الخاسرون.. يبحثون في الظلام عن دورٍ ما


السعودية واللاعبون الرئيسيّون في العراق

هاشم عبد الستار

الدخول السعودي المتأخر على خط السياسة العراقية بعد الإنتخابات الأخيرة، والذي تجلّى في تحرك سياسي، استقطبت الرياض على أثره شخصيات عراقية أساسية كالقطبين الكرديين: الطالباني والبارازاني؛ والسيد عمّار الحكيم رئيس الإئتلاف الوطني العراقي، وطارق الهاشمي، أحد كبار شخصيات القائمة العراقية التي يرأسها علاّوي.. الدخول السعودي المتأخر هذا بحاجة الى تكثيف الضوء حوله ومعرفة أبعاده والظروف المحيطة به.

أن تأتي السعودية متأخرة، خير من أن لا تأتي!

خيرٌ لها بدرجة أساس؛ وخير للعراق؛ وخيرٌ للوضع الإقليمي عامّة، وهو وضع يتمّ في أجوائه عملٌ سياسي تنافسيّ بامتياز بين جناحي دمشق ـ طهران من جهة، وجناح الإعتدال بقيادة مصر والسعودية. ورغم أن الأخيرتين ومن يتبعهما كالأردن وبعض دول الخليج، خسروا الكثير من الأرض، إن على الصعيد العراقي أو اللبناني أو الفلسطيني أو على صعيد أمن الخليج، أو في ساحات صراع بعيدة كالقرن الأفريقي، وآفاق التمدّد التنافسي الى بلدان أفريقية وأميركية لاتينية.. رغم هذا، فإن هناك فرصة لجناح المعتدلين العرب أن يعدّل من سياساته البغيضة والفاشلة في كل محاور التنافس المذكورة.

السعودية صحت من النوم متأخرة، وكأيّ صحوة متأخّرة، وكأي تحركات تعتمد على ردّ الفعل بدون مبادرة، وعلى رهانات ليست صانعاً لها أو محرّكاً أساسياً فيها، وعلى تصرفات رغبوية ارتجالية بدون تخطيط أو مشروع.. فإن مثل هذه الصحوة والتحركات لن تثمر كثيراً في المدى القريب، لكنها قد توقف مسلسل الخسائر، وقد تؤسس للمستقبل.

السعودية استثمرت في الموضوع العراقي في الجانب السلبي، حيث كان رهانها مخالفاً ومتعارضاً مع منافسيها في طهران ودمشق وحتى استانبول، كما أنه كان متعارضاً مع التوجّه والرؤية الغربية عامّة، والأميركية بشكل خاص. وحين نقول استثماراً في الجانب السلبي، فإننا نقصد بالتحديد: الإستثمار في تخريب الوضع العراقي الداخلي، دون القدرة على الإنتقال الى الجانب البنائي حين يؤتي عامل (تخريب المعادلة) أُكله، أو حين يفقد العنف كوسيلة سياسية مبرره.

إيران، كما هي طريقتها، استثمرت في الإثنين منذ البداية: تخريب الوضع على الأميركيين والعمل على تطفيشهم من العراق عبر دعم المجموعات المقاومة جميعاً، إلا أنها توقفت عن تلك التي تستفيد من ذلك الدعم في تصفية حساباتها الداخلية مع خصومها المحليين، أو توجه سلاحها للمدنيين. وفي ذات الإتجاه، حرصت طهران ومنذ البداية أيضاً على إقامة علاقة وثيقة مع النظام الجديد، وعلى تمديد وتقوية علاقاتها السابقة مع المعارضين العراقيين: الأكراد والشيعة، وحاولت جذب الجماعات السنيّة العربية أيضاً، وإن لم تنجح معهم كما نجحت مع الآخرين.

بمعنى آخر، فإن إيران كانت واضحة المشروع: ضرب الأميركي بقواته لتطفيشه وعدم تمكينه لشنّ حرب أخرى، كانت تعتقد أنها ستكون هي ساحتها؛ هذا من جهة. ومن جهة ثانية، دعم المشروع السياسي العراقي الذي ابتناه الأميركيون أنفسهم، وفق (الديمقراطية التوافقية) وذلك لتعبئة الفراغ السياسي القائم من جهة، ولقناعة طهران، بأن أيّ من القوى التي ستصل الى الحكم، فإنها ستكون صديقة، وفي أسوء الإحتمالات: لا يمكن لها أن تكون عدوّة، وإن رغبت في ذلك.

ومن هذه الزاوية يمكن تحليل ما يقوله البعض، بأن أهداف طهران وواشنطن اتفقت بشأن الوضع العراقي. والحقيقة فإن الإتفاق قائم على دعم العملية السياسية، وليس على بقاء الأميركيين في العراق، ولا مشروعهم في المنطقة. كما أن الإتفاق الضمني بين الطرفين على صيغة الحكم وطبيعة العملية السياسية لا يلغي الإختلاف في التفاصيل الكثيرة.

دمشق هي الأخرى كانت لها سياستها الخاصة. فهي في البداية ظهرت وكأنها تريد تخريب الوضع الأمني العراقي بأيّ ثمن؛ ومن حدود سوريا انطلق القاعديون السعوديون والخليجيون واليمنيون والمغاربة عامّة وغيرهم الى الداخل العراقي وقتل الناس وإقامة المذابح، ويعتقد بأن أحداً لم يساهم في القتل للمدنيين بقدر ما فعلت دمشق التي كانت شبه يائسة من حالها وهي تواجه التهديدات الأميركية والغربية بالقضاء على نظام الحكم فيها، خاصة بعد خروجها من لبنان ذليلة، ممتلئة بالرغبة في الإنتقام، والخوف من المستقبل.

لكن دمشق ذاتها، سرعان ما غيّرت نشاطها، فحين أدركت أن الأميركيين وقعوا في فخ العراق، وأنهم تعلّموا الدرس، ولم يعد بإمكانهم تهديدها، أو خفّ تهديدهم لها، بدأت باستخدام أوراقها الأخرى: ضبط الحدود ولو جزئياً؛ معسكرات المعارضة البعثية والقاعدية الموجودة لديها؛ المهجرون العراقيون بسب العنف والحرب الأهلية والذين وصل عددهم الى ما يقرب من مليونين. حينها بدأت الملفات شيئاً فشيئاً تتحلحل، وأظهرت دمشق اهتماماً أكثر بموضوع من يحكم العراق، والعلاقات المستقبلية معه. ولم يطل الأمر، فقد أرسلت سفيرها الى هناك وقبله وزير خارجيتها، وطار مسؤولون عراقيون عدّة الى دمشق لترتيب علاقات قويّة معها، استراتيجية ربما.

كان المسؤولون العراقيون يدركون دور دمشق التخريبي؛ ولكن أكثرهم لم يرَ فتح صدام مع دمشق، خلاف الرغبة الأميركية. فالرئيس طالباني قال أكثر من مرّة بأنه لن يتحدث بالسوء عن دمشق التي وقفت مع المعارضة العراقية وقت الشدّة. والمالكي ـ الذي قضى سنين من حياته منفياً في دمشق ـ بقي صامتاً لم يتحدث بشيء إلا متأخراً بعد التفجيرات السوداء، وبعد توقيع اتفاقية استراتيجية مع دمشق اعتقد المالكي انها أرضت دمشق. لكن دمشق ـ حسب مقربين منه ـ لم تنف دعمها لحملة السلاح، وواصلت بعض أطراف الحكم في سوريا منهجها القديم، ما دفعه الى الإشارة اليها بأنها وراء التفجيرات التي وقعت قبل بضعة أشهر والتي حصدت المئات من العراقيين الأبرياء.

لكن دمشق اليوم، وهي إذ ترفض المالكي كرئيس للوزراء، قد حصّنت مواقعها ومكانتها في العراق بشكل جيد، من خلال علاقاتها التي لم تقطعها مع السياسيين العراقيين؛ كما أنها تمسكت بورقة المعارضة لديها وأقامت لها مؤتمراً في بداية ابريل، حتى كاد البعض يقول بأن البعثيين والسنّة العرب تمسك بورقتهم دمشق؛ في حين تمسك ايران بورقة الإئتلافين الشيعيين؛ وتحاول تركيا مدعومة من السعودية والأردن أن تزاحم دمشق في الأوراق التي بيدها، إضافة الى ورقة التركمان. وقد صرح أحمد الجلبي في بداية ابريل بأن قائمة علاوي، وخلافاً لما يقال بأنها مدعومة من السعودية، أو غيرها، فإن الحاضن الأساس لها هي تركيا، وأن الدعم الإقليمي الخليجي والمصري والتحشيد وراء علاّوي كانت بوابته استانبول.

هؤلاء هم اللاعبون الإقليميون الأساسيون.

أما السعودية فهي (دخيل) على الشأن العراقي. لم تتعاط معه بشكل جاد واستراتيجي في يوم ما، اللهم إلا في فترة الحرب العراقية الإيرانية. والسعودية لم يكن لها يوماً مشروعاً إلا تخريبياً. هي كما دمشق وطهران، كانت تخشى من الوجود الأميركي في العراق، مع أنها كانت المساهم الأول في احتلاله. ولكن السعوديين خشوا بأن النجاح الأميركي في العراق يعني أن تكون السعودية المستهدف الثاني بالإحتلال (كل من طهران ودمشق كانت تشعر بأنها التالية!).

وحين انخرطت السعودية في تخريب اللعبة السياسية الداخلية العراقية، فإن بوابتها كانت طائفية، وليس لها صفة المقاومة (كما كانت دمشق وطهران تفعلان أو تشيعان). أي ان السعودية وجهت سهام قاعدتها وأموالها ليس لضرب المحتلّ بصورة مباشرة وقواته المتواجدة هناك، وإنما لقتل المدنيين الشيعة، فهنا كانت عقدتها.

والسعودية فوق هذا، لم تراهن على أحد في العملية السياسية، بل كان تفكيرها اجتثاثياً، يقضي بتدمير الديمقراطية التي هي في حد ذاتها خطر وقد تنتقل الى السعودية وتؤثر عليها (انظر العدد الماضي)، كما قادها تفكيرها الى محاولة تدمير أية إمكانية لنجاح حكم الأكثرية في العراق. هذا ما لم تفعله طهران، أو دمشق، أو استانبول. والغريب أن رهان السعودية لم يكن عقلانياً، ولم يكن مؤسساً علمياً. فكيف يمكن أن يحكم 15% من السنّة العرب، بقية الشعب من الكرد والشيعة والتركمان؟! كيف يستعيدون ذلك، بعد حلّ الجيش العراقي الذي كان فرس الرهان لتغيير مجريات السياسة؟ وكيف يتم ذلك في ظل معارضة أميركية سورية تركية إيرانية. ما فعلته السعودية لم يكن عملاً سياسياً، بل حقداً طائفياً، أبعدها عن رؤية مصالحها بعين الحكمة.

وحين بدا أن الأميركيين غير قادرين على الصمود في العراق، وأن العنف الطائفي لم يعد قادراً على تغيير الوضع، لم تنتقل السعودية ـ كما فعلت دمشق ـ الى المشروع الموازي لتبني خياراتها المستقبلية في العلاقة مع ذلك البلد. لقد حصرت كل علاقاتها بأطراف خارج المعادلة السياسية، واستعدت الجمهور العراقي الذي هو في أكثريته يكرهها، بمن فيهم السنّة الذين يحمّلون السعودية مسؤولية المساعدة في احتلال العراق وإسقاط نظام حكم صدام حسين.

السعودية لم تستعد علاقاتها القديمة مع السياسيين الذين وصلوا الى الحكم فيما بعد. لم تحترم المالكي الذي زارها كأول دولة بعد توليه رئاسة الوزراء. ولم تحترم قبله الجعفري الذي زارها مراراً قبل وبعد سقوط صدام حسين. ولم تستقبل يوماً رئيساً كردياً، أو قيادياً كردياً إلا في التعزية بموت الملك فهد؛ بل أن الرياض أعلنت باستعلاء أنها رفضت أن يزورها المالكي ليحل بعض المشاكل العالقة بين البلدين.

الآن تأتي السعودية متأخرة جداً في محاولة يائسة لتبني (من الصفر) تحالفاتها في العراق، فما عسى أن يفيدها هذا؟

إن العمل السياسي بحاجة الى تراكم كيما ينجح. والسعودية مبتدئة (عراقياً).

خلال السنوات الثلاث الماضية، بدل أن تفكر السعودية في اعادة علاقاتها مع العراق وبناء خطوط لقاء مع قادته السياسيين، كما كان الأميركيون يريدون، انتقلت ـ ويا للجهل ـ الى التشنيع بالنفوذ الإيراني بالتحديد! ولكن عبر الإعلام فحسب. والإعلام لا يغيّر شيئاً، ولن يغيّر في الحالة العراقية، حيث يوجد إعلام محلي صاخب بأكثر من ثلاثمائة فضائية، وأكثر من سبعمائة صحيفة!

على السعودية أن تبدأ بحفر الصخر العراقي، وأن تبني للمستقبل.

هذه هي النصيحة التي يمكن تقديمها لنظام لم ينتصح يوماً!

أما الآن، فاللاعبون الإقليميون المجاورون للعراق ثلاثة من الكبار: نجاد، والأسد، وأردوغان. والأميركي بالطبع!

لم يبق سوى الأردن والسعودية.

أما الأردن، فهي تقتات على العراق حيّاً أو ميتاً، وقد حاولت أن (تتفرعن) على العراقيين رغم أنها تعتاش على محنهم، بدعم القاعدة. ولكنها تلقت صفعة عام 2006 شعبية وسياسية، وتهديداً مباشراً بقطع الدعم عنها، فخرست حتى الآن! وحسناً فعلت!

أما مصر، فكانت أزمتها ليس في فهم القضية العراقية، بل في متابعتها كذيل للسياسة السعودية. وإلا هل يعقل أن يتورط مبارك في تصريح يقول بأن الشيعة العرب عملاء لإيران؟! وهل أغلبية الشعب العراقي إلا شيعة؟!

يمكن لمصر أن تحصل على موطء قدم في حالة واحدة، إن دخلت العراق كلاعب مستقلّ عن السعودية، ويمكنها أن تكسب إقتصادياً بشكل كبير، كما يمكن ان تبني لها نفوذاً حقيقياً. مصر هي الأخرى بحاجة الى خضّة تعيد لها الحيوية والدور المفقود على مستوى العالم العربي جميعه وليس العراق فحسب.

بيد أن السعودية كما مصر تحاول الزج بتركيا كمعادل (سنّي) للنفوذ الإيراني (الشيعي)! ولكن تركيا لها أجندتها ومصالحها الخاصة، ولا تتحرك بالنيابة عن أحد كما هو واضح من سياستها العراقية.

والسعودية سبق لها أن اعتقدت بأن أميركا ستمثل مصالحها ـ أي السعودية ـ ثم اكتشفت أن عليها أن تحكّ جلدها بظفرها، وتتولّى بنفسها أمرها. وحين تولّت الأمر، اكتشفت أن بوش، ثم أوباما، لهما استراتيجية واضحة، ومن لا استراتيجية له، عليه أن يتبع الآخر!

فالى أي اتجاه تحاول السعودية؟

مع الحلف التركي، أم مع سوريا، أم تتواضع وتعرف قدر نفسها وتتعاون مع الجميع كيما توطّد اقدامها، كما يفعل الآخرون تماماً.

ليس هناك فيتو إقليمي ولا عراقي على دور سعودي. المهم أن تعرف السعودية ماذا تريد!

الصفحة السابقة