البزنس ـ إيران ـ إسرائيل (وفلسطين)

الحاضرون الثلاثة في زيارة ابن سلمان

فريد أيهم

حيثما يحضر ابن سلمان فإيران، وإسرائيل، والبزنس يحضرون!

لكن المواطن المُسَعْوَد لم يكن حاضراً هذه المرة في زيارات ابن سلمان، للقاهرة ولندن ثم أمريكا وباريس وأخيراً مدريد.

لم يكن المواطن غائباً، بمعنى أنه كان متابعاً لما يجري، يستمع لكل الآراء، ويشهد الانتصارات الالكترونية للنظام على مواقع التواصل الاجتماعي، ويرى بأم عينه سخرية العالم من الزيارة، كما يحلل ولو بصورة مبسّطة، كيف تحوّلت الرؤية العمياء لابن سلمان الى عبء يتحمّله هو، لتُختزل تلك الرؤية في هدف وحيد هو (بقاء النظام السعودي).

زيارة محمد بن سلمان لأمريكا أصابت المواطنين بالمغص الذهني حسب سخرية أحدهم. ودليل عدم ارتياح المواطنين من زيارته، تجده على ساحة تويتر. فقلما تجد أحداً علق على الزيارة، او تطرق لمحتواها. ومعظم الكتاب والصحفيين نأوا بأنفسهم عن الخوض بشأنها، وما جرى مع ترامب من تحويل ملكهم القادم الى (سبّورة)، ولا بدّ أنه قد أُصيب بخيبة الأمل والفزع حتى من خطط ابن سلمان وهو ينفق مئات المليارات في كل عاصمة حطّ رحاله فيها.

كأن الزيارة حدث خارجي لا علاقة للمواطنين به؛ وبالقطع فإن اكثرهم غير راضٍ ولكنه لا يستطيع نقدها او نقد بعض فصولها. ولم يكن هناك جدل كبير في مواقع التواصل لأنّ الساحة تُركت خالية إلا من (الذباب الالكتروني) من جماعة دليم، وكذلك بعض الكتاب والموظفين المحسوبين على وزارة الداخلية، او المنتفعين المقربين من النظام، والذين اكتفوا بالشعارات والهَبل الاعلامي.

ثم إن أصل زيارات ابن سلمان هدفها الخارج، فلماذا يُطلب من المواطن التحمّس لها والدفاع عنها ودفع أثمانها من جيبه على شكل ضرائب، ومن قوت عياله ايضاً.

في القراءة العامّة لجولات ابن سلمان، فإن المواطنين توقّفوا عند جملة من الموضوعات، تطرّقت اليها الزيارة، او تصريحات ابن سلمان في مقابلاته المتعددة والمكثفة مع صحف ومجلات أمريكية.

الموقف من إسرائيل
 

فإبن سلمان، أعلن ضمنياً اعترافه بإسرائيل، بل انه اعترف بحق إسرائيل في الوجود على الأراضي التي تحتلها، واعتبرها مقدماً وبدون تفاوض اراضٍ يهودية. وغيّر ابن سلمان موقف بلاده من قضية فلسطين بشكل كلّي: فإسرائيل ليست عدواً، وهذا ما مهد له اعلامه منذ أشهر عديدة، من خلال حملات إعلامية سعودية مكثفة تشتم الفلسطينيين ليل نهار، ومن خلال زيارات قام بها محسوبون على النظام الى الأراضي الفلسطينية ومقابلة المسؤولين الصهاينة هناك، فضلاً عن مقابلة كثير منهم في الخارج كما فعل ويفعل تركي الفيصل. بعض هؤلاء (عبدالحميد الحكيم) الذي زار إسرائيل مع أنور عشقي، دعا منتصف هذا الشهر الى الإعتراف بأن القدس الموحدة عاصمة لليهود.

إضافة الى ذلك، فإن الاعلام السعودي المكتوب والمسموع والمشاهد، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يشتم حماس، ويتهمها بالإرهاب، وهو ما فعله محمد بن سلمان علناً ايضاً، ومثله وزير خارجيته، وواضح ان افتعال هذه المعارك والإصرار عليها هو تمهيد الرأي العام المحلي للقبول بإقامة علاقات مع إسرائيل. وعلى هذا الأساس، وُضعت خطة (صفقة القرن) وقام ابن سلمان بتهديد محمود عباس بأنه ان لم يتنازل فستوقف الرياض الدعم عنه، وستطيح به وتأتي بمحمد دحلان.

محمد بن سلمان الذي لم يقل كلمة سلبية واحدة عن إسرائيل، بل قال ان لبلاده مصالح عديدة معها، وستتطور في المستقبل بعد ان تُنجز عملية السلام، يعتبر قضية فلسطين عبئاً على كاهله، لا بد من التخلص منه؛ والأدهى انه يظن بأن له حق (ما) في أن يتنازل عن شيء ليس من حقه اصلاً، وأنه يستطيع ان يتصرف بفلسطين نيابة عن الفلسطينيين أنفسهم. وفوق هذا، فإن ابن سلمان، لم يكتفِ ـ كما هو واضح ـ بالإعتراف بالكيان الصهيوني، بل أضاف اليه عداءً للفلسطينيين كشعب، وللقيادات الفلسطينية نفسها، وليس فقط حماس، ومن يراقب الاعلام السعودي سيكتشف ذلك بكل سهولة.

هذا الموقف هو الذي يجعل آل سعود عدواً للقضية الفلسطينية وليس فقط متخاذلاً في الدفاع عنها.

ومن المؤكد ان ابن سلمان يعتقد بأن قرار آل سعود سيلزم كل العرب وكل المسلمين، وسيجعلهم مطبّعين مثله ومثل بلاده، وان أحداً لن يستطيع ان يقف أمام قراراته.

والأدهى ان ابن سلمان يظنّ ان بمواقفه هذه، لن تخسر بلاده شيئاً، بل ستربح إسرائيل وامريكا والغرب، وستتحلل من عبء ـ ولو معنوي ـ كان يقيدها.

لكن الحقيقة هي أن النظام السعودي يخسر من شرعيته في الداخل والخارج.

في الخارج، العربي والإسلامي، فإن من لا يؤتَمَن على قضية فلسطين، لا يُمكن ان يؤتمن على الحرمين الشريفين. ومن يفرّط في الأولى يفرّط في الثانية. ومن لا يؤدي دوره في الدفاع عن الأقصى ليس جديراً بأن يُنظر اليه لا كحامي للمقدسات ولا حتى كخادم لها، مهما زعم ذلك. وبالتالي فإن تداعيات التحوّل السعودي، ستنعكس سريعاً على موقف الشعوب العربية والإسلامية ـ وربما بعض أنظمتها ـ سلباً، وستضمحل اكثر فأكثر زعامة ونفوذ السعودية الخارجي، ومكانتها في العالم الإسلامي.

وأما شرعية الداخل، فإن المواطنين ـ شأنهم شأن بقية الشعوب العربية ـ قد تشرّبت قضية فلسطين والعداء للمحتل الصهيوني، ولا يمكن لأمير شاب جاهل أن يغيّر من المعادلة، ولا أن يبدّل في المشاعر والمواقف، مهما كانت التبريرات. ويعتقد معظم المواطنين، بأن سقطات ابن سلمان كثيرة، وان سقطاته في الموضوع الفلسطيني لا يمكن قبولها او ترقيعها. وأن العداء لحماس، والجهاد، والضغط على عباس، والتودد لإسرائيل، ومقابلة مسؤوليها، وعدم محاسبة من يزور إسرائيل، والحملات الإعلامية الرسمية، كلها ليس فقط غير مبررة، وتفتقد المنطق، بل أنها تجرد النظام من شرعيته الدينية، وشرعيته السياسية، بل وتجرد من الإنسانية ذاتها.

وبين المجتمع الوهابي والنخبة النجدية الحاكمة، من يعتقد بصدق، أن التخلّي عن الورقة الفلسطينية، ومن الزاوية البراغماتية المصلحية البحتة، يمثل خسارة للوهابية نفسها، ولآل سعود، وللحكم النجدي عامة. بل أن التخلّي إيّاه يعطي مصداقية لمزاعم إيران (العدو بنظرهم) بشأن دفاعها عن فلسطين وأهلها، ويعزّز حالة عداء الشعوب العربية والإسلامية المتنامي جداً ضد الدولة السعودية وحكامها وأيديولوجيتها الوهابية.

باختصار، هناك قناعة عامة، فإن تخلّي الرياض المتعمّد عن ورقة فلسطين، يمثل خسارة لا تعوّض ـ مهما كانت المكاسب المتوقعة من إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني.

ونظن ان ابن سلمان جاهل في التاريخ، وجاهل في السياسة، وفوق ذاك مغامر. ومغامرته هذه لم يكتشف خطرها على حكم آل سعود، مع أن ما قيل عن صفقة القرن، ماتت قبل أن تولد. والرياض التي لم تقل كلمة تعضيد للفلسطينيين في مظاهرات العودة المستمرة، ولم تنتقد إسرائيل لقتلها الفلسطينيين بشكل يومي، كما لم تنتقد أفعال الصهاينة الأخرى، تضيف الى خسائرها الكثير من سمعتها ومكانتها المتآكلة.

ربما التفت الملك سلمان، بأن إبنه قد ذهب بعيداً في تصريحاته ومواقفه، فأراد التغطية بأن جعل قمة الظهران (قمة القدس) وعاد فكرر موقف الرياض السابق، وكأنه يريد ان يمسح ما قام ويقوم به ابنه، من ان القدس الشرقية عاصمة فلسطين، وأعلن في القمة عن دعم مالي لفلسطين (نظن انه لن يصل، كما في مناسبات أخرى) إضافة الى رفض نقل السفارة الامريكية الى القدس، وهو موقف متأخر جداً من العرب جميعاً، وخاصة السعودية.

هذا الموقف السعودي تكتيكي بنظرنا، وهو يمثل محاولة لتفادي دفع المزيد من الخسائر السياسية. وهو تكتيكي من جهة ثانية، لأن الرياض ارادت تركيز النظر على ايران كعدو، ولم يرد في كلمة الملك في مؤتمر قمة الظهران، أي ذكر لسوريا او العراق او لبنان، وذلك لذات السبب. وسيبقى الموقف الجوهري للسعودية هو إقامة علاقات مع إسرائيل، وكان لدى ابن سلمان الاستعداد للذهاب وحيداً في هذا الاتجاه (ومعه الامارات والبحرين)؛ لكن أباه ـ فيما يبدو ـ رأى ان يضيع دم فلسطين بين القبائل العربية، ولأن تحصيل اجماع عربي او إسلامي رسمي في هذا المجال للهرولة باتجاه الاعتراف بإسرائيل مع قدس موحدة عاصمة للكيان الغاصب، يعد امراً مستحيل التحقيق، فلهذا لم يشأ (الملك سلمان) ان تتقدم السعودية وحدها لتواجه السخط العربي والإسلامي.

غني عن القول، ان محمد بن سلمان، مطالبٌ امريكياً، بأن يعترف بإسرائيل ويطبّع العلاقات معها بأسرع وقت ممكن، وذلك كجزء من ثمن وصوله الى الحكم، والتخلّي الغربي الأمريكي عن غريمه ولي العهد السابق محمد بن نايف.

تستطيع الرياض الإضرار بقضية فلسطين، وهي تفعل ذلك الآن، فكل سلوكها السياسي والإعلامي، وكل المواقف المستجدة للرياض، تثبت ان الرياض تسبب ضرراً للقضية الفلسطينية. واذا ما توسعت الرياض ـ بما لها من مكانة ـ فإن هناك من يجادل بأنها ـ في حال نجحت بإقناع دول أخرى للسير معها في ذات الطريق ـ فإنها ستسبب في ضرر أكبر بكثير مما هو حاصل الآن.

لكن في المقابل، يمكن المجادلة بأن الرياض ستكون هي الخاسر الأكبر من مواقفها الخيانية الحالية، وأن القضية الفلسطينية لن تموت ان تخلّت الرياض عنها او تآمرت عليها، ولا أدلّنا على ذلك، حقيقة أن قضية فلسطين اليوم أفضل مما كانت عليه العام الماضي، رغم تبدلات الموقف السعودي، وصفقة ترامب، وعنف نتنياهو.

التصعيد ضد إيران
 

لا جديد في القول بأن الرياض مصابة بمرض اسمه (إيران). كنّا نسمّيه (هوساً) ولكن الهوس تحول الى مرض مزمن. فلا توجد قضية في الكون تستهوي الرياض او تنظر اليها إن لم يكن لها صلة بإيران. هي في الحقيقة تنظر الى كل قضية من زاوية الصراع مع ايران، ويكفي هذا للتوصل الى نتيجة بأن عدم الإتزان في الرؤية السعودية هذه (دون وجود ما يماثلها او يقترب منها في الجانب الإيراني) أن الرياض لا تحتاج الى عدو إضافي، بل لا تحتاج الى عدو أصلاً، فهي عدوّة نفسها؛ فالأعمى يستحقّ الرثاء، ومصيره الفشل. ولعلنا لا نجازف مطلقاً حين نقول بأن الرياض تخسر كل يوم في صراعها مع ايران، لأنها بلا رؤية ولا استراتيجية وانما تتحكم فيها الانفعالات والعواطف لا المصالح.

ولقد كرر الإعلام السعودي مراراً بأن الخطر الحقيقي (بل الوجودي/ تماماً مثل إسرائيل) على السعودية هو من ايران، وبالتالي فإسرائيل ليست العدو. هذا الكلام تم تكراره مراراً، في المواقف السعودية الرسمية والإعلامية، تمهيداً للتطبيع مع إسرائيل، الى حد ان احد اعلاميي النظام (وهو دحام العنزي) اقترح إعطاء سفارة ايران في الرياض لتقيم عليها إسرائيل سفارتها!

الرياض تقول اليوم بمنطق غريب: حماس ذهبت الى ايران، إذن سنذهب الى إسرائيل! لا يعرف آل سعود ان يفرّقوا بين القضية، وبين من يحملها. حماس لم تهاجم السعودية، بل رجت الرياض ان تكون بديلاً عن ايران. وحتى حين تخلّى خالد مشعل ورفاقه عن سوريا وايران، لم تحتضنه السعودية، بل واصلت مهاجمة حماس، ووضعتها في خانة الإرهاب، باعتبارها حركة (إخوانية)!

ومنطق الرياض الأعوج، عبّر عنه ذات مرّة أنور عشقي، الذي زار إسرائيل أيضاً مرتين، دون ان يعترض عليه احد، حين قال بأن الاعتراف بإسرائيل ضمن صفقة القرن، سيؤدي الى سحب ملف قضية فلسطين من اليد الإيرانية. بمعنى آخر، بدل ان تتنافس الرياض مع طهران في دعم القضية وأهلها، وحين شعرت بأنها لا تستطيع المنافسة، ولا تريد ان تدفع ثمناً سياسياً في دعم فلسطين والأقصى.. لم يكن في بالهم إلا البحث في كيفية تجريد ايران من الورقة الفلسطينية عبر تصفية القضية بالكامل، وحتى لو كان رغماً عن أهلها.

هذا السلوك السعودي ليس فقط أعوج، وغير مبدئي ولا أخلاقي، بل هو أيضاً يكشف عن مأزق للحكم السعودي، الذي يفتقد المنطق والرؤية، بحيث لم يعد يرَ شيئاً ذا بال إلا أين تتموضع إيران، حتى يقف الأمراء في النقيض منه.

التشابه بين إسرائيل والسعودية كبير جداً، فقط علينا ان ندقق في خارطة حلفائهما وأعدائهما، وسنجد أنهما يتشاركان في معظم القضايا ان لم يكن كلها تقريباً. بل ان ما يجمع الكيانين السعودي والإسرائيلي، هو اكبر مما يجمع السعودية ومصر مثلاً، رغم انها عربية وحليف للحكم السعودي.

التطابق في الموقف الصهيوني السعودي واضح في سوريا، وفي الموقف من حزب الله، ومن حماس، ومن ايران، ومن كردستان العراق، ومن النظام العراقي نفسه، ومن حتى التنظيمات السورية المعارضة القريبة من الرياض او التي أيديولوجيتها وهابية كالنصرة. ولذا لم يكن غريباً ان ينسق السعوديون مع الصهاينة في أمريكا لمواجهة أوباما، واحتضان ترامب، لنسف الاتفاق النووي، وإعادة الصراع وحتى الحرب ان امكن بين واشنطن وطهران.

ما نقوله لا يحتاج الى ادلة كثيرة.

ولكن محمد بن سلمان في زيارته الأخيرة لأوروبا وواشنطن، درج على اطلاق تصريحات عنترية ضد ايران، فقد وصف مرشد ايران مرتين بأنه أسوأ من هتلر، وهذا التوصيف بحد ذاته مقصود، لأنه يريد تعاطف اللوبي الصهيوني، واليمين الأمريكي المحافظ، الذي يشاركه العداء لإيران.

ابن سلمان وصف ايران بأنها نمر من ورق، وهي مقولة لماو تسي تونغ، عن أمريكا. وقال بأن ايران لا تماثل بلاده، لا في الاقتصاد ولا في العسكر، ولا حتى في النووي. فقد قال بأن السعودية ستصنع القنبلة النووية اذا صنعتها ايران، في حين ان بلاده لا تستطيع صناعة إبرة خياطة!؛ وكأن ابن سلمان سيقوم بشراء القنبلة النووية من السوبرماركت المجاور!

وقد دأب ابن سلمان وبلبله عادل الجبير على مجاراة الدول الكبرى في مهاجمة الصواريخ الباليستية الإيرانية، بل أنه بدا للحظة ان الرياض صارت عضواً في النادي النووي، حيث دأبت عبر (البلبل إيّاه) على التصريح بما يجب وما لا يجب في الاتفاق النووي. وفضلاً عن ذلك، لم يغب الموضوع الإيراني في كل مقابلات ابن سلمان مع القادة الغربيين الذين التقاهم. ولعلمهم بعقدة السعودية من ايران، اطلقوا تصريحات ضد النفوذ الإيراني في المنطقة (وكأن ليس لهم نفوذ وان السعودية لا نفوذ لها فيها) وهي تصريحات كلامية يتم ترجمتها سعودياً بعقد المزيد من الصفقات، دون ان يغير ذلك من واقع الحال شيئاً.

وفي كل مقابلات ابن سلمان مع الصحف والمجلات، كانت ايران حاضرة بأنها تدعم الإرهاب (الداعشي والقاعدي) الذي هو صناعة وهابية سعودية خالصة استثمرتها أمريكا في سوريا وغيرها. واطلق ابن سلمان تعبير (مثلث الشر) شاملاً ايران والاخوان المسلمين والتنظيمات الوهابية الداعشية والقاعدية. وهذا تعديل من قبله، ففي مصر كان المثلث يشمل ايران وتركيا والاخوان المسلمين؛ ولكن تركيا ردّت بسرعة، فتراجعت السعودية وصرح سفير الرياض في إسطنبول بأن المقصود ليس تركيا وانما بعض التنظيمات التي تدعمها!

ووصلت الذروة ان ابن سلمان هدد ـ وحتى قبل مغادرته بلاده في جولته الأخيرة، بالحرب على إيران، رداً على صاروخ يمني وصل الى مطار الملك خالد في الرياض. وأثناء زيارته هدد مرة أخرى بالحرب ضد ايران، ومرة ثالثة قال ان الحرب ستقع في فترة قادمة بين عشر وخمس عشرة سنة!

ترى هل يستطيع ابن سلمان ان يشنّ حرباً على ايران؟ من لا يستطيع انهاء الحرب لصالحه وهو يواجه (عصابة) بزعمه، ومعه تحالف من عشر دول، وأمريكا وبريطانيا وفرنسا، وأحدث الأسلحة، وقوات مرتزقة من اليمن والسنغال وبلاكووتر وحتى بعض مقاتلي القاعدة وداعش.. كيف يمكنه ان يواجه ايران، ويستخف بقوتها، ويسمح لاعلامه بالترويج ان الرياض قادرة على مسح طهران من الخريطة خلال أربع وعشرين ساعة؟

نعلم ان ابن سلمان متهوّر ومغامر، ولولا السيد الأمريكي الذي يضبط إيقاع الكلب السعودي، لأشعل الأخير أكثر من حرب، لن تكون أولها ضد قطر، ولن يكون آخرها إيران.

وإزاء التصريحات العنترية لمحمد بن سلمان، علّق صحفي غربي في مقالة له: ان كان ابن سلمان يعني ما يقول، فهناك مشكلة في الرجل!

نعم.. ابن سلمان بنظرنا يعني ما يقول، فحالة الاستعلاء لديه بلغت حداً انه (وجمهرة المحيطين به) يظنّون ان السعودية أصبحت (دولة عظمى)، وفعلاً هناك هاشتاق في تويتر تتم رعايته من قبل الذباب الالكتروني بذات العنوان (#السعودية العظمى) يجري من خلاله النفخ في مكانة السعودية التي قفزت بقوتها الى القمة. لم يعد ممكنا التمييز بين ما هو دعاية واعلام وتضليل للجمهور المسعود، وبين الحقائق. هذا الأمر لم يختلط على الأفراد العاديين، بل على ابن سلمان نفسه.

مبررات استمرار العداء والمواجهة مع ايران، يمكن تبريرها جزئياً بـ:

١/ ان الرياض خسرت الكثير من نفوذها بسبب ايران ولصالح ايران. فكأي معركة سياسية، هناك من يربح ومن يخسر. والمنطقة بشكل عام مسرح لنفوذ كل دول العالم بما فيها الكيان الصهيوني؛ لكن الذي ضرب النفوذ السعودي في العمق هو ايران.

٢/ ان الرياض جزء من محور امريكي غربي صهيوني معادٍ لإيران؛ وبديهي ان الرياض لا بد ان تكون منافساً شرساً لإيران، او عدوّة لإيران بقدرٍ ما أيضاً. لكن الرياض ذهبت بعيداً في هذا الإتجاه، فعداؤها لا يقارن بأية دولة خليجية أخرى، ولا حتى بالدول الأوروبية نفسها، بل يمكن القول أن عداء السعودية لإيران لا يعادله في الحدّة الا عداء الصهاينة وعتاة اليمين الأمريكي المحافظ.

وقد سبق للاتحاد الأوروبي في ٢٠١٤ ان اصدر تقريراً عن السعودية، طالبها فيه بالتخلي عن دعم الإرهاب القاعدي والداعشي، وأن لا تقوم بتوتير المنطقة أكثر، ونصحت انه بإمكان الرياض التفاهم مع ايران حول النفوذ في المنطقة.

حتى أوباما نصح علناً بذلك، وقال ان مشكلة السعودية ليست خارجية، بل هي داخلية، ونصح بأن عليها ان تلتفت الى الجيل الشاب، وان تزيد من مساحة حرية التعبير وان تقضي على البطالة وغيرها.

ولهذا غضب الأمراء من أوباما أكثر فأكثر. وحاولوا تخريب الاتفاق النووي الإيراني، وقد أكد ذلك علنا ايضاً مؤخراً وزير الخارجية الأسبق جون كيري، الذي قال ان الرياض أرسلت مبعوثاً يطالب أمريكا بقصف ايران عسكريا وتدميرها بدل توقيع الاتفاق معها.

الآن، وفي ظل ترامب، الرئيس الذي لا يأبه لا لحقوق الانسان، ولا حتى لمشاعر حلفائه، فإن اليمين المتطرف يريد ابتزاز الرياض بشكل أوسع بكثير مما عمله ترامب وبوش وغيرهما، وتسعير الخطر الإيراني (وعلى الرياض ان تدفع الكلفة!).

في كل الأحوال، فإن مُنية الرياض، ومنذ سنوات طويلة، هو ان تشتعل حرب بين أمريكا وايران (الملك عبدالله كما تقول وثائق ويكيليكس طالب أمريكا بقطع رأس الأفعى الإيرانية واعلن استعداد بلاده للمشاركة ودفع الأثمان. ذات الأمر قاله مسؤول سعودي آخر، بأن ايران مجرد دُمّلة على أحدٍ ما أن يفقأها).

اذا لم يكن ذلك ممكنا، فان الرياض تتمنى ان تقوم إسرائيل بحربها على ايران، وارتفعت آمالها بارتفاع تصريحات نتنياهو التي تهدد بشكل اسبوعي بأنها قد تقوم بضرب ايران ومفاعلها. ولكن تبيّن ان ما تريده السعودية هو عين ما تريده إسرائيل، وهو ان تتولى أمريكا ضرب ايران بالنيابة عنهما. وهذا أيضاً ما أكده جون كيري الشهر الماضي.

٣/ بقي ان نقول، ان الوهابية لديها قابلية لأن تضع العداء للشيعة في قائمة أعدائها، وهو ما فعله آل سعود منذ عقود، واستغلوه ليس فقط لمحاربة ايران بنشر الطائفية باقبح صورها (ثم القاء اللوم على ايران بأنها هي من تقوم بذلك). وعليه فإن الصراع مع الشيعة وايران وديمومته، يوحد القاعدة النجدية الوهابية خلف آل سعود، مع النفخ في زيادة الخطر الإيراني وتضخيمه حدّ الجنون، فأصبح خطراً وجودياً، يهدد بزوال الدولة السعودية الوهابية النجدية نفسها بنظرهم.

غير ان الانتصارات السعودية لا تتحقق في الفضاء، ولا بالإعلام.. لهذا، فإن كل المعارك التي تخاض وخيضت من قبل، لم تستطع حتى ان توقف الزخم الإيراني، كما لم توقف الانحدار السعودي. وكان هذا كاف لآل سعود أن يراجعوا المواقف من جديد، وان يبحثوا عن استراتيجية أخرى غير صدامية مع ايران، نصحهم بها مخلص للنظام هو طراد العمري، فكان نصيبه السجن منذ أكثر من عامين ولازال حتى الآن قابعاً في سجنه!

أمير البزنس

يمكن تصوير زيارات ابن سلمان الأخيرة، بطاغية أحمق يحمل شوالاً من الأموال، وينثرها في كل عاصمة حلّ بها. بعد أن أنهى زيارته للقاهرة ولندن، عاد الى الرياض، ليأخذ المزيد من الأموال استعداداً لملاقاة ترامب في واشنطن. وقد كان الطاغية الغبي متردداً في الذهاب الى باريس، فما كان من حكام عاصمة التنوير الا أن أحيوا قضية اخته حصة التي اعتدت العام الماضي على عامل ديكور في شقتها الباريسية وهربت. المعنى: ادفع وإلاّ! فقد دفعتَ لهولاند، والآن لدينا حاكم جديد اسمه ماكرون يريد حصة لفرنسا من المال السعودي السائب.

للتذكير ايضاً، فإنه قبيل وصول ابن سلمان لواشنطن، تم نشر غسيل والدة ابن سلمان، أي زوجة الملك، فهدة الحثلين، التي تم وضعها في الإقامة الجبرية، من قبل ابنها (الداشر)، ولا تزال. الهدف ايضاً: الإبتزاز!

مبرر جولة ابن سلمان الأخيرة حسب الاعلام السعودي، هو تشجيع المستثمرين الغربيين للإستثمار في السعودية. ترى هل كان لابن سلمان وزيارته أي قيمة، وهل سيحتفى به، لو كان الأمر كذلك؟!

العكس هو ما حدث.

بعد أن (حلب) ترامب ابن سلمان، وأخذ منه مئات المليارات، وسخر منه علناً امام الإعلام، وحوّله الى مجرد لوحة إعلانات، أو سبّورة، يعرض عليها التاجر ترامب بضاعته.. جاء دور الشركات الأمريكية الواحدة تلو الأخرى.

فقد التقى ابن سلمان مع أكبر البنوك والشركات الأمريكية، ووقع صفقات، كان الأبرز بينها توقيع ابن سلمان في نيويورك عقد انتاج للطاقة الشمسية مع سوفتبنك بمبلغ ٢٠٠ مليار دولار لانتاج ٢٠٠ غيغاواط من الكهرباء بحلول ٢٠٣٠، وهو عام انتهاء الرؤية التي اعلنها ابن سلمان.

حتى الآن لم تبدأ أي من مشاريع ابن سلمان الكبرى المزعومة في رؤيته (مشروع قدية/ مشروع البحر الأحمر/ مشروع نيوم) وغيرها. وما رأيناه منذ تولي ابن سلمان السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية في البلاد، هو المزيد من البطالة، والمزيد من افلاس الشركات الكبيرة (بن لادن وسعودي اوجيه مثلاً) وكذلك اغلاق آلاف الشركات الصغيرة والوسطى بسبب الضرائب، ما فاقم ازمة البطالة.

وما رأيناه حتى الآن، هو ان فلوس الضرائب التي تحملها المواطنون مرغمين بحجة انجاح رؤية ابن سلمان، انها خلقت نحو أربعة ملايين وظيفة في أمريكا، أي انه كان بإمكانها ان تحل ازمة البطالة في السعودية لو استثمرت تلك الأموال.

والذي رأيناه ان رؤوس الأموال تهرب من السعودية، وليس تأتي اليها. وقد كان لمصادرة أموال رجال الأعمال بحجة الفساد دون إجراءات قضائية صحيحة، أثراً سلبياً على جذب الاستثمارات في بلد لا توجد فيه في الأصل قوانين حماية للمستثمرين.

ثم كيف تريد ان تقنع أصحاب رؤوس الأموال في الداخل والخارج بأهمية الاستثمار في السعودية، وأنت تنهب المواطنين لتوزع أموالهم في الخارج، ولتستثمر قسم آخر منها في الغرب؟



الصفحة السابقة