مجلس الشيوخ يصوّت على (العدالة ضد رعاة الإرهاب)

إبـتــزاز أميـركي للسـعـوديــة

ناصر عنقاوي

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بالإجماع لصالح مشروع قرار (العدالة ضد رعاة الإرهاب)، وذلك كخطوة تمهيدية تسمح برفع دعاوى ضد أمراء سعوديين متهمين بتمويل ورعاية ارهابيين قادوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١؛ وهو المشروع الذي هدد بسببه عادل الجبير الولايات المتحدة بأن بلاده ستسحب ارصدتها منها في حال اقرار القانون.

وحتى الآن، يتطلب عرض القانون على الكونغرس ثم على الرئيس الأميركي، لكن الخطوة في حدّ ذاتها، سببت رعباً هائلاً في الأوساط الرسمية السعودية ـ النجدية بالخصوص، واعتبرت تمهيداً لسرقة استثمارات السعودية، والضغط عليها وابتزازها سياسياً ايضاً، والأخطر ان الرياض ولأول مرة في تاريخ الحكم السعودية تبدو وكأنها فقدت الحليف الحامي منذ ان تأسس هذا الحكم، وتنقّل بين الأحضان البريطانية الى الأمريكية.

الرئيس جورج بوش الإبن، لم يشأ معاقبة الرياض التي ينتمي اليها ١٥ من ١٩ قاعدياً هاجموا نيويورك وواشنطن، واستثمر الهجمات لاحتلال العراق وقبلها أفغانستان. أمر بوش بحذف ثمان وعشرين صفحة من التحقيق المنشور عن الجريمة. لكن الزمن تغيّر، واصبحت تلك الصفحات مثار نقاش وجدل من أجل نشرها للعلن لتبيان دور السعودية في تمويل الإرهاب، وتورط امراء في ذلك، فضلاً عن مؤسسات خيرية سعودية.

خريف الحكم السعودي بدأ منذ زمن، والآن هو يتعرض للتهديد، والقضية اكبر من ان تكون مالية، فيمكن لال سعود أن يدفعوا تعويضات، ولكن المؤلم لآل سعود، هو أن أيديولوجيتهم الوهابية، وهم أنفسهم كحكام، ودولتهم النجدية المسعودة، اضحت في عين العاصفة والإتهام من قبل كل العالم بأنهم داعمون للإرهاب، مفرّخون له في محاضنه النجدية، ومروجون له في كل العالم بأموالهم ومشايخهم وجامعاتهم.

محمد البشر، الإخواسلفي، واستاذ الاعلام في جامعة محمد بن سعود الإسلامية، قال ان مجلس الشيوخ كاذب، وأن مئات الألوف من المسلمين قتلوا بذريع الإرهاب. وحلم البشر فقال: (ننتظرُ حلفاً اسلامياً يواجه الغطرسة الأمريكية). واضاف بأن أحداث ٩/١١ للأمريكيين تشبه السامية للصهاينة، يهددون بها من يقف ضد مصالحهم واطماعهم. وكأن آل سعود يقفون ضد مصالح حاميتهم أمريكا، ولذا يضيف: (على كل دولة ان تبني قوتها وتعتمد على نفسها وشعبها)، وهو هنا يقصد آل سعود.

ولأن أوباما قال بأنه لا يقبل بنشر الصفحات الثمان والعشرين، ولن يقبل بقرارات الكونغرس، فإن الإعلامي سلطان الجميري يرى أن (التعويل على فيتو اوباما غير مفيد كثيراً سواء حدث أو لم يحدث). ووصف مشروع القرار بأنه ابتزاز للسعودية. وكأن الجميري يرى ان التصويت في مجلس الشيوخ وبالإجماع عملاً تآمرياً، لأن عضواً واحداً فقط كان بإمكانه تعطيل تمرير المشروع. وعلق الجميري على اسم القانون (العدالة ضد رعاة الإرهاب) فقال ان انه خبيث، (فإذا فلتَّ من الدعم، حاصروك بالرعاية). ويخلص الى ان الصفحات المحجوبة من تحقيق ١١/٩ او الابتزاز بها خطير على البلاد.

الغريب ان أكثر التعليقات من الإخواسلفيين، استهدفت ضرب خصومهم الليبراليين، واتهمت الأخيرين بأنهم هم السبب، وليس القاعدة، التي باركوا فعلها بعد الهجمات.

 

‫الشيخ محسن المطيري علق: (مازال الليبرالي والجامي يتهمون مجتمعنا ودعاتنا بالدواعش، فكرر الإتهام أوباما، ثم مجلس الشيوخ. هذا ما حذر منه العقلاء) ويقصد نفسه وجماعته. لكن، هل هناك شك في أن حاضنة النظام هي وهابية الفكر والمعتقد، وسلوكها اقرب الى الدواعش والقواعد؟ وعلى ذات الطريق هاجم الداعية عبداللطيف هاجس الصحفيين والاعلاميين السعوديين الذين قال انهم ادانوا المجتمع وشيطنوه ودعشنوه، فأصبحوا هم اداة كبرى لإدانة البلاد وابتزازها! والشيخ سعد التويم، يقول: (الليبرالي السعودي يجب أن لا يخدعنا بدعواه انه يقف معنا ضد ابتزاز امريكا للسعودية). ومثله الصحفي تركي الشلهوب الذي يقول ان ابتزاز امريكا للسعودية غير مستغرب (وفينا من يعزز اتهامهم لنا، كهذا الذي يدعي ان ٦٠٪ من شبابنا دواعش)، ويقصد خليل عبدالله خليل عضو مجلس الشورى السابق. أيضا يدعو الشيخ سعد الغنيم الى اعداد العدة لمواجهة امريكا والآخرين (يقصد المواطنين غير الوهابيين) (الذين يتكلمون بلساننا ويبررون لعدونا) حسب تعبيره، وذلك رداً على قرار مجلس الشيوخ؛ بل أن متطرفاً يعمل في مباحث النظام رأى التالي: (أولى خطوات التصدّي للإبتزاز الأمريكي، هي اجتثاث التيار الليبرالي الموالي لها في بلدنا. سنكون أقوى بجبهة داخلية موحدة).

لا ينتهي تحميل الخصوم السياسيين جرائر التيار السلفي الوهابي المتطرف والظهير لداعش والقاعدة، فالخصوم حسب افخواسلفي تركي الغريري تغاضوا عن اتهام ايران بالتسبب بأحداث سبتمبر. يعني لبّسوا ايران أنها وراء التفجيرات. لكن من الذي سيصدّق؟ وهذا عبدالله السويلم منهم يقول (اعلامنا هو من دعم وأيّد هذا الإبتزاز، حين اتهم مجتمعنا بالإرهاب)! اسم الله عليك، ما لدى المجتمع الوهابي من ارهاب يكفي لتفجير العالم، يرد آخر. وأيضاً، الكاتب مساعد الكثيري يلقي باللوم على قرار مجلس الشيوخ فوق اكتاف كتاب مئات المقالات في الصحف المحلية التي يقول انها استخدمت (ضدنا من باب شهد شاهد من أهلها). ويضيف: (متلبرلونا، ينقضون غزل حكومتنا من بعد قوته)!

وحتى الان، لا حديث عن القاعدة ولا شتيمة لمن قام بتفجيرات سبتمبر، ولا مناقشة حتى للإتهامات للأمير تركي الفيصل واخته هيفاء وأيضاً لزوجها بندر بن سلطان في تمويل الإرهاب بشكل مباشر. فالحقائب كانت تذهب الى ابن لادن في افغانستان، حتى بعد تفجيرات ١١/٩ كما اكتشف الأميركيون متأخراً، وان تم تبرير ذلك بأن قصد الأمير، وبناء على اوامر الملك فهد، هو إبعاد بن لادن عن القيام بتفجيرات داخل السعودية، على غرار تفجيرات الخبر ١٩٩٦.

عبدالرحمن البلي، يرى ان السعودية تتعرض لعملية ابتزاز قذرة للإستيلاء على ملياراتها. وطوّر سحمي السبيعي الأمر فطلب من (الأمّة) ان تستعد لما هو أسوأ من الإبتزاز، فهدف امريكا ديننا، هكذا يقول، وهي (تريد اضعاف بلاد الحرمين معقل السنّة). اذن لم آل سعود في حضن أمريكا وبريطانيا منذ نشأة ملكهم، والى اليوم؟ والدكتور مهدي ابو فطيم نصح رجال الأعمال السعوديين بسحب استثماراتهم من امريكا. أما فيصل الميموني فغاضب من القرار، فهو انتهاك لسيادة السعودية والقانون الدولي، وكأن أمريكا تعبأ بمثل هذا؟ والإعلامي الإسلامي عبدالله المالكي ينقل عن أحدهم قوله: (الباحث المستقل غير معني بالدفاع عن سلطة تفرّدت بقراراتها، ولم تسمح للناس بالمشاركة في اتخاذها او مناقشتها عبر مؤسسات عمومية). بمعنى أن سلطة آل سعود بوضعها الحالي وحرمان مواطنيها من حقّ المشاركة السياسية في صناعة القرار، لا تستحق أن يُدافَعْ عنها.

الشيخ الوهابي المتطرف عبدالعزيز الفوزان، الذي طُرد من أمريكا في أعقاب تفجيرات نيويورك وواشنطن يقول: (أمريكا تمارس الإرهاب وتصنع الإرهابيين، ثم يتهموننا بذلك ليبتزّونا). يعني هو ومشايخ الوهابية والنظام وشباب نجد الذين يقاتلون في كل الدنيا ويفجرون انفسهم، أبرياء. ومحمود المبارك يرى بأنه (قريباً سوف يوافق مجلس الصبيان الأمريكي) على مشروع قرار مجلس الشيوخ.

وعاد عبدالرحمن البلي لينفخ في عضلات خاوية لمواجهة أمريكا: (ماذا لو تبنّت منظمة التعاون الإسلامي مشروع تعويضات لضحايا الغزو الأميركي للعراق وافغانستان، رداً على حماقة الأمريكان؟(، لكن هناك سؤالاً سابقاً: لماذا انطلق الغزو للعراق وأديرت معركة احتلال افغانستان من القواعد الأمريكية في السعودية، ولماذا ايدت كل ذلك الرياض، أليس عليها أن تدفع ثمناً لمناصرتها السياسة الأمريكية واحتلال بلدان عربية واسلامية وقتل أهلها؟

وفي حين اعتبر الصحفي الإخواسلفي عبدالله الملحم، المداوم على الكتابة في الصحافة القطرية، تمرير مشروع قرار مجلس الشيوخ كارثياً؛ تساءل سعيد الناجي عن امكانية محاكمة مجرم الحرب بوش عربياً؟ لكن الداعية سعد الغنيم يرى الحل في المواجهة بين الجيش السعودي وأمريكا: (هل آن الأوان للمواجهة، وأن يكون الجيش السعودي درع الأمة في مواجهة الغطرسة الصليبية؟). والإخواسلفي المعارض السابق، والمطبّل الحالي للنظام، كساب العتيبي، ينتظر رداً سعودياً حازماً للجم لصوص المال والأخلاق، حسب تعبيره، ويقصد الأمريكان، الذين لا يختلفون عن آل سعود في لصوصيتهم. ودعا خالد القويز الى اصدار تشريع سعودي لمقاضاة المسؤولين الأمريكيين بتهم جرائم حرب في العراق وفلسطين وأفغانستان.

وهكذا، فإن الرياض تعتقد بأنها تحت الضغط الشديد في هذه الفترة، وأن قضية تفجيرات سبتمبر قد تمّ بعثها من القبور لتخدم اهداف السياسة الأمريكية التي طالما أعانتها الرياض بمالها وشبابها وخططها ومشايخها ومكفراتيها. وكأن هذا يجري تصديقاً للحديث القدسي: (الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه).

لا يبدو ان الرياض ستخرج سليمة من تداعيات قانون محاسبة داعمي الإرهاب بين مسؤوليها. فهي إن لم تخسر مالاً، خسرت معنوياً، وهي لاتزال تخسر في الإثنين. لكن الخسارة الأكبر، ستكون في تحميل الرياض مسؤولية نشر الإرهاب، مع ما يترتب عليه من عزلة سياسية، ومن التعامل معها بحذر، وعدم الاستثمار فيها، وربما تطور الأمر الى محاربتها والضغط عليها لتحارب الإرهاب، وتقييد نشاط وحركة مواطنيها ومسؤوليها، وصولاً الى رفع غطاء الحماية الغربي عن حكم آل سعود.

الصفحة السابقة