وزير الداخلية، أيضاً يرأس أعمالاً خارج وزارته: فهو رئيس اللجنة العليا للحج، ورئيس المجلس الأعلى للإعلام، ففي أي بلد يرأس المجلس الأعلى للثقافة والإعلام وزير الداخلية؟! هيئة التحقيق والإدعاء العام مرتبطة بوزارة الداخلية، وكذلك اللجنة التي يسمونها (الوطنية) لحقوق الإنسان، وأنما هي (الحكومية)، لأن الوطنية توحي بأنها أهلية، عشرات من المهام، ففي أي بلد في العالم تكون الجهات الحقوقية كهيئة الادعاء وحقوق الإنسان مرتبطة بوزير الداخلية؟! وأول من يخشاه الناس على حقوقهم، هم البوليس!

وعلى هذا فالأمور الأساسية عندنا، صارت مرتبطة بأحد الأمراء، هذا ليس حكماً ملكياً محدد الصلاحيات، هذا حكم تنتشر فيه أفراد العائلة السعودية في كل مكان وكيان، وهذا التصرف مضر بالعائلة المالكة نفسها، كما أنه مضر بالبلاد والعباد، أن تتحول الدولة إلى شركة عائلية، هذا أدى إلى التنازع على المناصب، وأدى إلى الاختلاف على القرارات، وأدى إلى تغليب مصالح الأفراد الخاصة على المصلحة العامة، بل على المصالح العامة للأسرة المالكة نفسها أيضا.

ثانياً:

إن بعض الأمراء في الأسرة المالكة، يتحدثون ويتصرفون وكأنهم من جنس الملائكة، وكأنهم يستوحون من عبارة الشعب السعودي، أنهم يملكوننا وأنهم بالسيف يربوننا، وبدلاً من أن يدركوا تسميتنا بالشعب السعودي خطأ ينبغي تصحيحه ما دام يفهمون (ولي الأمر) هذا الفهم، على أن الأمر الطبيعي أن ينسب الحاكم إلى الشعب، فيقال الرئيس المصري والسوري واليمني والملك الأردني والمغربي، أما عندنا فالأمر الطبيعي أن ينسب الشعب إلى الأسرة الحاكمة، فيقال الشعب السعودي: وماذا (بنجد) من المضحكات/ ولكنه ضحك كالبكا.

ألسنا بحاجة في هذا البلد إلى أن يصبح صاحب السمو الذي لا أحد يعلوه، هو الدستور والقانون المؤسس على الشريعة؟ فمن هو إذن الوصي على المواطنين، هل هم الذين لهم كل هذه السلطة؟ أم أفراد مطاردون، يمشون ذلولا خيفة من الأجهزة القتالة، ويوقعون التماسا يرجون فيه تعزيز العدالة والشورى. ألا يحق لنا المطالبة بتحديد دور الأسرة المالكة؟ ما دام قد اتسع إلى قدر مضر بها نفسها على الخصوص وبالدولة وبالمواطنين على العموم، حيث تعددت فيها الرؤوس التي تمسك بمفاصل القرار، وتعدد الرؤوس يؤدي إلى ضعف الحكم الملكي نفسه، وليس هذا تهميشا لدور الملك، بل تحديد لمفهوم رئيس الدولة وإمام الأمة مبني على قانون الشريعة والطبيعة معا.

يا حضرات فقهاء الشريعة: هل ولي الأمر أدرى بالمصلحة؟

ثالثاً:

ونظرية ولي الأمر أدرى بالمصلحة نظرية شاعت في العصر العباسي، وفي ظلال الحكم الجبري، وليس عليها دليل معتبر، وعل كل حال فإن الأسرة المالكة وسعت مفهوم ولي الأمر أولا، ثم اعتبرت نفسها أدرى بمصالح الأمة ثانيا، واستفراد الأسرة المالكة بالقرارات المصيرية الكبرى جر الدولة إلى أخطاء كبرى وصغرى من أبرز مظاهرها:

1ـ اتخاذ القرارات الكبرى من دون أخذ رأي الشعب: كالدخول في حروب وإدخال قوات أجنبية للبلاد، وبناء قواعد أجنبية فيها، والإنفاق على حروب مجاورة وغير مجاورة من بيت مال الأمة، وعقد اتفاقات سياسية علنية أو سرية وغيرها، من دون أخذ رأي الشعب. هل يكفى أن تأخذ الدولة رأي هيئة الإفتاء، وتقول: قرر الفقهاء ذلك، وهيئة الإفتاء مكونة من فقهاء فضلاء، ولكن ليس من اختصاصهم وفق نظامها الذي حصرتهم به الدولة، أن يفتوا في الأمور السياسية، لو كان مصرحاً لهم بذلك، لما كان لهم مؤهلات الفتوى السياسية، فللسياسة فرسانها، ولا بد للحكومة حين تصدر قرارات كبرى من الالتزام بالاتجاه الشعبي الذي يجسده نواب عن الأمة، فهم الذين يقررون الحل والعقد، هؤلاء هم أولو الأمر الذين يجسدون إجماع الأمة ممن لهم وزن اجتماعي وثقافي وأخلاقي، وليس أولو الأمر محصورين بالفقهاء ولاسيما الفقهاء الموظفين غير المستقلين.

الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكوّن هيئة من حفاظ القرآن، للبت في قرارات الحرب والسلم الكبرى، بل شاور الأمة، وصدر عن الأمة في كل تصرفاته الكبرى، فكيف يقولون لنا: أولوا الأمر هم الحكام والفقهاء... أن من يجد آيات الله القرآنية مجملة من التصريح، يجد آياته الكونية والاجتماعية شديدة الوضوح. والأمر كما قال ابن تيمية: ''لا نسلم أن يكون الإمام حافظاً للشرع، بل يجب أن تكون الأمة حافظة للشرع، وحفظ الشرع يحصل بمجموع الأمة، كما يحصل بالواحد كالنبي المبلغ عن ربه'' (منهاج السنة: 6 / 457).

إن هذه المشكلة مقرونة بمشكلة أشد وأعظم، وهو أن يتصور بعض الأمراء، أنه لا أحد يحاسبهم إلا الله، وأنهم إن أصابوا فلهم أجران، وإن اخطأوا فقد ضمنوا أجراً واحداً، وبذلك ينطلقون في اجتهادات وهمية، ولذلك يستحلون بها الحرام من أموال الأمة، ولا يجدون في ذلك حرجاً، وأعظم من ذلك أنهم يعتبرون أنفسهم من المتفضلين والمحسنين على الناس، في المبرات والأوقاف ونحوها. بل إن بعض الأمراء يعتبرون الأمة غنيمة أو تركة خلفها لهم والدهم الملك عبدالعزيز، فهم يقولون: ''أخذناها بالسيف الأملح''، القول بالأخذ بالسيف الأملح مغالطة، فأكثر بلدان نجد والأحساء والحجاز، دعت الملك عبدالعزيز، لإنقاذها من طغيان الطغاة كالمهنا أو الشريف أو الرشيد أو الأتراك، وإنما دعوا الملك عبدالعزيز بسبب السمعة الطيبة لأجداده، ولما عرف الشعب من عدلهم، ولو كانت (بالسيف الأملح) لما وحد الجزيرة خلال أربعين عاماً، بينما ظل جده يحاصر الرياض (عندما كانت بلدة صغيرة) ودهام بن دواس أربعين عاماً!! وحتى لو صح أنهم أخذوها بالسيف، فالسيف لا ينشئ مشروعية للحكم، فمشروعية الحكم مبنية على الحكم بالعدل والشورى، وهذا ما قال الفقهاء عن عمر بن عبدالعزيز أنه لم يصبح إماماً شرعياً إلا عندما شاور وعدل. ولذا لم يستقر الأمر لعبدالعزيز إلا بالعدل والإنصاف، ولن يستمر الأمر لهم، إذا استمروا على هذه الحال.

والسبب الأساسي في ذلك أن الفقهاء أكثر الناس في هذا البلد تبعة، فلم يوضحوا لهم مفهوم الحاكم في الإسلام، ولم يبينوا لهم أن العدالة والشورى من أصول الدين، وطوال خمسين عاماً والفقهاء مشغولون بشق الإسلام الروحي كالصلاة والصيام ونحوها، ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، والقضايا الثانوية، ولم ينشئوا خطاباً دينياً يعالج الفساد الإداري فضلوا وأضلوا، وأوقعوهم وأوقعوا الناس في ما أسماه ابن تيمية ونحوه (الطاعة الشامية): ''كثير من أتباع بني أمية أو أكثرهم كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب، وان الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، ولما أراد يزيد بن عبدالملك أن يسير بسيرة عمر بن عبدالعزيز، جاء إليه جماعة من شيوخهم، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو، أنه إذا ولى على الناس إماماً، تقبل الله الحسنات، وتجاوز له عن السيئات، ولذلك تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة ولي الأمر مطلقاً، وأن من أطاعه فقد أطاع الله، ولذلك كان يضرب بهم المثل، فيقال:طاعة شامية'' (منهاج السنة: 6 / 430).

2ـ تعالوا يا قضاة العدل، لندلل على أن ثنائية الفقهاء والأمراء هم سبب فسادنا:

لو كان العلماء والأمراء هم أولي الأمر لكان بلدنا أفضل بلدان العالم عدلا وشورى، لأن مسئولية الاختلال الواقع اليوم، هي نتيجة انحصار المسئولية الرسمية بثنائية (الشيوخ) من الأمراء و (المشايخ) من الفقهاء، تلك الصيغة التي بدأت مع مسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نافعة، ولكن نفعها نسبي مقيد بذلك الزمان، وليس بمعياري مطلق، يصلح لزماننا. فقد استطاع الأمراء (الشيوخ) اليوم تحديد نفوذ هيئة الفقهاء (المشائخ) بتمرير ما يريدون من فتاوى لخدمة السلطة فحسب، وقصر فكر المشائخ عن مواكبة التغيرات والنوازل، حتى السفر لا يسمح لبعضهم أن يسافروا خارج المملكة خشية اجتماعهم بعلماء أوسع منهم إدراكاً سياسياً ومدنياً ومعلومات عن فقه الواقع الدولي، أو يدخلوهم في مشروع جماعي لمصلحة المسلمين، من أجل ذلك قُصر الفقهاءُ فاقتصروا على المجال الروحي والأمور الثانوية، وتركوا المدني والشئون العامة كالنفط والأراضي والإدارة والتربية الاجتماعية والإعلام. فإلى متى نترك أزمة الأمور لبعض الفقهاء الخادعين أو المخدوعين الذين يريدون أن يحموا تخلفنا السياسي بليِّ أعناق نصوص القرآن، ويقولون لنا: ولي الأمر أدرى بالمصلحة؟، أيريدون أن نستمر في الطاعة الشامية الأموية ؛ أفننشد مع عبدالله بن المبارك؟: وهل أفسد الدين إلا الملوك/ وأحبار سوء ورهبانها. وليست المشكلة في فقهاء السلطة فحسب، بل حتى في الفقهاء المنسوبين إلى الصحوة، اقرؤوا فتاواهم عن الإضراب والمظاهرات.

3ـ خلل في الاستئثار بالإدارة:

تعالوا يا قضاة الحق، لنرى كيف استأثرت الأسرة بالإدارة، في واحد من الدلائل الواقعية على بطلان نظرية ولي الأمر أدرى بالمصلحة، أن المناصب الكبرى أغلبها في مرافق الدولة يتولاها عدد كبير من الأمراء، وهذا مخالف للإدارة الناجحة، كان الأمير محمد بن عبد العزيز رحمنا الله وإياكم وإياه قد نصح الأسرة بأن تكتفي بوزارات السيادة، ولكن الأسرة لم تفعل ذلك، وصار أفرادها يتنافسون أحياناً تنافساً محموما، في الحصول على أعلى المراكز، حتى صار كثير من مراكز القرار بأيديهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فهم وزراء ونواب وزراء ووكلاء وزراء وأمراء الأقاليم كلها من الأسرة وكذلك نوابهم، وفوق ذلك ولّوا الأسر المرتبطة بهم، حتى صارت في الأقاليم النائية، هذا الخلل أدى إلى مفاسد كبيرة، فأين تطبيق الشريعة في التولية، وأين مفهوم الملكية الناجحة، وأين ما نص عليه الملك عبدالعزيز رحمنا الله وإياكم وإياه من أن نظام الحكم ملكي (شوري)؟ كيف تحولت الدولة الشورية إلى شركة عائلية مستبدة مستأثرة؟ بل أصبحت الأمة والبلاد شركة موروثة لأولاد عبدالعزيز ومؤسسة خاصة لهم، وكأنها تخضع للنفوذ والمصالح الأمريكية مقابل حماية سلطة كبار الورثة وصار أصحاب الحق الحقيقيين وهم الشعب من الرعاع، ومن يرفع صوته أو بنانه، فهو مخل بالوحدة الوطنية القائمة على الشريعة، أي وحدة وأي شريعة؟ إنها وحدة العائلة وشريعة الغاب.

4- هدر المال العام:

وهناك دليل واقعي آخر على أن ولي الأمر ليس أدرى بالمصلحة: تعالوا يا قضاة العدل والإنصاف لنقارن بين الناتج النفطي اليومي ونحسبه بالسعر المعلن في البورصة ونقارنه بميزانية الدولة، كي ندرك أن كثيراً من ناتج البلاد القومي يختفي ولا يسجل في كشوفات وزارة المالية، فأين يذهب؟ المتوقع أنه في جيوب بعض أمراء الأسرة المالكة والمحسوبين عليهم؟، هذا فوق تدخل عناصر الأسرة المالكة في المناقصات، وغيرها من أمور لم تعد تحتاج إلى برهنة. فأين تطبيق الشريعة؟ وأين مفهوم القول بإتباع سياسة الملك عبد العزيز رحمنا الله وإياكم وإياه، وأنا أطلب من المحكمة أن تأذن لي باستشهاد خبراء الاقتصاد، عن حجم هدر المال العام ونتائجه الكارثية على مستقبلنا ومستقبل أولادنا، هناك عديد من شغل مناصب حكومية مثل الدكتور عبدالعزيز بن محمد الدخيل وكيل وزارة المالية السابق. بل أطلب حضور وزراء المالية والنفط الذين شغلوا منصبي وزير المالية ووزير النفط خلال ربع قرن، لنثبت للمحكمة مدى الفجوة بين دخل البلاد ومصروفاتها.

5- الاستئثار بالمال: نخبة فاحشة الثراء وملايين الجوعى والفقراء

تعالوا ننظر هل الوحدة الوطنية القائمة على تطبيق الشريعة، في نهب بعض الأمراء أراضي الشعب العامة، في دليل آخر من أدلة الطغيان. وهناك أدلة مادية على تطاول بعض عناصر القيادة على المال العام، فهذه مدينة الرياض ووزارة العدل والقضاء وكتابة العدل تعرفان أكثر الصكوك ذات المساحات الكبيرة أفرغت لأمراء باعوها على تجار العقار، وقام تجار العقار بتفريدها للمقاولين الصغار، وقامت عليها حركة المساهمات التي أفسدت مفهوم الاستثمار العقاري، والذي يخرج من أي الجهات الأربع على امتداد خمسين كيلاً من مدينة الرياض، وعلى طريق القصيم مثلاً يرى البتر والشبوك، والذي يشاهد سواحل جدة والدمام والقطيف، يرى الأمراء ومحاسيبهم يدفنون مساحات من أرض البحر، ليصدر القضاة أو كتاب العدل لهم صكوكاً بها، أحد هذه الصكوك – الذي وصل إلي صدفة من أحد الثقات - مساحته حوالي (ثمانين مليون متر مربع) فأين تطبيق الشريعة إذن، المال هل هو لولى الأمر أم للشعب؟ الأرض هل هي للأسرة الحاكمة أم للشعب؟ الرسول صلى الله عليه وسلم: حدد وظيفة الحاكم فقال ''إنما أنا قاسم''، لا نحتاج إلى حاكم كريم ينقل بعض مرضانا على حسابه في طائرات، ولا ينفق عليهم في المستشفيات، أو يأذن لنا لمن له واسطة بالدخول في (المستشفى التخصصي) أو غيره، مالنا يكفينا، الأسرة الحاكمة تأخذ من المال العام ظلماً وعدواناً من دون حساب، ثم يقوم بعض أفرادها بإنفاق شيء منه على شكل مبرات وهبات وأوقاف ومكرمات وخيريات، فأين تطبيق الشريعة؟: إذا حججت بمال أصله دنس/ فما حججت ولكن حجّت العيرُ

وهل على مثل هذه المظالم تقوم الوحدة الوطنية التي يزعم وزير الداخلية اننا نهددها بمثل هذا الكلام؟ هل الذين يريدون الوحدة الوطنية، هم الذين ينهشون المال العام من دون مراقبة ولا محاسبة، أم هؤلاء الداعون إلى العدالة والشورى؟ أطلب من هيئة القضاء الموقرة أن تأذن باستدعاء بعض الشرفاء الذين رأوا بأعينهم كيف توزع الأراضي حيفا وجورا، مثل الدكتور محمد بن عبدالعزيز آل الشيخ وزير الشئون البلدية والقروية السابق، وكتاب العدل الذين يصدرون مثل هذه الصكوك في مدينة الرياض فحسب، هل هذا من نهج الملك عبدالعزيز رحمنا الله وإياكم وإياه؟ هل هذا من السياسة الشرعية التي يزعم المدعى العام أننا أخللنا بها؟

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها/ إن السفينة لا تجري على اليبس

6- تنازع الصلاحيات:

من الواضح أن بعض عناصر القيادة التي تعوق الإصلاح وفقنا الله وإياها، تريد تضخيم الأمور، وتشويه المقاصد والوسائل ومحاكمة النيات، وهذا أمر طبيعي، علينا أن نتفهمه ونصبر على أذاه. ولذلك فقد اعتبرت هذه العناصر خطابات الإصلاح دعوة إلى تهميش دور ولي الأمر، ولكن الحقيقة هي أن الخطابات تدين تهميش دور الشعب، وهذا يشير بطبيعة الحال إلى تضخم دور ولي الأمر، هم يقولون ولي الأمر أدرى بالمصلحة، ونحن نقول: الشعب أدرى بالمصلحة، ولم يقم دعاة الإصلاح بإلزام الحكومة بقوة مادية، بل هي آراء ومقترحات، ولم يفرضوا آراءهم بقوة مادية. ولكن العناصر التي لا تريد الإصلاح تهتز حتى من الكلمات، كما قال المثل النجدي: '' آكل الطعام النيئ يشكو وجع بطنه''.

7- الخلل في التحليل:

إنهم يهاجمون الدعوة إلى الدستور، ويثيرون الشبه حولها، وكأن الدستور مسألة فيها قولان، كالجهر بالبسملة، أو الوضوء من لحم الجزور. أو كأنه يمكن الالتفاف عليها تحت عنوان (دستورنا الكتاب والسنة). نطالب المدعي العام بأن ينبهنا إلى الآيات والأحاديث التي تبيح لولي الأمر هذه المحرمات. هذه حقائق علمية سياسية اجتماعية، فالشمس تشرق من الشرق، وتغرب من الغرب، ليس في ذلك قولان. الدستور هو سر نهوض الغرب، والدستور والمجتمع المدني هو رائد الرعيل الأول، من سلفنا الراشدي الصالح، فهو الذي أقام عهد الشورى والعدل زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، وفقدانه هو الذي اسقط الخلافة الراشدة، وهو الذي أباح بغداد للتتار بالأمس وللإفرنج اليوم.


(14)

بصلاح المؤسسات نطالب، فهو الذي ينتج صلاح الأشخاص العدل أساس الحكم، والشورى الشعبية أساس العدل، والدستور الإسلامي هو المسطرة، والمجتمع المدني الإسلامي، هو سور الملة والأمة.

الدعوى:

1- يقول المدعي العام عني (ص 4 س 23 إلى ص 5 س 5): ''وكان خلال حديثه، لا يألو جهداً في تأليب وإثارة الناس، ضد توجهات ولي الأمر الإصلاحية، فيرفض الإصلاح في مجال التعليم، لمجرد أن الحكومة هي من وضع الخبراء، مطالباً بأن يكون الإصلاح للأمة، بعبارة عامة تدل على عدم الرضا على توجهات الدولة''.

2- ويقول عني (ص 4 سطور 3 ـ 13): ''كما أقر بإجراء مداخلة مع قناة (LBC) الفضائية بتـاريـخ 9-10/1/1425هـ وقد تضمنت هذه المداخلة إعلانه الرفض، لأي إصلاح تقوم به حكومة هذه البلاد، بما في ذلك قيام الدولة بإقامة هياكل التجمع المدني، على نطاق تدريجي، والتوجه إلى المشاركة الشعبية، بالانتخاب في المجالس البلدية، ومن ثم مجلس الشورى''.

3- ويقول عن دعاة الدستور على العموم ''وهذا يدل على أن الغاية التي يسعى إليها المتهمون المذكورون، ليست إلا مناهضة ولي الأمر، ويتضح ذلك بجلاء خلال هذه المداخلة، التي سعى فيها المتهم الأول إلى إثبات هذا المقصد علنا، عند مشاركته في البرنامج الحواري وموضوعه (مسيرة الإصلاح في المملكة العربية السعودية)، حيث أخرج المذكور الحوار عن موضوعه الأساس، فبدأ حديثه بالتشكيك في الخطوات الإصلاحية القائمة اليوم، في هذه البلاد، لإثارة الناس ضد ولي الأمر''.

4- ويقول المدعي العام عني على الخصوص (ص 4 س 14 ـ 23): ''حاملا عبر حديثة مضامين باطلة، في دعوة الناس لتأييد الأحداث الإرهابية، كأداة من أدوات الإصلاح، ذلك لأن الإصلاح المرتضى حسب زعمه، ليس هو الإصلاح الرسمي، فبدأ حديثه مشكله في كلمة الإصلاح، التي تستخدم لتصحيح أوضاع نظامية، من قبل الدولة''.

5- قال المدعي العام أيضا عني: (وركز من خلال عباراته إلى أن المراد لديه من الإصلاح بما مؤداه نزع يد الطاعة، وقد أورد هذا المضمون مغلفا مصطلحات سياسية غربية، كقوله المطالبة بتطوير نظام الحكم إلى ملكية دستورية).

6- وقال في (ص 4 س 19 و 20) عني أيضا: ''ثم يربط في حديثه بين مشكلة الفقر ونظام الحكم الشرعي في هذه البلاد تمهيدا لفكرته في ضرورة نزع الطاعة من أجل الإصلاح''.

7- ثم قال عني (ص 4 سطور 21-24): ''ويشير المتهم الأول خلال حديثه أيضا، أن التفاهم مع الحكومة وصل إلى خط مسدود، طالما أن الملك هو المرجع للسلطات الثلاث، وأن الحكم في هذه البلاد لن يكون ملكية دستورية''.

الدفاع:

يا مرتجى العدل والإنصاف: نعم نحن نقول أنه حان الوقت لتطوير نظام الحكم الملكي من صيغة سلطة مطلقة وحكم مطلق الصلاحيات إلى حكم ملكي شوري نيابي (أي الدستوري). ونقول أيضا إن الحكم بالكتاب والسنة هو أساس البيعة الشرعية، التي مقتضاها اشترط العدل والشورى كما صرح الفقهاء، وان العدل والشورى في الدولة الإسلامية الحديثة لا يتجسد إلا بأنظمة تكفل العدل والشورى، وان المصطلح الدقيق الذي يعبر عنهما من دون لف أو دوران يسمى (الدستور) وإن الدستور قد يكون علمانياً أو شيوعياً، لأنه يجسد قيم الأمة التي تنشئه، ولذلك فإن من الوضوح أن يوصف بـ(الدستور الاسلامي) ونقول أيضا: إن كل الإصلاحات التي لا تنطلق من المفهوم الشوري للحكم، إنما هي ثانوية، وغير مضمونة الاستمرار، ويمكن أن تنقلب عليها الحكومة، في أي فرصة سانحة. ولعل في الفقرات السابقة ما يكفي، ولكن المدعي العام ذكر أمثلة، ولكل سؤال جواب، ولكل غموض بيان.

1- هذه الانتخابات البلدية التي جعلوها غاية الإصلاح هل هي منحة تبرعت بها الدولة صدقة وإحسانا؟ أم هي جزء قليل من حقوق الشعب ماطلت الدولة به زمنا طويلا؟ وتريد أن تعطيه الناس اليوم تقسيطا ومشلولاً، ثم ما وقع من إصلاح: هل جاء عفوا من دون مطالبة، أم أنه نتيجة تراكمات المطالب الإصلاحية، التي بدأت بالنصيحة الكبرى بعد حرب الخليج الثانية 1411هـ (1991م)، التي وقعها حوالي ألف شخص من أساتذة الجامعات والقضاة والفقهاء، وثنيت المطالب بإنشاء جمعية حقوق الإنسان سنة 1413هـ بجهود عديدة للأفراد والجماعات، واستؤنفت اليوم بالمطالبة بالدستور التي ركزت على الإصلاح السياسي، وبدأت بخطاب الرؤية وثنيت بـ(النداء الدستوري) وثلثت بـ(استقلال القضاء) ورابعها (نحو دستور اسلامي).

فما سبب بدء الدولة بالإصلاحات، كالانتخابات البلدية اليوم، وإنشاء مجلس الشورى بالأمس؟ إن كانت بسبب الضغوط الأجنبية وشروط وقانون وشروط منظمة الجات، فمعنى ذلك أننا نحتاج إلى الضغوط الأجنبية، كي ننهج طريق الحكم الشوري، ومعنى ذلك أن الأمريكان حين تغدوا بالعراق قد يتعشون بنا، ولماذا لا نصلح أنفسنا إلا بالضغوط الأجنبية؟، وإن كانت الإصلاحات بسبب جهود النخبة الإصلاحية، فلماذا تجرّم جهود النخبة؟، وإذا كان من الأمراء الإصلاحيين فذلك خير وبر، ولكن لماذا لم ينتبهوا إلا اليوم، ولماذا لا يستثمرون الظروف، لإصلاح الحكم ويعدوا الأمة بالدستور؟ وخلال خطوات عملية جدّية محددة الزمن، وإلا فقد نحتاج إلى نصف قرن قبل أن يتحقق ذلك الاستحقاق، فهل يضمنون عدم تقلب الأحوال؟ ثم أي خطوة صغيرة أو ثانوية أو غير ذات أولوية، تصور للأمة على أنها كبيرة، البلديات كانت في عهد الملك عبد العزيز كلها انتخاب وقد أبطلت القيادة الانتخاب، وسائر تشكيلات المجتمع المدني، منذ بداية عهد الملك فيصل رحمنا الله وإياكم وإياه سنة 1385هـ، ولعل الناس يتذكرون الأمير سلمان أمير منطقة الرياض، عندما ظهر وهو يتجول على مراكز الانتخاب. بعد مضى خمسين عاما، يعطوننا نصف ما أعطانا الملك عبد العزيز، ثم تسمي القيادة ذلك إصلاحا حقيقيا، ثم تسمي القيادة دعاة الإصلاح: عندما يجهرون: (إصلاحيين رديكاليين) وعندما يهمسون بأنهم (من القافزين في الظلام)، وعندما يثبتون تعتبرهم (من دعاة العنف والإرهاب)؟.

نعم للمجالس البلدية فوائد كبيرة، وهي خطوة مشكورة على كل حال، تدرب على القيادة، وتراقب ميزانيات البلديات، ولكن هل لها سلطة المحاسبة؟ هل هي بلديات حكم محلي؟ هل مجلس بلدية الرياض كمجلس بلدية فرانكفورت أو حتى كراتشي؟ مهما يكن من صلاح في البلديات، فإن المشكلة الكبرى ليست في البلديات، فالفساد في البلديات عَرَضٌ وناتج عن الخلل في رأس هرم القيادة، ليست المطالب السياسية تتحدث عن كفاية أشخاص أو تثاقلهم، بل عن كفاية مؤسسات ونظم وعجزها. الخلل مؤسسي يخلّ بمصالح الشعب الكبرى، في التربية والإدارة والمال، والقرارات الخارجية والداخلية، التي تتعلق بمصير الشعب. كم سنة نحتاج لكي يظهر مجلس النواب، على هذا الحساب؟ خمسين عاما على الأحسن، سيكون البلد محملا بالديون الخارجية، وسيكون الأمراء المعتدون على المال العام قد نهبوا كل ثروة البلاد، وسيكون العنف سيد الساحة، وسيكون لحمنا طريا للاستلاب والاستغراب.

2- ثم ما هو مجلس الشورى الذي يزعمون أنهم تفضلوا به علينا، وهو مجلس متواضع، لا يهش ولا ينش، يوصي ويقترح في الأمور الثانوية، أقامه الملك عبد العزيز رحمنا الله وإياكم وإياه، ثم عطل في سنة 1385هـ، فعودته بعد خمسين عاما لا تعالج المشكلة، الأمراء الأحرار بقيادة الأمير عبد الله ونذكر منهم بالشكر الأمير طلالاً، نادوا بالدستور، الدستور كان حاجة ضرورية في ذلك الزمن، أما اليوم فهو إنقاذ للبلد، مجلس الشورى، متى أعيد؟، بعد أن بقى مبناه فارغاً سنين طوالا، أليس ذلك نتيجة تراكم مطالب الإصلاح السياسي، أليس قد دفع ثمن ذلك دعاة الإصلاح سجناً وفصلاً عن العمل وإيذاءً ظاهراً وباطناً، منذ سنة 1413هـ (1993م) ربيع الرياض الأول؟

هل من الضروري أن يمرّ دعاة الإصلاح بربيع ثان، فيسجن أساتذة الجامعات والفقهاء والمفكرين والمثقفون، لكي تنصت الدولة إلى مطالب الشعب العادلة، إذا لم يكن مجلس الشورى بسبب طلاب الإصلاح السياسي، فهو إذن بضغوط أجنبية، فهل يراد منا أن نسكت حتى يتدخل في شئوننا الأجانب؟ وإن كان نتيجة تراكم المطالبات بالإصلاح، فهذا دليل على سلامة منهج المطالبين بالإصلاح السلمي في خطاباتهم، والله يقول ''ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض''.

3 - إصلاح مناهج التعليم: نعم الدولة اليوم (فحسب) استجابت إلى صيحات الآباء والأمهات والتلاميذ التي تعالت في الصحف والمجلات، تنادى إليها كتاب التربية والتعليم، ومنذ أكثر من ربع قرن، وخبراء التعليم يصرخون: التعليم بدأ يضعف... بدأ يختل. أصلحوا التعليم. كل الناس تريد إصلاح التعليم، ولكن عدداً من الناس ـ منهم أنا ـ لا يريدون أن يكون إصلاح التعليم، ولاسيما الديني في ظروف توحي بضغوط أجنبية، قد تفرض على أبنائنا ماذا يدرسون، من أجل ذلك لا يكفي أن تنفرد الحكومة بتكوين مجموعة من الفقهاء والمربين، لتقرير ما ينبغي عمله من برامج ومناهج وخطط. بل لا بد من مشاركة شعبية على العموم، تجسدها نخبة مؤتمنة يثق الناس بسداد رأيها ورجاحة عقولها وصدقها وصراحتها. وهنا ينبغي أن يكون ذلك تطويراً للمناهج ينهج نهج التربية العملية ويرمي طابع التلقين والتقليد، وليس تغييراً يوحى بقبول ضغوط أو تدخلات أو إملاءات أجنبية، ليست نابعة من خبراتنا وعلمائنا ومربينا المخلصين، بحيث لا يسهم في مزيد من مسخ هويتنا وثوابتنا الإسلامية. لابد أن يطمئن الناس إلى سلامة المقاصد والوسائل معا، ولا يكون ذلك إذا لم يكن ثمة مجلس لنواب الشعب، يراقب ويحاسب ويقرر مقاصد التعليم ووسائله، لكي يمكن أن تخصص بالتخطيط شخصيات علمية مستقلة يتحقق فيها مفهوم أولى الأمر أهل الاستنباط والدراية والإخلاص.

4- المدعي العام يعتمد في دعواه على التدليس، فهو يذكر أن دعوة الدستور الإسلامي تهدد الوحدة الوطنية القائمة على الشريعة، وتهون من قدر ولي الأمر، ودعوة الدستور الإسلامي شديدة الوضوح في النقاط الثلاث، ولكن المدعي العام نسي انه في قاعة محكمة، فجرى على سبيل وسائل الأعلام الصفراء أي تصورنا وكأننا نقوم بالمساس بالدين الإسلامي أو النظام الملكي، أو الوحدة الترابية للمملكة، أو نقدم خطابا فئويا أو عرقيا أو إقليميا أو طائفيا''، وهذه التهم الأربع، أزالت اللبس فيها دعوة الدستور وأجابت عن اشكالاتها بوضوح منذ خطاب الرؤية، وشُرحت في مذكرة (سداد)، ولكن هناك فرق بين وحدة وطنية تقوم على قمع الناس عامة، وقمع فئات أو أقاليم خاصة، ووحدة وطنية تقوم على التعددية والمساواة ولكن: وليس يصح في الأذهان شيء/ إذا احتاج النهار إلى دليل.

وهناك فرق بين آراء قضائية وسياسية عباسية، تريد منا (طاعة شامية) تنسب إلى الإسلام، وقد وضعت في ظروف الخوف أو الرجاء تحت حكم جبري لا شوري وشخصية الحجاج بارزة فيها، وهي من ما فيه خلاف معتبر، على أقل تقدير، إن لم يرق له قولنا بأنه تأويل للدين وتحريف. وهناك فرق بين المساس بأصل الملكية والدعوة إلى الخروج عليها، وبين الدعوة إلى إصلاحها من الداخل، بتطور نظام الحكم من مطلق الصلاحيات، إلى نظام محدد الصلاحيات أي (دستوري شوري نيابي).

على كل حال فإن بعض المصطلحات التي تبرزها، قد تكون غير واضحة في ذهن المدعي العام، وهو في ذلك قد يكون معذوراً، وقد تكون غير واضحة في أذهان فقهاء ومثقفين كثير، ولا دليل لدينا على استثناء القضاة.

من أجل ذلك يطرح المعتقلون الثلاثة من دعاة الإصلاح السياسي: (مسودة نحو دستور إسلامي: للدولة الإسلامية الحديثة: المملكة العربية السعودية نموذجاً)، من أجل إيضاح العناصر الأساسية، وبعض الجوانب الهيكلية، وهو من باب شرح القاعدة بالمثال، ولكن لا يلزم من ذلك شرح دقة المثال بصورة تجعله تعريفاً للدستور جامعاً مانعاً، وإنما هو مقاربة له بذكر العناصر والأطُر، إنه مسودة أولى لا أكثر. وهو مرفق بهذه المذكرة. وقد روعي فيه ما يلي: من أجل تعزيز المفهوم الشوري في الحكم:

1- عنيت مسودة الدستور بتحديد النقاط الأساسية، التي لا يمكن اعتبار أي نظام سياسي (دستورياً إسلامياً) إلا بها وهي:

أ- الشريعة الإسلامية مصدر السلطات، وكل قانون شرعي فهو دستوري، وكل قانون غير شرعي، فهو غير دستوري.

ب- سيادة الأمة على الحكومة، من حيث الرقابة والمحاسبة لأنها صاحبة الحق، ولأنها المرجع في حفظ مقاصد الشريعة، وللأمة أن تمارس صلاحياتها في تحقيق هذه المقاصد، بوسائلها المباشرة وغير المباشرة.

ج- أن العلاقة بين الحاكم والمجتمع تعاقدية، أي أن الحاكم وكيل عن الأمة فلها حق اختياره.

د- ضمان حقوق المواطنين الأساسية، في التجمع الأهلي ولاسيما المدني، لأنه الوسيلة الأساسية في ضمان حقوقهم.

هـ- تحديد سلطات السلطة التنفيذية.

و- إنشاء السلطة النيابية.

ز- استقلال القضاء.

ح- ضرورة الفصل (المرن) بين السلطات الثلاث.

وكل نظام لا يحقق هذه الأمور فهو غير شوري (أي غير دستوري) وكل نظام غير شوري وغير عادل فهو غير إسلامي، لا يطبق الشريعة، بل مخل بالشريعة إخلالاً كبيراً.

2- برهنت المسودة بالإجراءات التنظيمية على أن الدستور أقدر على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في العدل والشورى.

3ـ الحكومة الدستورية، هي الحكومة ذات السلطة غير المطلقة (المحددة) التي تقبل للمحاسبة والمراقبة بهذا المعنى يكون الفصل (المرن) بين السلطات، فصل السلطة التنفيذية عن السلطتين القضائية والنيابية.

الدستور لا يهمش دور العائلة الحاكمة، ولكنه ينظم السلطات وما فيها من اختصاصات ويضع الرقابة عليها، ويضبط أداء الحكومة (السلطة غير المطلقة)، ويضبط التصرفات المالية والإدارية بمسطرة. والدستور هو المسطرة، الحاكم مهما كان ملكا أو رئيسا أو خليفة أو أميراً للمؤمنين أو إماما لابد أن تنبع تصرفاته من مسطرة الدستور، نحن لا نتكلم عن الأشخاص، عندما نتحدث عن الفساد والصلاح، نتكلم عن المؤسسات.

4ـ تُسن القوانين العامة وكذلك القرارات المصيرية الكبرى، في السياسة المالية والتربوية والإدارية، والداخلية والخارجية بموافقة مجلس النواب، وتصديق الملك.

5ـ تضبط نسبة تواجد العائلة المالكة في الوزارات والإمارات، وفق معادلة العدالة والكفاية، تراعي التدرج والواقعية، ولكنها مبدأها الذهبي الذي رسمه الأمير محمد بن عبد العزيز رحمنا الله وإياه هو أن تكتفي الأسرة الحاكمة بالوزارات السيادية، وأن يكتفي كل وزير منها بمهام وزارته واختصاصها.

6ـ كل من اشتغل من الأسرة الحاكمة في وظيفة وزيرا أو غيره، فإنه مسئول عن تصرفاته، وقابل للمساءلة والمراقبة والمحاسبة، عن التصرفات المالية والإدارية ونحوها، أمام مجلس النواب، الذي يملك صلاحية محاسبة أي موظف كبير أمام المحكمة الشرعية الدستورية العليا.

7ـ يكتفي أفراد العائلة المالكة بمخصصاتهم المالية المحددة على أن تكون معلنة، ويستفيدون من خدمات الدولة، كغيرهم من المواطنين الآخرين، ويكفون أيديهم عن المال العام، والأراضي العامة، في مصاريف الماء والكهرباء والسفر. وينشئ أثرياء العائلة المالكة مؤسسات مالية تقوم بالإنفاق عليهم في ما يرغبون التوسع فيه من مصاريف من دخلها أو على فقرائهم البعيدين عن مركز السلطة.

8- قدمت المسودة آلية لحسم الصراع على المراكز، ولاسيما ولاية العهد لتحديد من هو (الأصلح) لولاية العهد، بأن يكون بتوصية من مجلس الأسرة الحاكمة، وموافقة من الملك، وإقرار من مجلس النواب وهذا يسد مسارب التنازع على ولاية العهد، ويقضي على بذور الخلاف قبل نشوئها، و يجنب الأسرة المالكة مخاطر النزاع، الذي قد يأول بالبلاد إلى الصراع الدموي، أو فشل أداء الحكومة، وقد استأنسنا في ذلك بالدستور الكويتي (انظر المادة الرابعة من الدستور الكويتي)، ولعلنا قدمنا ما هو أفضل من دستور الكويت لحسم النزاع.

9- هذه الضوابط تحفظ التوازن الواقعي بين مصلحة الأسرة الحاكمة، ومصلحة الأمة، وتضمن مستقبل الملكية، أما الأسلوب القائم فهو غير طبيعي، ويعرض البلاد للمعضلات، والصيغة الشورية (أي الدستورية) أضمن للعائلة الحاكمة من المغامرة بالاستمرار على الوضع القائم، أجل الإصلاح ليس مطلوباً بين عشية وضحاها، ولكن المأمول أن تبلور هذه العناصر في (مبادرة) تعلنها الحكومة على شكل منظومة إصلاحية دستورية شاملة، تنفذ وفق جدول زمني متدرج معلن، لقد دشن كل من الملك وولي عهده تصريحات وتصرفات تطمئن الناس إليهم ولكن الناس يخافون من الالتفاف عليها مستقبلا، فاعلان المبادرة المجدولة مهم جداً، قاطع للتخوفات والتكهنات. لكي يطمئن الناس إلى أن الإصلاح قادم حتماً. من أجل مصلحة الأسرة المالكة والشعب معاً، ومن أجل أن لا تكون مصلحة الأسرة المالكة على حساب مصلحة الشعب.


(75)

وأما بعد:

فإن دعوتنا إلى الدستور الإسلامي هي مضمون شعار (المشاركة الشعبية)، الذي نادى به الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ومضمون (مشاركة المواطن في القرار السياسي والإداري)، الذي أعلنه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في افتتاح دورة مجلس الشورى سنة 1424هـ / 2003م بأن يشارك الشعب السلطة في القرارات الجوهرية والكبرى، في أمور التربية الاجتماعية والتعليمية والإدارة والمال، فهذا هو مقتضى القول بتطبيق الشريعة، ولا يتم ذلك إلا من خلال تقسيم السلطات، وتطوير نظام الحكم الملكي من نظام ولي الأمر الجبري الجائر (أموياً وعباسياً وعثمانياً وطوائفياً) الذي يمسك بيديه أزمة السلطات الثلاث إلى نظام يكون رأس الدولة فيه محدد الصلاحيات، كما في الأردن والمغرب والكويت والبحرين، وهذا هو التطبيق الصحيح للشريعة، وهذا هو مقتضى البيعة على الكتاب والسنة، فالعدالة والشورى من أصول الدين الكبرى، وإن كان بعض الفقهاء الذين ينتسبون إلى الصحوة لا يدركون ذلك، فإن الحقائق ليست محصورة بعيونهم:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد/ وينكر الـفـم طعـم الماء مـن سقم

إننا نتطلع إلى اليوم الذي تدرك به العائلة المالكة، أن الدستور الإسلامي لمصلحة المجتمع والقيادة معا، وأن تتظافر النخبة من فقهاء وعلماء وأساتذة جامعات ومثقفين وكُتاب للحض على ذلك قبل فوات الأوان، ولكي لا نقول غداً قول الشاعر القديم: نصحتهم نصحي بمنعرج اللوى/ فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد، أو يكون قولنا صرخة في مهب الريح، كقولة مؤمن آل فرعون: ''فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله''.

أ خ د/ أبو بلال عبدالله الحامد

سجن المباحث - عليشة - الرياض

الاربعاء 1/12/1425هـ

الموافق 12/2/2005م

الصفحة السابقة