الوزير الجاهل المستعلي يمنع حسين بافقيه من الكتابة

حسين بافقيه: (إنها سرقة شعرية مكتملة)!

الوزير السروق، والأديب الشجاع

سعدالشريف

سرق وزير الإعلام السعودي شعر شوقي وانتحله. انتقده الكثيرون، لكن نقد الأديب حسين بافقيه الهادئ كان عميقاً وعلمياً، فلم يتحمل الوزير فأمر بمنعه من الكتابه. ومع ان القضية كبيرة على المستوى الثقافي والأدبي، إلا أن ما جرى صراع بين ذهنيتين وبيئتين وتراثين نجدي وحجازي. إنه صراع بين تراث الجفاف والتخلف والإستعلاء النجدي من جهة، وبين تراث وثقافة مكة المتعددة، حيث تمثل مكة هوية الإسلام وجوهره الحقيقي. فهي وطن كل مسلم. وقد خُلقت مكة متنوعة، وثقافتها جامعة للأمة لا مستعلية عليها

يكتب حسين محمد بافقيه عن كل ما هو جميل في السعودية.

يرسم بقلمه لوحة رائعة للابداع، تظهر فيها وجوه ونتاجات وزوايا ما كنا لنعرفها لولا رؤية هذا المبدع، ولولا حسه المرهف، فيبدو شديد الحساسية للأدب والثقافة والفن، وكل ما يحاكي الحس البشري الاصيل والخيال الانساني الواسع.

لم يمسسه شيطان السياسة، ولم تغوه شهوة السلطة والمال، وابتعد عن الطبقة الحاكمة وعفنها وجفافها الفكري والانساني، ليحافظ على طهارة ونقاء الكفل الذي بين جنباته، وقداسة القيم التي يؤمن بها، والتي من اجلها انتحى في صومعة الادب الزاهية، يبحث عن الكلمة والفكرة والتعبير، ليؤصل جانبا مهما من حياة البشر.

كان بافقيه ولازال علامة فارقة في بيئة يتناوشها الديوك والذئاب والثعالب، ويغرقون ناسها بحديث المال بما هو تذلل، والولاء بما هو خضوع، والوهابية بما هي مجموعة قيود ثقيلة على السلوك والجسد والعقل والروح.

بافقيه قال ان العالم ارحب، والانسان أغنى، وقاع البحر اجمل من سطحه!

ولهذا كان قويا وشجاعا ومتنبها للدفاع عن حياض مملكته الجميلة المثقلة بالزهور.

ولما اقترب منها احد ثعالب السلطة.. لم يستطع ان يسكت.

هاله الامر.. لقد دنسوا معبد الاحلام، واعتدوا على طهارة الكلمة.. فصرخ بهم بافقيه: خسئتم! فهذا المكان لا مكان فيه للصوص.. خذوا الدنيا وما فيها، واتركوا للحرية والقيم بيتا صغيرا فسيحا اسمه الادب والشعر والثقافة.

في السابع عشر من اغسطس الماضي غرد حسين محمد بافقيه على موقعه في تويتر، بين مجموعة تغريدات لها علاقة بسرقة وزير الاعلام والثقافة عادل الطريفي، فقال: (لو أنزلنا الأبيات التي ألقاها الدكتور عادل الطريفي على حدود النقد القديم، لما خرجتْ عن كونها سرقة شعرية مكتملة العناصر).

الوزير الطريفي رد بإيقاف الكاتب عن الكتابة في صحيفة مكة، فابتسم الاديب الناقد وهمس للقلم بيده: لقد انتصرت.. فهذه هي الحقيقة التي تبحث عنها منذ قرون: سلطة الديكتاتور لا تملك الا القمع لإخماد ضوء الحرية.

وانفجر الوسط الأدبي والثقافي والأكاديمي، وأمطر الوزير بسيل من التغريدات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، انتصرت للكاتب ولحرية التعبير، ووصفت الوزير بنعوت يخجل منها أي مسؤول، او نصف مسؤول.

لكن المسؤول المفترض لم يخجل، فقد كانت جرعة التخدير في العيش قرب السلطان وثروته طاغية، بل عمد الى المراوغة والكذب الصريح.

وبعد نحو اسبوع، نشر المتحدث باسم وزارة الاعلام انس القصير تغريدة اعلن فيها ان لا صحة لما اشيع عن ايقاف حسين بافقيه.. وهو بدل ان يتراجع عن القرار المسيء اضاف اساءة اخرى، دفعت الكاتب الى الرد بأنه اُبلغ رسميا بالقرار، واتهم وزارة الاعلام بالكذب.

وتأكيدا لما يقول، أوضح بافقيه بأن مقاله الذي كان يفترض ان ينشر في عدد يوم السبت في الثامن والعشرين من اغسطس نشرته صحيفة انحاء الاليكترونية.

وفي سلسلة تغريدات نشرها بافقيه لاحقا، رمى قفاز التحدي بوجه الوزير ولم ينحن، مؤكدا اعتزازه بأنه يكتب في صحيفة اسمها (مكة)، وتصدر من اقدس مكان على وجه الارض، يضم بين جناحيه البيت العتيق، بل هي مهبط الوحي والكلمة التي حررت الانسان، وافتتحت عهد الكرامة للبشرية.

وبافقيه هو حبيب مكة، والمؤمن برسالتها الثقافية والانسانية، الى جانب دورها الديني والايماني.. وهذا الجداوي المكي يحزن لما اصاب مدينته بكل عمقها الروحي والاجتماعي والديني، من تغيير على يد سلطة لا تفقه هذه الابعاد على حقيقتها، بل تتخذها تجارة وشعارا للمزايدة.

ومن كانت مكة في قلبه وقد تملكه عفاف الكلمة والايمان، لا يخشى سلطة وزير يجهد نفسه للبقاء في المنصب، الذي تعف عنه نفس الاديب الناقد، المتبتل للقيم الانسانية، والمشبع بتراث مكة النبوي والرسالي.

لقد انتصبت قامة بافقيه كأنه واقف في بدر يجاهد المشركين، ويدفع جهلهم عن النور البازغ، وهو يرى ان العبث بهذا التراث في مكة التي يسميها هبة الحج على يد الجاهلين، سيزداد أثره السلبي جيلا بعد جيل.

وما لم يقله الكاتب نصاً أوحى به رمزياً، في اشارة الى هذا الصراع بين الحضارة والتخلف، وبين الثقافة وجفاف الصحراء، وبين عصبية القيم، وعصبية القبيلة، وبين سماحة الدين وانفتاحه، وتشدد المذهب وجفافه.

وهذا ما ذهب اليه الكاتب بافقيه في تغريداته اللاحقة في الثامن والعشرين من اغسطس بأن الوزير أرادها معركة ثأر شخصي، الا انها ابعد من ذلك؛ فهي عدوان على كرامة الثقافة واحترام الكاتب، بل هي اساءة لسمعة البلاد وحرية التعبير، البلاد وهي ارض الحرمين الشريفين، وحرية التعبير توازي النص الالهي.

وبديهي ان يقف المثقف على الضد من هذه النزعة التي تسعى في النهاية الى قولبة الوعي وقتل روح المبادرة والاختلاف.

ويربط بافقيه بين محاولة تقديس غير المقدس في التاريخ، وإضفاء هالة على التجربة البشرية التي لها ما لها وعليها ما عليها، وبين مصالح الناس الآنية وخوفهم من الطبقات المهيمنة على السلطة.

ويكشف عن نزعة اصيلة للحرية، رافضا كل قيد عليها من اي انسان اخر، فليس من حق موظف او مسؤول او زعيم ان يحدد للناس كيف تفكر. وبديهي ان نفهم ان ذلك ليس تمردا على القيم وثوابت الامة.

وهذا الكلام قاله بافقيه قبل خمس سنوات من الآن على الشاشة؛ وقبل ذلك بكثير في وسائل اخرى، وكان عليه ان ينتظر الى اغسطس من العام الحالي ليأتي جاهل ـ بصفة وزير ـ يحدد له ماذا يكتب وكيف يفهم الاشياء.

قدم بافقيه للوزير الطريفي درسا حول واجبه في احترام وتشجيع البيئة الثقافية المبدعة، وهو ما تتلطى خلفه السلطة السياسية في هذه المرحلة، وايسر شروط الابداع ان يتاح للكتاب والمبدعين والفنانين التعبير عن مواهبهم في بيئة جاذبة ومشجعة ضمن الالتزام بالقيم والثوابت، والتي ليس منها بالتأكيد تقديس الاشخاص، وعصمة الوزراء والموظفين وكل المسؤولين، والتغطية على سرقاتهم الأدبية، إن تعذّر الأمر في فضح سرقاتهم المالية.

وللتأكيد على الصراع بين التحضر والتصحّر يقول بافقيه:

ان بلادنا هي معدن الثقافة العربية، ومن ذاكرتها يمتح كل المبدعين والمثقفين العرب؛ وهذا رأسمال رمزي علينا رعايته واستثماره.

وهذا ما يؤمل من وزير شاب يقدم لبلاده ما تستحقه لمكانتها وتاريخها ودورها الحضاري.. وهذا الدور يبدأ من سوق عكاظ وتاريخ شعر الجاهلية وأدبها، ويتوج بالانفجار الفكري والحضاري الذي تسببت به آيات القرآن الكريم، وما فتحته من عوالم مفتوحة على الابداع والانسانية.

وللدلالة على اخلاصه للثقافة واتخاذها ميدانا للبحث والنقد والتاريخ، ها هو في رواق الذاكرة يتناول شهر رمضان المقدس الغني بدلالاته الدينية والعبادية والايمانية، الا انه يتناولهة كمعطى ثقافي.

والاكيد ان بافقيه مهموم بالثقافة، الا ان ما يقوله ينضح بالدلالات السياسية والاجتماعية، فهو يؤكد على اشعاع مكة وثقافتها وعلى قيمة هذه الثقافة المتراكمة بالتنوع والتعدد.

فهل كان حسين بافقيه يعبر بقلق المثقف، عن الخوف من هيمنة مذهب جامد لا يعترف بالآخر ويزعم امتلاكه الحقيقة دون غيره؟ بل يحاول طمس التراث والثقافة والعادات بحجة الحفاظ على النقاء متهما كل الحضارات بالشرك؟

وحديثه عن مكة المكرمة مقرون دائما بالتطرق الى التنوع والتعدد، وهو يختصر ذلك بتعبير فسيفساء مكة، ويشرح السبب ويعرف الفسيفساء، بأنها معادل للتجربة البشرية في اجتماع الاضداد لخلق بوتقة الجمال.

ولكن انّى للوزير الشاب ان يعلم ذلك، وهو ابن بيئة ما عرفت الا بالتشدد والانغلاق، فكرا وايمانا وسياسة واجتماعا، وفي رحلته السريعة بين مقاعد الدراسة وكرسي الوزارة، ظل ظلا للسلطة المأزومة بفكرها وتاريخها وادائها.

وهو ما قاله العديد من الكتاب والادباء والمثقفين السعوديين، الذين هالهم سقوط وزير الاعلام الى هذا المستنقع الذي خبروه في حلقة الامراء واجهزتهم الامنية فاجتنبوها، حرصا على مساحة ضيقة من الحرية، وهي التي داهمهم فيها الطريفي بسوط الامراء نفسه.

وأصل الحكاية، ان الوزير عادل الطريفي سقط سقطة مدوية، وكشف عن جانب من العلاقة الانتهازية بين الطبقة النجدية الحاكمة ورأس الهرم من امراء آل سعود، فعلى الملأ اراد الطريفي ان يستعرض عضلاته الادبية.. وهو ليس مضطرا لذلك الا من باب المزايدة والادعاء، فهو ليس أديباً ولا شاعرا، ولكنها عقدة الاستعلاء والتبجح، التي تحكم هذه الطبقة، التي تسعى لتأكيد سيطرتها على ارض الجزيرة بقطيفها وحجازها ونجرانها وحائلها وجيزانها وعسيرها وأحسائها وتبوكها.. الضاربة جذورها في عالم الفكر والادب والشعر واللغة والدين.. فأنشد الوزير شعرا قال انه اجهد نفسه في تأليفه حبا للأمير (خالد الفيصل/ امير مكة). ولم يقل انه منحول بطريقة رديئة.

وجاء نص الأبيات التي سرقها الطريفي كالتالي:

أيها المنتحي بمكة دارا

فضّ ختم الزمان والشعر فضّا

قف بتلك الربوع ربع عكاظٍ

ممسكا بعضها من المجد بعضَا

ربّ نقشٍ كأنما نفض الصانع

منه اليدين بالأمس نفضا

شاب من حوله الزمان وشابت

وشباب النفوس ما زال غضّا

أما أمير الشعراء أحمد شوقي فيقول في قصيدته:

أيها المنتحي بأسوان دارا

كالثريا تريد أن تنقضّا

اخلع النعل واخفض الطرف واخشع

لا تحاول من آية الدهر غضا

قف بتلك القصور في اليم غرقى

ممسكا بعضها من الذعر بعضا

شاب من حولها الزمان وشابت

وشباب الفنون ما زال غضا

وحتى الامير الممدوح (الشاعر!) خالد الفيصل كما يصف نفسه، صفق لهذا الشعر واختال بضحكته غرورا.. ليتبين ان الشعر مسروق!! وممن؟ من أمير الشعراء الذي يحفظ شعره تلامذة المدارس.. ولكنه غاب عن ذائقة الوزير السارق والامير المخدوع.. بل الفضيحة الاكبر ان الوزير المستشعر، لم يكتب الشعر، بل هناك من كتبه له وغشه فيه.. فكانت جريمته مزدوجة: سرقة الشعر من امير الشعراء، وانتحال صفة بغير وجه حق.

وبدل ان يعتذر الوزير ويقر بالحقيقة، راح كالعادة يكابر، وفتح معركة مع النقاد والادباء الذين وقفوا يدافعون عن حياضهم ونظافة بيئتهم، ويمنعون عنها اللصوص والمزورين.

الكاتب حسين بافقيه كان احد المشاركين في حملة انتقاد الوزير الطريفي.

من هو حسين بافقيه؟

وصف الناقد محمد العباس الحداثة السعودية بالوهم. كونها لم تتبن قضية كبرى يلتف حولها المثقفون. وقال ان أغلب المثقفين محسوبون على الحداثة والتنوير، إلا أنهم لم يسهموا بما يؤكد انتماءهم لمشروع الحداثة الفعلي.

ولم يتردد في إطلاق لفظ (جثث) على مثقفين اكتفوا من الثقافة بالوجاهة وكسب المال ورحلات السفر والترفيه تحت مظلة الثقافة.

واستثنى العباس الناقد حسين بافقيه كونه مثقفا يشعرك بأنه يتغير وينمو ويتطور، على عكس معظم المثقفين في السعودية الذين تخشبوا منذ زمن على المستوى الفكري والأخلاقي.

هو اذن من ابرز النقاد والادباء السعوديين، اخرج للجمهور: طه حسين والمثقفون السعوديون، ذاكرة الرواق وحلم المطبعة.. وهو من الاسماء البارزة في مجال الصحافة والاعلام، ترأس تحرير مجلة الحج، ومجلة الاعلام والاتصال، وتولى منصب رئيس التحرير في صحيفة ام القرى.

وعندما يعرف الناقد والباحث بافقيه نفسه، يكشف أولا عن تعلقه العاطفي والشخصي بعالم الثقافة والتاريخ. وفي احدى الجلسات الادبية في الصالون الثقافي الاول في جدة، يصف بافقيه نفسه بأنه قارئ، ولكنه يتمنى لو ظل قارئا وحسب فلماذا؟

هنا يكشف احدى طبائع النقاد والادباء عموما في التحزب والتحيز راجيا ان لا يكون في هذا الصنف من الناس. ويرى ان ذوقه وميله الآن يجعلانه كلاسيكيا او تقليديا اكثر منه حداثيا.. بحيث ان همه الاساسي هو الادب والنقد المتجرد.

ولكن ذلك لم يشفع له عند الوزير.. فهل كان بافقيه يتوقع ذلك؟

ألا يعرف بافقيه ان نقده سيسبب له العداوة والصدام مع من ينقدهم؟ خاصة اذا كانوا من طبقة المسؤولين؟

اجل انه يعرف، وقد تنبأ به مرارا في تصريحاته وكتاباته، ولكن هذه طبيعته وتلك طبائعهم، والصدام هو صراع طبائع، وهو ما قصده بافقيه عندما تحدث عن استهداف شخصي له من قبل وزير الاعلام، بهذا المعنى، وليس بتحميل اللفظ الدلالة الفردية، بل ان من كانت طبيعته الجهل بالادب، والاستعلاء على الناس، لن يقبل النقد، وسيعتبره تهجما ونيلا من شخصيته.

بافقيه باحث واعلامي واديب وتربوي، ومن الذين تعبوا على تطوير أدواتهم بالاطلاع على ثقافات شتى، وتجارب متنوعة بين الادب وفنونه والاعلام ومذاهبه، والفكر وتياراته، والتربية ومدارسها.. وعلى الرغم من صفة التواضع التي يتصف بها في اسلوبه وطريقته في الاداء والتعبير، الا انه عنيد وصلب، كما يقول احد اصدقائه الذي يعرفه عن قرب.

ويؤكد بافقيه أن هويتنا العربية مشوهة جراء عدم التوثيق او العبث بتاريخ الاحداث التي مرت بها الامة بشكل موضوعي.. ويعيد السبب ـ فيما يخص السعودية ـ الى حداثة التجربة الثقافية في الجزيرة العربية، التي لم تعش فكرة الدولة الحديثة الا منذ فترة قريبة فأصبحنا وكأننا بلا تاريخ! وهي كلمة كبيرة واشكالية.

بافقيه يذكر انه شخصيا تعرّض لصدمة معرفية من كتب التاريخ التي يجري تبنيها كرواية في المناهج التعليمية، ويرى ان وراء ذلك هدفا ايديولوجيا.

بل هو يحذر من التصنيف واعتماد منهج التكفير في مجال الثقافة كما في السياسة والدين.

ولا يدافع بافقيه عن نفسه في وجه وزير طاغ جاهل، بقدر ما يدافع عن العديد من الكتاب والمفكرين الذي أودت بهم ثقافتهم الى سجون النظام المتسلط.

ويؤكد بافقيه ليس على حق الاختلاف والتنوع وحسب، بل على حقيقة ان هذا التنوع قائم، وهو حقيقة ينكرها اصحاب مذهب التشدد الوهابي النجدي، الذين يتصفون في الجملة بالاستعلاء في الدين والسلطة.

ولكي يثبت فرضيته بأن هذه الارض، التي اختارها الله لرسالته حاضنة ومنطلقاً، هي ارض التلاقح والتعدد والتفاعل البشري، منذ النشأة الاولى للمدنية عليها، يسأل المؤرخ والناقد: من هو أول مكي في التاريخ؟.. ويجيب: هو نبي الله اسماعيل عليه السلام الذي جاء ثمرة تلاقح حضارتين: واحدة حملها النبي ابراهيم عليه السلام من بلاد الرافدين في العراق، والثانية اختزنتها والدته السيدة هاجر من بلاد النيل في مصر. فكانت نواة هذه الحضارة في مكة والحجاز، الى يومنا هذا، كارهة للجمود والتصلب الذهني والفكري.

ويؤكد بافقيه تعلق المسلمين بمكة، ويروي قصة طه حسين عميد الادب العربي، عندما زار مكة بمناسبة انعقاد مؤتمر ثقافي نظمته الجامعة العربية، واراد ان يعتمر، فطلب من سائقه ان يتوقف في الحديبية.. حيث نزل وصلى وتأمل ببصيرته النيرة.

ولم يكتف طه حسين بذلك، بل هو يسجل في خطبة تاريخية له في السعودية، كيف ان لكل مسلم كما يقول الفرنسيون وطنين، وطنه الذي ولد فيه، ووطنه الذي يحمل ثقافته، ومكة بهذا المعنى هي الوطن الثاني لكل مسلم.

ثم يتحدث بافقيه عن عبقرية المكان، وكيف ان مكة هي المكان الذي تصهر فيه ثقافات الامة بتعددها واختلافها لتنتج ثقافة جديدة هي الثقافة المكية، الجامعة للامة لا المستعلية عليها النابذة لها كما تفعل الثقافة النجدية المتزمتة.

وليؤكد بافقيه هذا المفهوم بمدلوله السياسي والثقافي العام، يعود ليشدد على ان حرية الرأي وتعدد الآراء وتفاعلها هو هوية مكة، اي هوية الاسلام وجوهره الحقيقي.

والصراع بين الذهنية الحجازية التي يمثلها حسين بافقيه عن جدارة، والعقلية الجافة التي يعبر عنها الوزير الطريفي، صراع يظهر في التراث الثقافي والخطاب الاعلامي الذي يبشرنا به بافقيه..

ولا يمكن اخفاء ذلك وخصوصا في المفاصل الحساسة التي سنشغل بها المجتمع السعودي، ومنها قضية المرأة ودورها ومكانتها في الحياة السياسية والاجتماعية.

بل ان المرأة المكية ، او الحجازية، او المسلمة - نظرا لان بافقيه يؤكد عالمية الحضارة المكية ودمجها بين الثقافات المتعددة الوافدة اليها - هذه المرأة كانت مرجعا فقهيا يتعلم منه الرجال.

وكي لا يذهب الظن الى مراحل موغلة في التاريخ، فإن المؤرخ والناقد بافقيه يضرب لنا مثلا يعود الى ما قبل مئة عام فقط، اي الى المرحلة التي سبقت مباشرة قيام الدولة السعودية وفكرها الوهابي.. حيث ظهرت العالمة فاطمة الزبيرية الفضيلية المكية.

وقال ان الذين ترجموا لهذه العالمة وارخوا لسيرتها، وهم من كبار المؤرخين في الجزيرة العربية، اشاروا الى مكانتها الرفيعة في مجال علمها وعملها، حيث تتلمذ على يديها علماء اجلاء، وعالمات فاضلات من مكة والعالم الاسلامي.

ويرى ان هذه الميزة في القيمة الحضارية للمدينة المقدسة، هي التي فهمها المستعمر، واراد ضرب مكة واخراج الحج اليها عن الهدف الاساسي الذي شرع لها، الى جانب كونه فريضة دينية، فهذا الطقس ذو دلالة سياسية بالغة.

وهذا الفهم لدور مكة بديهي انه يتناقض مع فهم السلطة السعودية وادواتها الدينية، التي تسعى الى تجريد الحج من هذه الروح الانسانية والسياسية.

ويعرفنا بافقيه على بعض ابرز علماء مكة المكرمة المعاصرين، ومنهم عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الوهاب ابو سليمان. ولعلني استشعر تلك النبرة والحركة التي تسبق كلمات بافقيه للدلالة على علاقته الحميمة بما يقول، وشغفه بالثقافة ورجالها ومكة واعلامها.

ومرة اخرى، وهي ليست المرة الاولى، يؤكد بافقيه التضارب بين ما تريده الدولة الوطنية القطرية وطبيعة مكة ورسالتها الدينية والانسانية، فهل يلمح بافقيه الى ضرورة قيام ادارة خاصة للمدينة المقدسة تتعدى ما يسمى سيادة الدولة الوطنية؟ على كل حال هو لم يقل ذلك صراحة، ولكن التناقض الذي شدد عليه بين ثقافة مكة ورسالتها الانسانية، والتضييق الخانق للنهج السعودي الوهابي، يوحي بالتنافر بينهما، وعجز الاطار السعودي عن استيعاب براكين مكة المتفجرة، علما وثقافة ورحابة انسانية.

الكثيرون تحدثوا عن الصراع بين ثقافة الحرية وثقافة المنع، اذا جاز اعتبار القمع ثقافة.. وهناك من عبر الى فضاء اوسع للصراع يتعدى الرجلين، الى عالمين قد تكون لهما حدود فكرية او جغرافية او سياسية، بمعنى علاقتهما بالسلطة.

وفي كل حال فإن ما شهدناه ليس حدثا مقطوعا، بل هو جزء من منظومة صراع تتفاعل داخل هذا المجتمع المتعدد المتنوع، كما يريده بافقيه، والجاف المنمط الذي يناسب سلطة الرجل الواحد.. كما اراده الوزير الطريفي.

الصفحة السابقة