كيف ستتعامل الرياض مع انتصار (أنصار الله) في اليمن؟

موقف السعودية الحائر بعد سقوط صنعاء

أخـرسـتـهـا المـفـاجـأة، وأقـعــدهـا الـعـجـز!


لأكثـر من خمسة وأربعين عاماً كانت السعودية صاحبة النفوذ الأول والأخير في اليمن. فجأة
أصبح لها شريك في ذلك النفوذ. شريكٌ قويّ تراه عدوّاً أكثـر من أن يكون منافساً


عبدالحميد قدس

ترمي الرياض المشكلة على إيران بأنها غيّرت خارطة اليمن السياسية بدعمها (أنصار الله)، تغييراً جوهرياً. وهذا صحيح، وهو يشبه الى حد التطابق التغيير الذي أحدثته السعودية في السياسة اليمن عشيّة هزيمة عبدالناصر في اليمن.

لم تكن علاقة الرياض بصنعاء في عهد الإمامة طيبة؛ ولكنها دعمت العائلة المتوكلية مقابل الجمهوريين الثوريين بعد عام 1962، وموّلت الحرب حتى استفردت بقرار اليمن لما يقرب من خمسة عقود دونما تحدٍّ من أحد أو منافس إقليمي أو دولي؛ ما أتاح لها ـ كما يفترض ـ فرصة تثبيت وجود سياسي لها غير قابل للإهتزاز.

لم تسأل الرياض نفسها: لماذا خسرت الكثير من نفوذها في اليمن؟ أين أخطأت هي قبل ان ترمي الكرة على متنافسين في حلبة السياسة الإقليمية؟ ما هي الدروس التي يمكنها الإستفادة منها مما حدث، وكيف يمكن ترميم الوضع السياسي السعودي هناك؟

بدا أن الرياض وكأنها تريد أن تقوم بمراجعة لسياستها اليمنية، بعد سيطرة أنصار الله الحوثيين على صنعاء، في ظل عجزٍ كبير عن القيام بدور عسكري مضادّ؛ حيث تعطّلت الكثير من مفاعيل القبيلة والمال النفطي والتحالفات... فما عسى من تذرّرت قواه ان يفعل في أرض الحكمة؟

هذا هو الإنطباع الأول عن الموقف السعودي الذي بدا غامضاً غير متوقع من أحداث سقوط صنعاء، فلا هي حرّكت ساكناً، ولا هي قامت بتعبئة إعلامية أيديولوجية اعتاد القيام بها حتى في ظروف السلم؛ ولا هي أقامت مناحة كتلك التي أقامها حليفها السياسي في الداخل والخارج وسكبت الدمع على صنعاء. بل على العكس فاجأتنا بعد أيام من الصمت بتأييد اتفاق الشراكة الذي أبرمه الحوثيون والرئاسة والقوى اليمنية الأخرى.

الخاشقجي ينصح: قبول الأمر الواقع، والديمقراطية التشاركية هي الحلّ

البعض رأى ذلك دليلاً على تبدّل في الرؤية الإستراتيجية السعودية تجاه اليمن، او هو في الطريق الى ذلك.

بعض آخر رأى أن الموقف الجديد للسعودية يعود الى حقيقة أنها قلّصت هامش تحركها حين أعلنت أن الحوثيين كما حزب الإصلاح (الإخواني) على قائمة المنظمات الإرهابية لديها، وبالتالي كان تدخّلها المباشر عسكرياً وغيره لم يكن مبرراً، وكأنها تريد القول: (فخّار يكسّر بعضه).

لكن التفسير الأقرب للصحّة بشأن الموقف السعودي حول ما جرى في صنعاء، هو أن الرياض أخرستها المفاجأة، وأقعدها العجز عن فعل أيّ شيء!

كانت الرياض بحاجة الى وقت لاستيعاب ما جرى؛ فقد كانت مشغولة بالموضوع الداعشي والمشاركة في الحرب الأميركية ضد ما يسمونه الإرهاب. وكانت بحاجة الى وقت لإعادة التفكير في ترتيب تموضعها السياسي وفق المعطيات الجديدة.

الفاصلة الزمنيّة المحدودة التي استغرقتها الرياض لترتيب وضعها، أغرت بعضاً؛ وأصابت بالحيرة بعضاً آخر!

أغرت البعض بأن يتجرّأ ويجتهد في معرفة الموقف الرسمي السعودي، فيقترب منه وربما ينظّر له. وبحسب قراءته، مال الى أن الرياض لا تستطيع الحرب العسكرية، والى أنها قد تقبل بالوضع القائم من خلال اعادة قراءتها للحدث اليمني.

هذا ما يمكن فهمه من مقالة جمال خاشقجي مثلاً، والتي حاول فيها التنظير للمستقبل. المقالة كانت في الحياة (27/9/2014) وبعنوان (السعودية والحوثيون... ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه). فقد تساءل في مطلع مقالته: (كيف ستكون السياسة السعودية حيال اليمن الجديد بعدما حُسم الصراع فيه لمصلحة القوة الصاعدة منذ عقد من الزمن ـ أنصار الله ـ المتحالفين مع ايران؟). يخلص فيها الى أن (ثمة يمناً جديداً يتشكّل وفق شروط المنتصر الحوثي) وأن (المتأثر الأول بالحدث اليمني هي السعودية)؛ وينصح: (لا يمكن إعادة عجلة التاريخ، فالحوثي يمني أصيل، لم ينجح أحد في إلغائه عندما كان مجرد مقاتل غاضب في صعدة). ثم يشير الى أخطاء الرياض: (لا يمكن تصحيح أخطاء الماضي القريب؛ كما لا تستطيع المملكة أن تمنع اليمن المستقل من اختيار أصدقائه وحلفائه). والنتيجة يرى الخاشقجي التالي: (الإختيار الأفضل هو دعم تحوّل اليمن نحو نظام ديموقراطي ومنع أي أسباب تؤدي الى أن يختار الحوثي حسم صراع الحكم لصالحه والإنفراد به) لأن ذلك إما يؤدي الى تحويل اليمن الى محميّة إيرانية في حال استقرّ الحكم لصالح الحوثيين، أو العكس، سيؤدي الى حرب أهلية (ستطفح بشررها على الأراضي السعودية قبل غيرها).. وتالياً (يمن ديمقراطي هو الحل؛ حينها ستجد المملكة حليفاً في اليمن يحتاج الى دعمها بل حتى حمايتها، ويستطيع أن يحقق توازناً مع الحوثي يمنعه من التفرد بالحكم، ومن اتخاذا قرارات تضر بمصالح المملكة).

عبدالرحمن الراشد: المواجهة والنصر ضرورة!

عبدالله حميد الدين، من العائلة المتوكلية الحاكمة السابقة في اليمن، والمولود بعد الثورة، والحامل للجنسية السعودية، كتب مقالة اخرى في الحياة (الطبعة السعودية 29/9/2014) أيضاً بعنوان: (هل هناك تهديد حوثي على الأمن القومي السعودي؟)، حيث يرى أن المعركة في صنعاء كانت اقليمية ودولية ومحلية ضد حزب الإصلاح، وهذا بنظره هو سر الصمت السعودي او رضاه عما جرى. ويؤكد (ما حصل لم يكن سقوطاً لصنعاء في يد ايران ولا حتى في يد الحوثيين. الأمر الوحيد الذي حصل فعلاً هو سقوط نهائي لحزب الإصلاح ولعلي محسن الأحمر، وهما طرفان أساسيان في تغذية الإرهاب ودعم القاعدة في اليمن).

ويرى عبدالله حميد الدين ان تصاعد نفوذ الحوثيين بسبب ذلك السقوط هو (أقل خطورة من استمرار سيطرة الإخوان المسلمين وحلفائهم على الحكومة اليمنية). ويستبعد الكاتب ان يسيطر الحوثيون على كامل اليمن، وانه ستفرض عليهم المشاركة في الحكم، ولمنع حدوث السيطرة الحوثية من التحقق ينبغي ـ بنظر الكاتب ـ اتباع عدد من الخيارات من بينها: (العمل السعودي الدبلوماسي الهادئ لإقصاء الشرائح المتطرفة الحوثية؛ وتكثيف المصالح بين القبائل المتحالفة مع الحوثيين وبين السعودية؛ ودعم الحكومة اليمنية وتقوية مؤسساتها بحيث يمكن لها بسط سيطرتها التدريجية والبطيئة على اليمن كاملاً).

ويضيف بأن هناك جناحاً حوثياً براغماتياً يريد علاقة جدية مع المملكة التي يعلمون أن (السعودية قادرة على قلب الطاولة عليهم وإدخالهم في صراعات لأعوام طويلة).

عبدالرحمن الراشد، اجتهد في الإتجاه المعاكس، فصبّ جام غضبه على علي صالح والحوثيين معاً، وكتب عن (صنعاء مقبرة الحوثيين)؛ وحين تبدّل الموقف الخليجي والسعودي وقرر وزراء الخارجية بأنهم (لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه التدخلات الخارجية في اليمن) في إشارة لتغيّر الموقف من دعم اتفاق الشراكة والبدء بالمواجهة... حينها كتب الراشد مقالته (الأيدي الخليجية المكتوفة في اليمن) لأنها (لا تملك ولا دبابة واحدة على الأرض، وليست لها قوات أو ميليشيات على الأرض، ولا تستطيع أن تشن حربا على تنظيم الحوثيين. الوضع الخليجي صعب على الأرض اليمنية)؛

ويسأل الراشد القريب من فهم التوجه الحكومي: (هل الإشارة الى الأيدي المكتوفة فيها نية لتدخل عسكري ما؟ ما الذي بوسع دول الخيج ان تفعله لحماية مبادرتها ورعاية النظام اليمني الجديد؟). لا يرجح الراشد حدوث تدخل خليجي عسكري مباشر، ويرى الحل السياسي هو الأفضل، ولكنه حلّ يستثني الحوثيين أكبر قوّة عسكرية وسياسية، مع انه يتهمهم بإقصاء خصومهم!. فمن رأيه (جمع كلمة القوى اليمنية المختلفة بما فيها الجنوبية للتوحد ضد الحوثيين.. وتبني مشروع سياسي يقصي المتمردين ومواليهم ويعاقبهم اقتصادياً).

حميد الدين: لم تسقط صنعاء
وإنما الإصلاح وآل الأحمر!

والحل الثاني المكمل من وجهة نظره: (دعم الجيش بإعادة هيكلته وتسليحه وتمكينه). أي أن السعوديين والخليجيين ـ حسب هذا الحل ـ يقدمون بنظرنا وصفة كاملة لحرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، وكل ما عليهم هو استخدام المال في تشكيل تحالفات جديدة، تقصي الحوثي ليكمل عليه الجيش الذي يعيد الخليجيون هيكلته وتدريبه وتمويله وتسليحه!

ويعترف الراشد بأن التحدي الذي يواجه الخليجيين (السعوديين بشكل خاص) غير مألوف، وان (الحرب لن تكون سهلة... إن انتصروا في اليمن فإن ذلك سيمنحهم الإحترام في المنطقة.. وإن فشلوا فإن تداعيات الفشل ستكون كبيرة).

خيار الرياض: المواجهة؟

يبدو أن الرياض قد قرّرت المواجهة مع خصومها السياسيين في اليمن وبالخشونة والقوة والإرهاب أيضاً. لا نُشير هنا الى الحرب على قاعدة الجهاد في جزيرة العرب والتي تتخذ من اليمن مقراً له. فهناك ترتيبات أمريكية سعودية على استخدام قواعد عسكرية خاصة في الأراضي السعودية لشن ضربات بطائرات درون (بدون طيار). ولكن الرياض كانت دائماً تشعر بأن النظام في صنعاء ملتحم وراءها، فإذا ما قررت اليوم الحرب على الحوثيين بالطريقة التي وصفها عبدالرحمن الراشد أو بالطريقة السعودية القديمة: استخدام القاعدة، وتحفيز بقايا الجيش اليمني على المواجهة؛ فإن الرياض تكون قد اختارت لليمنيين (الحرب الأهلية) بديلاً عن (الشراكة السياسية) بين التيارات القائمة؛ وأنها اختارت لنفسها كدولة سياسة قد تقود لـ (خسارة النفوذ) كاملاً هناك، بدلاً من أن يشاركها طرف إقليمي آخر فيه.

حتى الآن يمكن رصد التحوّل في الموقف السعودي باتجاه الصدامية، وهي تتلقى النقد من حلفائها السابقين من أنها تستدرج ايران للمستنقع اليمني؛ او انها تخلّت عن اليمن من اجل الاطاحة بالإخوان.. من خلال الإعلام الرسمي (او شبه الرسمي) ونقصد به الصحف، فضلاً عن التلفزيون الرسمي اضافة الى العربية والشرق الأوسط.

في الصحافة الرسمية السعودية ومنذ بداية أكتوبر الجاري وجدنا زيادة في التغطية الإعلامية للشأن اليمني، وفي الحقيقة يمكن وصفه بالهجوم الإعلامي الذي عادة ما يراد منه التهيئة لأمر ما. ومعظم المقالات التي تم نشرها في الصحافة صدامية حادّة عدوانية. بعضها بالطبع يميل الى تبرير الموقف السعودي عشية سقوط صنعاء؛ مع ابقاء احتمالية التبدّل اذا ما قررت الأطراف المعادية لأنصار الله الحوثيين تغيير مواقفهم والإصطفاف مع المملكة السعودية.

(ماذا بعد سقوط صنعاء) لعبدالعزيز العويشق في (الوطن/ 1/10/2014)؛ ومحسن السّهيمي يكتب في (المدينة 1/10/2014) تحت عنوان (وكلاء إيران) اعاد لنا من خلاله خطاب الثمانينيات الميلادية عن خطط ايران لنشر عقيدتها، في تحليل عقدي ساذج كعادة السلفيين الوهابيين؛ وفي صحيفة المدينة أيضاً في (4/10/2014) حديث عن (عيد صنعاء كئيب) وعن (الحوثيون يسيطرون على أموال الدولة) ويتحكّمون بـ (الإنفاق)، وهذا لم يقل به أحد حتى الآن، ولم يحدث!

محمد الحربي: ما جرى ليس ثورة،
ولكنه خطير على المنطقة

أما محمد الحربي فكتب في (عكاظ 4/10/2014) تحت عنوان (اليمنيون أكرم من أن يسموا جرائم الحوثيين ثورة!). مع ملاحظة ان كلمة (الثورة) جديدة في القاموس السعودي وهم لا يرحبون بها، لأنها تعني الفوضى والدمار؛ ثم اصبحت الكلمة طيبة ومستساغة في سوريا فحسب. اما الثورة كمفهوم، فلا يبدو ان الكاتب يدرك معناه، ولكن مادامت الكلمة محببة، فإذن لا يمكن وصف ما جرى بثورة، لأن في ذلك مديح للحوثيين! الذين وصفهم الكاتب بكل الشتائم المعروفة: (تطرف، ارهاب، عمالة، تخريب، بلا أخلاق، غير عقلايين وغير منطقيين، حزبيين، انقلابيين، طائفيين) وغيرها. هذه التوصيفات تحجب الرؤية السياسية الصحيحة، ولكن ما يخلص الكاتب اليه هو: (يجب أن لا يُترك اليمن وحيداً. ما يحدث في اليمن أشد خطورة مما يحدث في أي من دول المنطقة المتوترة والتي ترزح تحت وطأة الطائفية والإرهاب). فما هي الخطوة التالية؟ هناك عملٌ لم يُنجز بعد، إما ان تقوم به القاعدة او الحكومة السعودية.

الأكثر عقلانية هو ما كتبه جمال خاشقجي، فرغم قربه من أجهزة الإستخبارات السعودية (تحديداً تركي الفيصل) وكونه أحد أقطاب الإعلام السعودي، إلا ان الجميع يعلم بميوله الإخوانية ـ السابقة على الأقل؛ وهو قد رأى ان المواجهة التي تتحفز لها السعودية في اليمن لا تفيد، فكتب (الحياة الطبعة السعودية 4/10/2014) تحت عنوان: (الديمقراطية الليبرالية هي الحل لليمن ولغير اليمن)! علق فيه على ما قالته دول الخليج (لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التدخلات الخارجية الفئوية في اليمن) وقال ان المقصود هو ايران، موضحاً الخيارات المتاحة ومآلتها فقال: ( ولكن إيران لن تستقر في اليمن طولاً وعرضاً إلا باستقرار الأمر والحكم للحوثيين، ومنعهم من ذلك بتدخل مباشر يعني الحرب ولا أحد يريد الحرب، أو بدعم طرف آخر ضدهم، وهذا يعني حرباً أهلية في اليمن، وهذه ليست في مصلحة دول الخليج والمملكة واستقرارها، بالتالي لا يبقى غير عصا الديموقراطية السحري لمنع تفرد الحوثيين بالسلطة، وكذلك لحماية اليمن من الانزلاق في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، بل ستطفح سلباً على جيرانها، خصوصاً المملكة صاحبة أطول حدود معه).

ويحذر الخاشقجي: (الحوثيون لن يستطيعوا السيطرة على كل اليمن إلا بحرب أهلية، وخصومهم لن يستطيعوا إخراجهم مما تحت يدهم إلا بالحرب الأهلية نفسها).

على عكس ذلك، رأى ابراهيم الماجد في مقال له بعنوان (نعم.. صنعاء جزءٌ من أمننا) (الجزيرة، 6/10/2014): (يجب أن تُقص كل يد تتطاول على هذا البلد ـ اليمن. لا يمكن ان نقبل بأن يُختطف في غمضة عين). السؤال لا يكمن في الرغبة، بقدر ما هو في (القدرة)؛ فسواء قبلت الرياض ام لم تقبل بما جرى، فإن المعوّل عليه هو الخطوات التي ستتخذها مستقبلاً.

الذيابي: سخرية المهزوم من المنتصر ليست حلاً!

وفي وقت تحدثت فيه الأنباء عن اطلاق حرس الحدود السعودي النار على يمنيين في الطرف الاخر من الحدود اليمنية في مديرية منبه أصابت يمنيين إثنين، نفى مسؤول في حرس الحدود أن تكون حدود السعودية مع اليمن غير آمنة وأضاف: (لن يتجرّأ الحوثي على الإقتراب منها).

سعد القويعي، الذي يعرف نفسه بأنه باحث في السياسة الشرعية، كتب مقالتين في صحيفة الجزيرة في يوم واحد 7/10/2014 هما: (البصمة الإيرانية في اليمن) و(الحسابات الأمنية للعلاقات اليمنية ـ الخليجية). لم نجد شيئاً من السياسة ولا من الشرع فيهما. لكن جميل الذيابي، الكاتب في جريدة الحياة يفتعل مقالة ساخرة على شكل مكالمة بين الحوثي والبغدادي؛ فيما القضية اليمنية أكثر من جادّة. عنوان المقالة: (ملخص المكالمة السرية بين الحوثي والبغدادي) إذ لازال هناك هوس سعودي، بالجمع بين الأضداد، فلا يستطيع الوهابي السعودي ان يطعن في القاعدة بدون أن يطعن في حزب الله، وإلا ما استطاع بلع النقد او التعريض! لا يمكن ان تنقد السعودية إلا ويفترض بك ان تنتقد إيران أيضاً. ولا يمكن نقد البغدادي إلا بنقد الحوثي، وجعلهما من سنخ واحد، وبالتالي فالحرب عليهما معاً واجبة. والحال ان الفرق بين الأطراف هذه كبير جداً في الرؤى والسلوك السياسي. أسلوب السخرية لم يكن له محلّ إذ لا يغطي على الفشل السياسي المريع للسعودية في اليمن.

محمد الحربي يعود فيكتب محذراً في عكاظ (11/10/2014): (الحوثيون لا يمثلون اكثر من 3% من المكون اليمني، ولا يمكن ان يكونوا بهذه القوة التي تمكنهم من مصادرة 97% من بقية الشعب اليمني بهذه البساطة). وهكذا يعطيك معلومة خاطئة ليبني عليها سلسلة من المواقف الخاطئة أيضاً، ليصل الى هذا النداء: (يا عرب: صح النوم. لا تتركوا اليمن وحيداً فأنتم الخاسر الأكبر إن تمكن الحوثيون من كل مفاصل اليمن). ويختم: (من المهم ان تتحول بوصلة العالم اجمع الى ما يحدث في اليمن. ولا بد من إيقاف هذا التمدد الحوثي بأي وسيلة كانت قبل أن يخرج عن السيطرة)!

العقيد آل مرعي: خطة مواجهة من ينفذها؟!

مدير تحرير جريدة الرياض، يوسف الكويليت، كتب في كلمة الرياض تحت عنوان (من سيغرق في مستنقع اليمن؟)(الرياض، 11/10/2014)، ما يبرر تغيير النظرة الشعبية الوهابية وغيرها والتي كانت ترى تنظيم القاعدة بصورة سلبية، وذلك بسبب سيطرة الحوثيين على اليمن، مهدداً بأن السعودية لن تصرف المال على الحكومة اليمنية، فهل لدى الحوثيون وحليفتهم ايران ـ يقول الكويليت: (الإمكانات للصرف على دولة لا تلقى التوافق من كل اليمنيين وتعتمد في دخلها على المعونات الخارجية؟). وعموماً فالجيمع يهدد الحوثيين (أنصار الله) لا بالجيش السعودي، ولا بدرع الجزيرة الخليجي، ولا بقوة أمريكا، وإنما بالقاعدة: (تنازلوا وإلا سلّطنا عليكم القاعدة).

علي العنزي كتب في الحياة (11/10/2014) مقالا عنوانه: (الحوثيون وتجاوز الخطوط الحمراء) أعاد ما كتبه غيره من ان السيطرة على صنعاء (وضع لا يمكن السكوت عليه من شعوب وحكومات دول مجلس التعاون الخليجي... من الواضح جداً بأن دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية لن تقف وتتفرج على ما يحدث في اليمن)، ليخلص الى أن (السعودية لن تسمح لأي دولة أن تتمكن أو تتحكم في اليمن، سواء أكانت إقليمية أم دولية، فما يهدد أمن اليمن وسلامة شعبه يهدد أمنها واستقرارها ومصالح شعبها، إضافة إلى تهديده لأمن الشعوب العربية ومصالحها بأكملها، وهذا هو الخط الأحمر الذي رسمته السعودية لكل من يحاول أن يعبث بأمن اليمن واستقرار شعبه).

واخيراً يقترح عقيد أركان متقاعد، إبراهيم سعد آل مرعي، في مقالة له بالرياض (1/10/2014) حلاً استراتيجياً لليمن من منظور سعودي يتلخص في التالي:

أمنياً وعسكرياً، اعادة السيطرة على صنعاء وإخراج الحوثيين، وذلك من خلال تواجد قوات عسكرية (لم يحدد صفتها ولا من أين) تتواجد في صنعاء، وإرسال مستشارين عسكريين وأمنيين لتنسيق الجهد. اضافة الى اعادة هيكلة القوات الأمنية والعسكرية، ويقترح ارسال بعثة تدريب دولية بمشاركة خليجية فاعلة لمدة خمس سنوات.

سياسياً ودبلوماسيا، يقترح آل مرعي (دعم الرئيس هادي دعماً مطلقاً) وإقرار الدستور اليمني الجديد (دون تعديل)؛ وكف يد الرئيس السابق علي صالح.

إقتصاديا، وضع خطة انقاذ دولية، ويشدد (على دول الخليج عدم تكرار خطئها بتقديم دعم مالي مباشر).

السؤال: هل تستطيع الرياض ومعها عواصم الخليج أن تنفذ هكذا خطّة. فعلى الورق تبدو الخطة محكمة، ولكن: (من يعلّق الجرس؟). فإذا وجد هذا، عليه أن يعرف أيضاً أن الطرف الحوثي ليس نائماً بل في كامل يقظته ووعيه وقدرته.

أهلاً بكم في اليمن السعيد!

الصفحة السابقة